لويجي بيرانديللو (1867 - 1946) (غيتي) ثقافة و فنون الإيطالي بيرانديللو يسائل الشاشة والكاميرا بقسوة by admin 23 مايو، 2026 written by admin 23 مايو، 2026 15 “دفاتر سيرافين غوبيو، المصور” رواية مبكرة تستلهم موقف السينما من الواقع ابراهيم العريس / إبراهيم العريس باحث وكاتب للوهلة الأولى قد يبدو أن الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو إنما كتب روايته المبكرة “دفاتر سيرافين غوبيو، المصور”، في تسلم مباشر من الشخصية التي يؤديها الهزلي الأميركي الكبير باستر كيتون في واحد من أفضل أفلامه وهو المعنون “المصور”، لكن هذا الاستلهام ليس منطقياً، حتى ولو أن ثمة تطابقاً بين الفكرة الرئيسة التي يقدمها الفيلم الهوليوودي، وبين تلك التي أراد الكاتب المسرحي الإيطالي أن يعبر عنها، وتتعلق أساساً وكما سنرى، بالسلبية المطلقة التي تعيشها الكاميرا، ومن ثم، المصور المرابط خلفها يلتقط عبرها ما يدور أمامهما، وذلك في تساؤلات فلسفية حول العلاقة بين الحدث وتمثله من طريق الفن. ولعل المبرر الأساس الذي يظهر ذلك الاستلهام مستحيلاً هو أن بيرانديللو كتب روايته ليصدرها للمرة الأولى عام 1916 ويعيد إصدارها في طبعة لاحقة عام 1925، أما الفيلم فلم يحقق ويعرض إلا عام 1928، فهل معنى ذلك أن الفيلم استلهم فكرة الرواية؟ أبداً بالتأكيد. ومن هنا يمكن الحديث عن توارد خواطر أو ربما عن سؤال فلسفي كان لا بد له من أن يطرح في زمن كانت الصورة تحتل مكانها في الحياة وتثير من الأفكار ما سيتضخم لاحقاً، ليصبح موضوعاً فلسفياً. وعلى هذا يمكن أن يكون لصاحب “6 شخصيات تبحث عن مؤلف” و”الليلة نرتجل” وغيرها من مسرحيات تسللت إلى حداثة القرن الـ20 انطلاقاً من حداثة المضمون وليس فقط حداثة الشكل، يمكن أن يكون لهذا الكاتب فضل أساس في تلك التجديدات التي طرأت على دراسة السينما والصورة بشكل عام، ومن منظور فلسفي، خلال النصف الثاني من القرن الـ20. وذلك حتى ولو أنه هو نفسه لم يتوقف طويلاً عند هذا الإنجاز ولا عند تلك الرواية التي تبدو منسية على أية حال. سلبية المبدع المطلقة في الحقيقة أن اهتمام بيرانديللو بالسينما وبدور الصورة في الحياة، كان معروفاً لقلة من قارئيه أو دارسي عمله، ولكن وبصورة خاصة لدى مؤرخي حياته والمعلقين على عمله الموزع على روايات وقصص قصيرة وبخاصة على مسرحيات تشغل الحيز الأكبر من ذلك العمل. فهؤلاء كانوا يعرفون مقدار اهتمام بيرانيللو بالسينما وليس فقط كمادة للفرجة أو للتعرف إلى العالم، بل خاصة لإدراج حقائق جديدة حول علاقة الإنسان بالفن والحركة والزمن، لذا فإنه في فترة من حياته واكبت الحقبة التي كتب فيها هذه الرواية تحديداً، وجدناه يشتغل على هذا الموضوع موصلاً هذا الاشتغال إلى ذروته في هذه الرواية بالتحديد جاعلاً من تلك العلاقة الجديدة مع الواقع موضوعاً دراسياً وفلسفياً، وبخاصة من حول ما اعتبر أنه جمودية الكاميرا في وجه الواقع وبصورة أكثر خصوصية، في وجه الواقع الذي يفترض بها أن تصوره، فتفعل ولكن من دون أن يكون لها أي رد فعل. وذلك في موقف تصل عدواه إلى مشغل الكاميرا نفسه، الذي بدلاً من أن يؤنسن آلته، يتحول هو إلى آلة تحت وقع جموديتها. مشهد من فيلم “الكاميرامان” لباستر كيتون (موقع الفيلم) خصوصية المصور إذاً بفضل هذه الرواية بات كثر يعرفون ما لم يكن سوى عدد قليل من باحثي الحداثة يعرفونه، وهو أن بيرانديللو كان من بين قلة من كتاب الحداثة قد خص السينما باكراً بتلك الرواية التي كان عنوانها أول ما صدرت، سينمائياً خالصاً وهو “سكوت حنصور!” قبل أن يتحول عند إعادة صدورها إلى العنوان الذي ستعرف به والذي جاء أكثر تقريرية من جهة تناوله ملامح من حياة الشخصية الرئيسة، والمنحى الذي اتخذته علاقته بالحياة وبكل ما يحدث أمام ناظريه وكاميراه بعدما استقر في مهنته كمصور سينمائي واكتشف أن الميزة الأساسية التي يتعين أن تسم حياته كمصور هو أن