ثقافة و فنونعربي فن “الراي” الأصيل بدأ يفقد هويته ويقع في الهجانة by admin 10 يناير، 2023 written by admin 10 يناير، 2023 242 يتحدر من بوادي الجزائر وعبر عن مكابدات الشباب وأحلامهم وتغنى بالخيبات العاطفية اندبندنت عربية \ عبد الرحيم الخصار في أقل من أربعة عقود تحول “الراي” من فن ممنوع في القنوات الرسمية إلى تراث عالمي لا مادي باعتراف منظمة اليونيسكو. فخلال الاجتماع السابع عشر للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي المنعقد بالرباط، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة موسيقى وأغاني “الراي” ضمن قائمة التراث العالمي اللامادي للإنسانية. وإن كان هذا الحدث يعد انتصاراً لنمط غنائي عانى التهميش الرسمي لفترة طويلة، فإن الاعتراف العالمي به في المقابل جاء في توقيت ملتبس. فـ”الراي” بدأ يفقد وهجه في بلد المنشأ نفسه، ثم إنه أصبح يعيش حالة من الهجانة، إذ بدأ مطربو “الراي” ينحون بهذا اللون الفني صوب أشكال غنائية أخرى جديدة، متذرعين بحجة “ما يطلبه الجمهور”. حين تحدر “الراي” من البوادي الجزائرية إلى المدن، تمت محاصرته رسمياً بدواعٍ “أخلاقية”. ولأن كل ممنوع مرغوب فقد خرج “الراي” من دائرة الحصار وانتشر وذاع بين الشباب، وبلغ أوج حضوره وانتشاره خلال سنوات التسعينيات مع أسماء نقلته من الشوارع الخلفية بالجزائر إلى البلدان المغاربية أولاً، ثم إلى أوروبا لاحقاً. وإذا كان الشاب حسني الذي اغتيل في مرحلة سوداء بالجزائر هو الأقرب ربما لوجدان الشباب، فإن مواطنه الشاب خالد هو الذي حمل على عاتقه مهمة إيصال هذا الفن إلى مسامع العالم. من الشيوخ إلى الشباب ارتبط فن “الراي” في صيغته الحديثة بجيل الشباب، وبالرغبة في التجديد الفني، وفي الخروج بالموسيقى من الصالات الرسمية إلى الشوارع الخلفية والأماكن الصغيرة والمهمشة، حيث تتكدس أحلام الشباب. تحدر “الراي” في منابته الأولى من الأغاني البدوية، وانتقل من ألسنة الشيوخ إلى مايكروفونات الشباب، فقد كان مغني “الراي” يحمل لقب “الشيخ”، بينما صار مع جيل خالد وحسني ومامي وآخرين يحمل لقب “الشاب”. وبدا مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات كما لو أننا أمام بيان ثقافي جماعي يعلن انهيار الآمال الكبرى، ويتغنى بالخسائر والخيبات. وما الخيبة العاطفية التي طغت على معظم أغاني “الراي” سوى تكثيف لخيبات كبرى اجتماعية وفكرية صبت على الأجيال الجديدة عقب تراجع الأفكار والتطلعات الجماعية التي واكبت تلك المرحلة. لقد كانت نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بمثابة رماد للنار التي أضرمها جيل السبعينيات، في سياق ذلك الأفق الأيديولوجي الحالم الذي انتهى إلى انتكاسات سياسية وفكرية. الشاب خالد نجم فن “الراي” ( صفحة الفنان – فايسبوك) ومثلما كان “الراي” في البادية فن الفقراء، ظل أيضاً في المدينة مع الأجيال الجديدة الفن الأثير والرائج بين شباب ينتمون في الغالب إلى الفئة الاجتماعية ذاتها، لذلك أريد لهذا الفن أن يبقى بعيداً من الضوء الرسمي، وخارج السياسة الثقافية والفنية للبلاد. فكلمة “راي” في اللهجة الدارجة هي كلمة “رأي” في العربية الفصحى، بما تحمله هذه الكلمة من دلالات وأبعاد تهم