مانويل دي فاليا (1876 - 1946) (موقع الموسيقى الإسبانية) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: دي فاليا يستوحي “الحب الساحر” من حكايات عجوز غجرية by admin 10 يوليو، 2026 written by admin 10 يوليو، 2026 15 باليه راقص اقتضى دزينة من السنوات ليقطع المسافة بين غرناطة وباريس اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب يعتبر باليه “الحب الساحر” للموسيقي الإسباني الكبير مانويل دي فاليا (1876 – 1946)، واحداً من أجمل أعماله إن لم يكن أشهرها. وككل عمل إبداعي من نتاجات هذا الفنان، لهذا الباليه حكاية كان يحب أن يرويها آخر أيامه ولا سيما حين يبدي المحيطون به دهشتهم لكون هذا العمل قد استغرق نحو دزينة من السنوات قبل أن يقطع المسافة بين مكان ولادته في إسبانيا، والنقطة التي انطلق فيها ليغزو أوروبا والعالم من خلالها. فالحقيقة أن “الحب الساحر” الذي كانت ولادته الأولى في عام 1915، وهي ولادة أتت عبر قصة هي في حد ذاتها جديرة بأن تروى، وبين عام 1928، حين لم يعرف هذا العمل شهرته الكبيرة الأولى إلا متأخراً إذ قدم في عشية لا تنسى على خشبة “الأوبرا كوميك” الباريسية وتحديداً خلال ليلة موسيقية أقيمت تكريماً لدي فاليا نفسه وقدم فيها، على مدى ساعات، عدداً من أعماله، لكن المكانة الأسمى كانت لذلك الباليه الغجري الذي أصر سيرج ليفار ملك البابيه في ذلك الحين، وكان في عز شهرته، على أن يقدمه بنفسه ويرقص فيه وسط احتفالات جعلت الدموع تنسكب من عيني دي فاليا الذي كان قد احتفل قبل ذلك مباشرة بخمسينيته، واعتبر تلك الإطلالة الباريسية على العالم أجمل ما حدث له في حياته. غير أنه أصر حينها على أن يروي حكاية ذلك العمل الذي بدأ بالنسبة إليه على شكل طرفة “إنما مصحوبة بشيء من الدهاء الأنثوي” كما قال ضاحكاً. فما هي الحكاية، وما دخل الدهاء الأنثوي فيها؟ يومها كان كثر من المحيطين بالموسيقي الإسباني يعرفون الحكاية لكنها لم تكن قد انتشرت لدى الجمهور العريض. ومن هنا كانت المناسبة ملائمة لانتشارها الذي بات ملازماً لها وأسبغ على المبدع نفسه هالة لم تكن له. بين الإبنة وأمها تبدأ حكاية هذا العمل الفني الكبير، إذاً، في عام 1915 حين اتصلت الراقصة الإسبانية الأرجنتينية من أصول غجرية باستورا أمبوريو طالبة من دي فاليا، بقدر كبير من الغنج والدلال، أن يلحن لها باليه يرتبط باسمها واعدة أن تمضي ما تبقى من حياتها مدينة له بذلك. كانت الفاتنة موهوبة بالتأكيد وبارعة في تقديم فنون الرقص على أنواعه، وكانت فوق ذلك غجرية تتمتع بجمال أخاذ. ومن هنا حين أكدت له أنه سوف يصغي بالمناسبة لعشرات الحكايات الآتية من عالم الغجر لكي يبني العمل على أساسها، وافق على الفور بل اتصل بكاتب نصوص من خلصائه هو مارتينيز سييرا متفقاً معه على أن يعطيه كل ما يروى له لكي يعيد صياغته. هكذا، كرمى لفن باستورا وجمالها، بحسب دي فاليا حدد برنامجاً للعمل وللقاءات. لكنه ومنذ الجلسة الأولى، اكتشف ما لم يكن يتوقعه: إن الحكايات التي ستروى له لن تكون على لسان الراقصة الصبية الفاتنة، بل على لسان أمها، فلئن كانت باستورا ذات أصول غجرية فإن أمها غجرية خالصة وحكواتية من طراز رفيع وسيدة متألقة. لقد صدم دي فاليا بالطبع أول الأمر، لكنه يوماً بعد يوم راح يستمع إلى حكايات الجن والشياطين والأميرات الفاتنات والسحر، الحلال وغير الحلال، وانتهى به الأمر إلى اختصار الوقت الذي كان يريد أن يمده على سنة ونصف السنة، ليكتفي بأشهر قليلة أنجز فيها العمل الراقص ورضي بنصيبه من الحكاية إبداعاً حقيقياً كان قد وطن النفس عليه على أية حال. غير أنه في المقابل لم يكن شديد الحماسة للعمل، وربما بسبب “المقلب” الذي أوقعته البنت وأمها فيه. مشهد من تقديم للباليه (موقع العرض) انتظار طويل غير أنه راح يعتاد على التفاعل مع العمل بالتدريج تاركاً للراقصة تقديمه على هواها ولا سيما في الأرجنتين. ومن هنا كان على العمل أن ينتظر ربط دي فاليا مساره الإبداعي به سنوات طويلة