فن الترقيم الجديد (سوشيل ميديا)فن الترقيم الجديد (سوشيل ميديا) ثقافة و فنون نقطة وفاصلة أسهمتا في صنع تاريخ البشرية by admin 10 يوليو، 2026 written by admin 10 يوليو، 2026 15 فلورانس هازارت تبحث في كيفية تشكيل علامات الترقيم حضارات العالم اندبندنت عربية / سناء عبد العزيز يُحكى أن ابنة أبي الأسود الدؤلي كانت تتأمل السماء ذات ليلة فقالت: “ما أجمل السماء”، فظن أبوها أنها تسأل، فأجابها: “نجومها”، قبل أن تستدرك قائلة: “إنما أتعجب!”. وبصرف النظر عن صحة هذه الرواية، فإنها تكشف أن الكلمات وحدها قد لا تكفي لإيصال المعنى إذا غابت الإشارات التي تهدي القارئ إلى المغزى. ومع اتساع رقعة التدوين، ظهرت الحاجة إلى منظومة من العلامات تضبط الإيقاع، وتحدد مواضع الوقف، وتنقل الانفعال، وتبدد اللبس. لكن هل يمكن أن نقرأ في هذه العلامات، التي اندثر بعضها، تاريخاً للبشرية؟ من هذا الطموح، ينطلق كتاب الباحثة فلورنس هازارت “موضع العلامة: من النقطة إلى علامة الاستفهام التعجبية… كيف أعادت علامات الترقيم تشكيل العالم”، فيستنطق التاريخ واللغة والثقافة لتستخلص أن علامات الترقيم أشبه بسجل لتحولات الفكر الإنساني. الوجوه المنسية للعلامة كتاب “موضع العلامة” (أمازون) تمتد رحلة الكتاب لآلاف السنين، فنشهد ولادة العلامة، بدءاً من رمز مثلثي نُقش على ألواح الطين في بلاد الرافدين. ومروراً باليونان القديمة، حين كانت الكلمات تُكتب متلاصقة بلا مسافات. إلى أن ابتكر أمين مكتبة الإسكندرية أريستوفانيس البيزنطي، نظاماً من النقاط يحدد مواضع الوقف أثناء القراءة، ممهداً الطريق لظهور النقطة والفاصلة والفاصلة المنقوطة. ولم تظهر المسافات بين الكلمات، التي تبدو اليوم من أبسط بديهيات الكتابة، إلا في القرن الثامن الميلادي على يد رهبان إيرلنديين. تعيد هازارت إحياء علامات طواها النسيان؛ من بينها الأوبيلوس (÷)، الذي استخدمه علماء الإسكندرية، عند تحقيق ملاحم هوميروس، لوضع إشارة جوار الأبيات المشكوك في نسبتها إليه. قبل أن يتحول بعد قرون إلى رمز القسمة في الرياضيات، وكذلك علامة البركونتيشن، التي ابتُكرت لتمييز السؤال البلاغي عن السؤال الذي ينتظر إجابة بعلامة استفهام مقلوبة. ثم تتوقف طويلاً عند عصر النهضة، حين شهدت الطباعة ازدهاراً غير مسبوق، فظهرت علامات جديدة، من أبرزها الفاصلة المنقوطة التي صاغها الطابع الفينيسي ألدو مانوتسيو لضبط إيقاع القراءة. أسمعك، لماذا تصرخ! تخصّص هازارت مساحة معتبرة لعلامة التعجب، نتعرف من خلالها كيف تبدلت وظيفتها بتبدل الأزمنة والسياقات. فالروائي الأميركي إلمور ليونارد دعا إلى التقطير الشديد في استخدامها، حتى إنه رأى أن علامتين أو ثلاثاً تكفيان لكل مئة ألف كلمة، بينما سخر منها الفيلسوف ثيودور أدورنو، واصفاً إياها بأنها “صُنْجٌ نحاسي يُقرَع بلا صوت”. لكن المؤلفة تكشف عن وجه أكثر دموية؛ إذ تبين كيف تحولت في يد وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز إلى أداة لتصعيد الانفعال، بعدما اعتاد إقحام ثلاث علامات تعجب في النصوص المعدة لخطب أدولف هتلر، ليجعل الكلمات والأوامر تصرخ حرفياً في أذن المتلقي. هل يفسر هذا التحول شيوع علامة التعجب في بعض الخطابات السياسية المعاصرة؟ فالإفراط في استخدامها يستهدف رفع منسوب الانفعال وإضفاء شعور دائم بالإلحاح، والرغبة في انتزاع الهتافات كما في تغريدات ترامب. الباحثة السويسرية فلورانس هازارت (صفحة الكاتبة – فيسبوك) على الطرف المقابل، تلاحظ حضور علامة التعجب في مآسي شكسبير بحذر شديد، بينما تغيب عن مسرحياته الكوميدية والتاريخية. لتتحول على يديه إلى أداة محسوبة للتنفيس عن الألم وفرط الانفعال. في الوقت الراهن، تؤدي تلك العلامة في الرسائل الإلكترونية وتطبيقات المحادثة، وظيفة اجتماعية؛ بأن تضفي على العبارة قدراً من الألفة والحماسة. وهكذا، تتنوع دلالات العلامة بحسب الغاية التي نوظفها من أجلها. علامة… تغير كل شيء يطرح الكتاب، من خلال بعض الشواهد، حقيقة أن علامة صغيرة قد تعيد تأويل نص، بل وربما تغيّر مصيراً بأكمله. وهو ما يجد نموذجه في الجدل الذي أثير بشأن حكم المحكمة العليا الأميركية عام 2008 في قضية مقاطعة كولومبيا ضد هيلر، الذي اعتبر أن التعديل الثاني للدستور يكفل حق الأفراد في اقتناء السلاح، لا أفراد الميليشيات وحدهم. تطرح هازارت هذا الحكم لتبين كيف تحولت فاصلة واحدة إلى سجال دستوري، بعد أن رأى قاضي الغالبية، أنطونين سكاليا، أن العبارة التي تسبقها ليست سوى تمهيد بلاغي، بينما يكمن المعنى الملزم في ما بعدها. غير أن المؤلفة ترفض هذا التأويل، مؤكدة أن علامات الترقيم لا تصلح أساساً لحسم تفسير النص، لأن استخدامها في أواخر القرن الثامن عشر لم يكن قد استقر على قواعد موحدة، فضلاً عن اختلاف نسخ التعديل نفسه في عدد الفواصل. يجد هذا الطرح صداه لدى اللغوي الأميركي جون ماكوورتر، الذي رأى، في مقال خصصه لمراجعة الكتاب، أن الإشكال لا يكمن في الفاصلة بقدر ما يكمن في القراءة المتكلفة للنص الدستوري. فحتى لو تجاوزنا علامات الترقيم، يبقى السؤال الذي يطرحه بسيطاً: إذا كان واضعو الدستور يقصدون حماية حق مطلق في حمل السلاح، فلماذا ربطوا النص ابتداءً بالميليشيات المنظمة، ولم يذكروا أغراضاً أخرى كالدفاع عن النفس أو الصيد؟ اقرأ المزيد العلامات التصويرية “لغة عالمية” تتجاوز الزمن والثقافة جان بيار فاي فيلسوف العلاقة المعرفية بين اللغة والعالم لم تتوقف سلطة العلامة عند القانون، بل امتدت إلى الأدب. في القرن التاسع عشر، أصر الشاعر الفرنسي شارل بودلير، أثناء مراجعة بروفات ديوان “أزهار الشر”، على إعادة فاصلة حذفها المحرر، محتجاً: “إنني أصر على هذه الفاصلة”. قد يبدو ذلك ضرباً من المبالغة، لولا أن هازارت تستدعي مثالاً مؤسفاً على مدى استهتارنا بشيء دقيق كالفاصلة؛ إذ أضاف أول محرر لرواية “على الطريق” عدداً كبيراً من الفواصل إلى مخطوطة جاك كيرواك، فأودى بالإيقاع اللاهث الذي توخاه المؤلف، وأضعف التدفق الحر كما أراد النص، فأين تنتهي سلطة المحرر؟ يجيبنا الدكتور طه محمود طه عن هذا السؤال في الترجمة العربية لرواية “عوليس”، ففي الفصل الأخير، يكتب جيمس جويس مونولوج مولي بلوم في تدفق شبه متصل يخلو تماماً من علامات الترقيم، ليحاكي انسياب الوعي وتداعي الأفكار وتلاحقها في عقل الإنسان. وهو ما حرص عليه المترجم، مقاوماً إغراء تيسيره للقارئ، أو توسيع دائرة قراءه، الذين حالفهم الحظ بأن يجربوا أثر غياب علامات الترقيم في تصعيد وتيرة القراءة لدرجة اللهاث، ما إن تنتهي مولي من مونولوجها الفياض كما النهر. دعوة للتمرد على التشابه تنتهي رحلة الكتاب في عصرنا الرقمي برصد اختلاف لافت في استخدامنا لعلامات الترقيم؛ فالنقطة التي لم تكن تعني سوى انتهاء الجملة، أصبحت تعبر في الرسائل النصية عن الجفاء وإعلان عدم الرغبة في التواصل. والتعجب الذي كان ينم عن الدهشة والاستنكار، تحول إلى دليل على الود وحيوية الحوار والترحيب بالآخر. في المقابل، ظهرت جملة من الرموز الجديدة التي تعد امتداداً لمنظومة الترقيم، ترى الكاتبة أن الشباب بحاجة إلى تعلمها، مؤكدة أن هذا التحول في طريقة التدريس من شأنه أن يغير جذرياً أساليب الكتابة الأكاديمية والتواصل الرقمي لدى الأجيال الجديدة. في النهاية، تبدي هازارت قلقاً من تراجع الفردية في استخدام هذه العلامات؛ فمع انتشار النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، بدأت الأساليب تتشابه، وأصبحت علامات بعينها ــ مثل الشرطة الطويلة ــ تتكرر على نحو ثابت لتحاكي النماذج البشرية، حتى بدا وكأن الخوارزميات تعيد تشكيل إيقاع كتابة جديدة. هنا يبدو سؤال هازارت مخيفاً: هل يقود الانتشار الواسع للنصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي إلى تآكل قدرتنا على التفكير؟ وماذا يتبقى من الإبداع إذا أصبحت علاماتنا، كما كلماتنا، ترتص وفق نمط واحد؟ المزيد عن: علامات الترقيم كتاب بحث البشرية التاريخ الحضاري النقطة والفاصلة الكتابة الحروف 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post next post إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: دي فاليا يستوحي “الحب الساحر” من حكايات عجوز غجرية You may also like ندى حطيط في “الشرق الاوسط”: أميركا الأخرى بعد... 10 يوليو، 2026 مارتن تشيلتون في “اندبندنت عربية”: جديد إصدارات بريطانيا... 10 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: دي فاليا يستوحي... 10 يوليو، 2026 محمد حجيري في “المدن”: مايوهات وجنازات ولبنان أولاً... 9 يوليو، 2026 في “الشرق الاوسط”: لبنان يطلق سراح فضل شاكر... 9 يوليو، 2026 متمرد برازيلي بطلا لمسرحية “جانجا زومبي” المصرية 9 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: هوليوود والوعي الجمعي… صناعة... 8 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: هل تفسر الفلسفة... 8 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: كونراد “يهجو” الأبطال... 8 يوليو، 2026 رحيل مايك والاس… مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى... 8 يوليو، 2026