الحق في التعبير. لقد كان مطرب “الراي”، سواء في المرحلة الكولونيالية أو بعدها ناقلاً لرأي فئة عريضة من الشعب، ومعبراً عما يعتمل في ذاتها من هموم ومكابدات، سواء كانت فردية أو جماعية. وقد هيمنت على لغة “الراي” في فترة تجديده مع الشباب الكلمات الخادشة للحياء العامة. وربما يعود السبب في هذه الظاهرة إلى الأماكن الليلية التي كان “الراي” يغنى فيها، وإلى الفئة العمرية التي تشكل قاعدة المستمعين. وربما يعود أيضاً إلى عامل سوسيولوجي، فالعنف اللغوي في “الراي” قد يكون بمثابة رد على عنف آخر في الواقع تمارسه مؤسسات المجتمع، سواء التي تشكل قواعد للسلطة، أو التي تستمد مشروعيتها من تراكم الأعراف والتقاليد. من المآسي الجماعية إلى المكابدات الفردية أحد شعارات “الراي” (سوشيل ميديا) منذ السبعينيات بدأت لغة “الراي” تتحول من طابعها البدوي إلى لغة المدينة، ممزوجة بمفردات وتعابير فرنسية. وبدأت مواضيع الأغاني تتحول من رصد الحالة الاجتماعية للسكان خلال المرحلة الكولونيالية إلى التعبير عن الهموم والمكابدات الفردية للمواطن، في ظل الحياة الجديدة التي عرفتها الجزائر، ومعها البلدان المغاربية الأخرى، هذا التحول من الجمعي إلى الذاتي صاحبه تحول آخر ليس في طبيعة المواضيع فحسب، بل في مفرداتها، إذ صار هذا الفن رائجاً ومطلوباً داخل الملاهي الليلية، بالتالي صارت أغانيه تتشكل أحياناً من كلمات وجمل جريئة لا يقبلها الوسط المحافظ. وهذا ما سيجعل فن “الراي” ممنوعاً في الإذاعة والتلفزيون بالجزائر، إذ لم تسمح الجهات المسؤولة عن الإعلام ببث الأغاني الجديدة للشباب باعتبارها تنتمي إلى فن خارج الحياة العامة للبلاد. غير أن الحضور الطاغي للراي مع مطلع التسعينيات كان كافياً لأن يحطم كل الجدران الحاجزة ويصل إلى المستمعين عبر مختلف وسائل الإعلام، خصوصاً بعد أن فطن نجوم “الراي” إلى ضرورة تشذيب لغتهم. في فترة التسعينيات وبداية الألفية الجديدة تحول “الراي” إلى خطاب الفجائعيات الفردية، كما لو أننا صرنا أمام مناحة طويلة. فالتيمة الأساس لأغاني “الراي” كانت هي تمجيد الفشل والهزيمة، والتعبير عن التصادم المستمر مع الواقع، والرغبة الدائمة في الهرب منه بمختلف الوسائل. ثمة مسحة من الكآبة طغت على هذا الفن تزامنا مع انفجار أزمة العطالة، وموجة الهجرة السرية إلى أوروبا، وتراجع وعود العدالة والديمقراطية التي بشر بها اليسار العربي في السبعينيات، هذا الجانب العاطفي أسهم في انتشار أغاني “الراي” في البلدان المغاربية على نطاق واسع، وأسهم إدخال الآلات الموسيقية الحديثة والتوليفات اللحنية الجديدة في انتشاره بأوروبا، خصوصاً فرنسا وبلجيكا، حيث تقيم جالية كبيرة من المغاربيين، ليصبح “الراي” بفضل أسماء من قبل خالد ومامي وفضيل ورشيد طه، وغيرهم، فناً عالمياً حاضراً على أكبر المنصات الدولية. المزيد عن: موسيقى وغناء\التراث المغربي\الجزائر\جيل الشباب\الفقرا\ءطرب\تقاليد 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أونتي بين بطل غارق في ذكرياته وآخر على شفا الموت next post فيسكونتي وازن بين انفتاحه على السينما وهيامه بالمسرح والأوبرا You may also like ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026