الإثنين, مايو 25, 2026
الإثنين, مايو 25, 2026
Home » غولدوني ومهمة كشف النفاق الاجتماعي في “مدرسة الرقص”

غولدوني ومهمة كشف النفاق الاجتماعي في “مدرسة الرقص”

by admin

 

ليس للأحداث مكان أساس لكن الواقع بثقله وألاعيبه يملأ الخشبة كما الحياة

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

ليس من السهل طبعاً إحصاء المسرحيات والنصوص الأوبرالية، وحتى الكتب النظرية التي وضعها الكاتب الإيطالي كارلو غولدوني بعدد من اللهجات الإيطالية ثم لاحقاً بالفرنسية حين انتقل للعيش في البلد المجاور.

ولكن يمكننا أن نقول إنه على الأرجح الكاتب الأكثر غزارة في إيطاليا وفرنسا في زمنه، حتى وإن كان لا بد لنا من التأكيد دائماً أن الغزارة في حالته لا تعني هبوط المستوى، بل هو واحد من الكتاب الكبار الذين كان لديهم دائماً ما يقولونه، ويمكن للباحثين أن يكتشفوا ولو متأخرين أبعاداً رائعة حتى في أعمال لهم جرت العادة على أن تعد أقل شهرة أو أهمية في نتاجهم.

وتلكم هي الحال أخيراً بالنسبة إلى مسرحية لغولدوني كانت منسية تماماً منذ زمن بعيد حتى “أعيد” اكتشافها قبل فترة لتقدم في الفرنسية في صالة “الكوميدي فرانسيز” مذكرة بأن الكاتب المعروف، بخاصة بنحو نصف دزينة وحسب من أعمال طاغية الشهرة بينها “صاحبة اللوكندا” و”أرليكانو خادم سيدين”، هو مؤلف ما يصل إلى 200 مسرحية كان من سماتها في زمنه ـي طوال القرن الـ18، أن أحدثت في المسرح الإيطالي ثورة تكاد تشبه تلك التي أحدثها موليير في المسرح الهزلي الفرنسي قبله بزمن طويل.

ومسرحية غولدوني التي نتحدث عنها هنا هي “مدرسة الرقص” التي حين قدمت في باريس ثم أعادت التلفزة الفرنسية عرضها، بدت وكأنها تتطابق مع عدد لا بأس به من لوحات ادغار ديغا التي تصور عالم مدارس الرقص.

ولعل القاسم المشترك بين المتن المسرحي والمتن الراقص أن ليس ثمة أحداث حقيقية في كليهما. هناك فقط أجواء تصور وأخلاقيات تنتقد وشخصيات ليس من السهل فهم ما الذي تفعله هنا.

ثورة راديكالية على الخشبة

غير أن التشابه بين مسرحية غولدوني ولوحات ديغا يتوقف هنا على أية حال. ففي نهاية الأمر، في مواجهة انطباعية الرسام الفرنسي المبهرة، هناك في مسرح غولدوني (1707 – 1793) تلك الواقعية التي تكاد تكون نسخة من تشيخوفية ما قبل تشيخوف، ناهيك بأن هناك ذلك التجديد الذي يمكنه أن يلخص كل ذلك التبدل الراديكالي الذي أدخله هذا الكاتب على المسرح الإيطالي.

وهنا أيضاً في “مدرسة الرقص” ذلك الجو الذي تطلع الكاتب للتعبير عنه معتبراً الديكور الذي يقدم عالم المدرسة أشبه بصورة مصغرة عن المجتمع البورجوازي في إيطاليا، المجتمع الذي ينسف الأخلاق من أساسها ويرتبط بتغيرات سياسية تقف على حافة الهاوية. وهو ما يصوره غولدوني، في العدد الأكبر من مسرحياته، سواء كانت درامية أو هزلية أو بين بين.

مشهد من التقديم الفرنسي لمسرحية “مدرسة الرقص” (موقع العرض)

 

والحقيقة أن أهمية “مدرسة الرقص” تكمن في كون هذه المسرحية وعلى رغم غيابها عن الخشبات طويلاً، يمكن أن تعد من أعمال الكاتب التي تكشف بوضوح روح المسرح الإصلاح عنده، وهو الذي ارتبط اسمه بتحويل المسرح الإيطالي من فضاء مرتجل يعتمد الأقنعة والشخصيات النمطية، إلى مسرح اجتماعي أكثر قرباً من الواقع والحياة اليومية. ولقد جاءت هذه المسرحية في مرحلة كان غولدوني يسعى فيها إلى منح المسرح وظيفة ثقافية وأخلاقية من دون أن يفقد عنصر التسلية والمرح.