تخلو تلك الحياة من المشاعر، بمعنى ألا يكون له أي موقف مما يصور مهما كانت خطورة ما يصور، فهو والكاميرا سلبيان تماماً تنتهي علاقتهما بالحدث المصور ما إن يعرض ذلك الحدث ويصبح مشاعاً عاماً. وهو يعبر في ذلك عن وجهة نظر شديدة الوضوح: “الزمن هو على هذه الشاكلة والحياة كذلك، ومن ثم انطلاقاً من المعنى الذي أتعامل فيه مع نشاطي المهني هذا، سأبقى وعلى الدوام وحيداً، صامتاً وسلبياً، أي مصوراً وحسب”. ولم يكن غريباً إزاء فعل الإيمان الجديد هذا أن يرى المعلقون على الرواية في المصور سيرافين غوبيو رمزاً للفن الخالد، وهو يتواجه مع الحياة المتقلبة، في الأقل كما كشفته السينما لبيرانديللو ولغيره منذ استحوذت عند بدايات القرن الـ20 على الصورة التي كانت جامدة فحركتها وحركت معها المخيلات. اقرأ المزيد بيرانديللو في “كسو العرايا” يجعل الحياة مجرد خيال روائي سجالات بيرانديللو المسرحية الأخروية عند بوابة المقبرة الكاميرا والجريمة لكن ذلك الاستحواذ لم يحدث صدفة في الرواية، ولم يكن عشوائياً، بل نابعاً من حادثة تصورها الكاميرا يكتشف معها المصور أن ليس في وسعه وهو يتعايش مع ما يحدث أمام كاميراه، إلا أن يكتفي بأن يصور. وتلك الحادثة تتعلق بممثل سينمائي يقتل بفعل الغيرة ممثلة روسية فاتنة يغرم بها تدعى فانيا نستيروف، لكنه بعد اقترافه تلك الجريمة يقتل بدوره بين براثن نمر متوحش كان يتعين عليه في دور تمثيلي يقوم به أمام الكاميرا أن يتغلب هو عليه. وفي الحالتين تكون كاميرا سيرافين غوبيو حاضرة وكان يتعين على هذا المصور ولو بدوافع إنسانية بحتة، أن يتصرف ساعياً إما لإنقاذ الحسناء في المرة الأولى ولم يفعل، وإما لإنقاذ القاتل في المرة الثانية لكنه لا يجد دافعاً إلى ذلك، في الحالتين ترك الكاميرا تقوم بعملها فيما بقيت ملامحه هو لا تعبر عن شيء. ومن المؤكد أن بيرانديللو إنما ترك تعابير المصور سيرافين سلبية وكأن صاحبها غير معني بكون الضحايا كائنات بشرية. ويقيناً أن ما هو على المحك هنا هو سلبية رمزية تمنع المصور من إبداء أي رد فعل، بل إنه على العكس من ذلك يفضل وبصورة تلقائية أن يبقى في عزلته “المهنية”، مصراً حتى على الصمت أمام توسلات، بل حتى إغراءات صبية يدهشها موقفه هذا، هي لويزيت التي قد يمكن القول إنها تقوم هنا مقام قارئ الرواية الذي قد يتساءل بينه وبين نفسه، أول الأمر في الأقل، عما يبقي سيرافين في سلبيته، وليكتشف كم أن هذا الفرد يشعر اليوم بالسعادة في هذه الوضعية التي تريحه. ومن المؤكد أن ما أراد بيرانديللو أن يخبرنا به هنا إنما هو أن سيرافين هذا، والمار في الرواية أمامنا هو إنسان الأزمنة الجديدة… إنسان صنعته السينما والصورة وصروف الدهر كما بات أمامنا سلبياً غير معني إلا بأن تشتغل آلة تصويره كما يتعين عليها أن تشتغل لا أكثر ولا أقل. المزيد عن: لويجي بيرانديللو الأدب الإيطالي هوليوود الممثل الأميركي باستر كيتون 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ذاكرة رقمية… اقتراح مصري لاستعادة الآثار المسروقة next post أمن الحدود الليبية… هل يدفع أطراف الصراع إلى التعاون حيث فشلوا سياسيا؟ You may also like الألم في العمل الغرافيكي بعد الحرب العالمية الثانية... 23 مايو، 2026 شراسة ما بعد الحرب في إيران تخيف السينمائيين 23 مايو، 2026 الجسد عندما يقترح طريقة أخرى للتفكير في الزمن 23 مايو، 2026 “كوكوروجو”… يعيد كتابة أسطورة الساموراي 23 مايو، 2026 مخرج وابنته الممثلة يصوران حياتهما المضطربة في “كان” 23 مايو، 2026 الفرنسي برنانوس يحاور الموت مع راهبة تحت المقصلة 23 مايو، 2026 عبده وازن يكتب عن: كتاب “تفسير الأحلام” ليس... 21 مايو، 2026 التنوير الفائق أو كيف يستخدم الإنسان فكره بحكمة 21 مايو، 2026 زفياغينتسف الذي أنهكه “كورونا” يعود بقوة إلى كان 21 مايو، 2026 مونتسكيو يسخر من أحوال بلاده بـ”رسائل فارسية” 21 مايو، 2026