صورة مجتمع وطبقة

إذاً، تكمن أهمية “مدرسة الرقص” في كونها تقدم صورة صادقة للمجتمع الإيطالي في القرن الـ18، وخصوصاً من خلال الطبقة البورجوازية الصاعدة التي بدأت تهتم بالمظاهر الاجتماعية متضافرة مع اهتمامها بالفنون الراقية التي كان الرقص في مقدمها.

فالرقص في المسرحية هنا ليس مجرد نشاط فني، بل هو رمز للرغبة في الصعود والتسلق الاجتماعيين واكتساب المظهر الأنيق والحصول على القبول داخل المجتمع. ومن خلال تصويره هذا العالم، يكشف غولدوني التناقضات الإنسانية الصغيرة: الغرور، التصنع، الطمع، الطموح والبحث عن المكانة.

اقرأ المزيد

والحقيقة أنه يبرز ذلك كله من دون أن يضطر إلى زرع أحداث محددة أو ذات أهمية في سياق المسرحية، فالكاتب يعتمد هنا الأسلوب الواقعي الذي لم يكن مستساغاً من قبل، إذ إن المسرح الإيطالي، كان قبل غولدوني وكما المعنى، يعتمد بدرجة كبيرة على الكوميديا المرتجلة التي تقوم غالباً على التهريج والأقنعة الثابتة المعبرة عن شخصيات محددة مثل شخصيتي أرليكانو وبانتالوني. أما غولدوني فقد آمن بالنص المكتوب والحوار الطبيعي، فسعى لتقديم شخصيات تشبه الناس الحقيقيين.

وهكذا، نلاحظ في “مدرسة الرقص” أن الشخصيات ليست رموزاً جامدة، بل هم أفراد لهم رغباتهم ونقاط ضعفهم وتفاصيلهم اليومية. وهذا ما أسبغ على المسرحية حميمية إنسانية جديدة على المسرح الإيطالي عهد ذاك.

النقد الاجتماعي

ولعل من الجوانب المهمة هنا أيضاً، أن المسرحية تكشف قدرة غولدوني على المزج بين النقد الاجتماعي والكوميديا. فهو لا يهاجم المجتمع بصورة مباشرة أو قاسية، بل يستخدم السخرية الخفيفة والمواقف المسلية ليظهر بعض تفاهات السلوكيات الاجتماعية، وهنا تتجلى عبقريته المسرحية، إذ يجعل الجمهور يضحك وهو يتأمل في الوقت نفسه طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة على المظاهر والادعاء.

كذلك فإن “مدرسة الرقص” تؤكد على اهتمام غولدوني بالمكان المسرحي بوصفه فضاءً اجتماعياً حقيقياً. فمدرسة الرقص تتحول هنا إلى مكان التقاء لشخصيات متعددة الطبقات والطبائع، مما يسمح بتنويع الحوارات والمواقف.

ومن الواضح أن هذا التنويع يضفي على المسرحية إيقاعاً سريعاً وحيوية كبيرة ما يجعلها أقرب إلى أن تكون صورة مصغرة للمجتمع الإيطالي نفسه.

ومهما يكن، لا يمكن الحديث عن أهمية هذه المسرحية من دون الإشارة إلى أثرها في تطور المسرح الأوروبي بصورة عامة. فغولدوني كان من أوائل الذين مهدوا لظهور المسرح الواقعي الذي سيزدهر لاحقاً في القرن الـ19. وهو أثر في كتاب كثر جاءوا بعده لأن أعماله قامت على مراقبة الإنسان العادي وتحويل حياته اليومية إلى مادة فنية، ومن هنا ما يراه النقاد والمؤرخون من أن “مدرسة الرقص” ليست مجرد كوميديا خفيفة مسلية، بل هي خطوة أساسية ضمن إطار مشروع ثقافي كبير هدفه تحديث المسرح الإيطالي ومنحه أبعاداً إنسانية وفكرية جديدة.

المزيد عن: إيطاليا فرنسا مسرحيات مدرسة الرقص كوميديا

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00