حتى اعترف به أخيراً في تلك الليلة الباريسية المشهودة، والتي “فضح” فيها ما حدث له. والحقيقة أن صراحة دي فاليا في حديثه عما حدث قرب العمل من قلوب الناس ليضحي منذ ذلك الحين من الأعمال المكرسة في ريبرتوار الموسيقي. بل كذلك في خلق مزاج عام يدور من حول الموسيقى الغجرية في الموسيقى الأوروبية على أية حال. بل أن كثراً رأوا أن الموسيقى التي جعلها دي فاليا لباليه “الحب الساحر”، يمكن اعتبارها أجمل لحن إسباني ولد خلال الربع الأول من القرن العشرين. ومن هنا لم يكن قليلاً عدد المرات، منذ تلك العشية، التي راحت فيها موسيقى هذا العمل تقدم بمفردها، أي من دون رقص، بوصفها كونشرتو رائع بات من الكونشرتات الأكثر شعبية في إسبانيا، بل ثمة عدد من الأغاني المعروفة إسبانياً وعالمياً، تغنى في الاحتفالات والمناسبات وفي الكاباريهات أيضاً، مستقاة من ذلك العمل. ولكن في المقابل لم يعد أحد يذكر، أو حتى يتذكر أن الحكاية كلها إنما انطلقت من حكايات وجد الموسيقي نفسه يمضي عشرات وعشرات الساعات يصغي فيها إلى سيدة عجوز تروي له مغامرات تدعي أحياناً أنها عاشتها بنفسها، أو أنها استمعت إليها مروية من كبار سبقوها في ألاعيب السحر والشعوذة ومعظمها قائم على الدور الذي يلعبه الحب في حياتنا. اقرأ المزيد “أطلانطيدا” هدية موسيقية لم تكتمل من دي فاليا إلى وطنه الإسباني “كارمن” الغجرية تتلاعب بالجنود في ميدان العتبة قبلة الحياة وذلك هو الموضوع الأساسي الذي شكل جوهر ما كانت السيدة ترويه في أذني الموسيقي الذي كان بالتأكيد يفضل أن تكون الراوية ابنة السيدة! ويتمحور الموضوع من حول حياة يعيشها غجر في مغارة يعتبرونها موطنهم في الأرياف غير البعيدة من غرناطة. وبطلة الحكاية، التي ربما تكون راويتها نفسها، تدعى كانديلاس وكانت في صباها مغرمة بغجري اسودت معه عيشتها من جراء غيرته عليها. والغجريات عادة، بحسب ما تقول الراوية، لا يستهوين الغيرة ولا أن يمتلك فؤادهن أي شخص حتى ولو كان الحبيب. المهم أن العاشق الغيور قد مات ذات يوم ولئن كان موته قد أراح كانديلاس مما كانت تعانيه معه من غيرته، فإن ذكراه لا تبارح خيالها من دون أن تقرر ما إذا كان موته قد أراحها أو عذبها. ومع ذلك ها هو شبحه يزورها بين الحين والآخر ويثير الحيرة في نفسها. وذلك لأنه يحول بينها وبين أن تعيش غراماً بدأت تستشعره تجاه الشاب الوسيم كارميلو. والمذهل في الأمر أن كارديلاس في كل مرة تحاول فيها أن تعانق كارميلو تحس وكأن شبح حبيبها المتوفي ينتصب بينهما مانعاً إياها من أن تستعيد شبابها من خلال حبها الجديد. وهي إذ سألت عجائز قومها نصحاً نصحنها بأن تبقي الجمر طوال الليل مشتعلاً ما يمنع الشبح من الظهور ويسهم حتى في طرد الأرواح الشريرة التي تصحبه. ولكن حين تفشل هذه الحيلة تقرر لوتشيا صديقة كانديلاس أن تتدخل في الأمر مغوية الشبح حين يظهر، على اعتبار أنه هو نفسه لم يكن أبداً ولن يكون وفياً لحبيبته السابقة المعذبة. وبالفعل هذا ما يحدث. إذ في اللقاء التالي لكارميلو وكانديلاس وفي لحظة تبادل هذين قبلتهما الموعودة، تظهر لوتشيا أمام الشبح الذي يؤخذ بها ما يسمح للحبيبين بامتلاك ناصية حبهما ويلهي الحبيب المتوفي بلعبة ثانية… في نهاية الأمر، ليس ثمة ما يقهر الحب سوى الحب نفسه. المزيد عن: مانويل دي فاليا الباليه الغجري الراقصة الغجرية باستورا أمبوريو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post نقطة وفاصلة أسهمتا في صنع تاريخ البشرية next post هل يكسر توخيل وغارسيا احتكار المدرب الوطني لكأس العالم؟ You may also like ندى حطيط في “الشرق الاوسط”: أميركا الأخرى بعد... 10 يوليو، 2026 مارتن تشيلتون في “اندبندنت عربية”: جديد إصدارات بريطانيا... 10 يوليو، 2026 نقطة وفاصلة أسهمتا في صنع تاريخ البشرية 10 يوليو، 2026 محمد حجيري في “المدن”: مايوهات وجنازات ولبنان أولاً... 9 يوليو، 2026 في “الشرق الاوسط”: لبنان يطلق سراح فضل شاكر... 9 يوليو، 2026 متمرد برازيلي بطلا لمسرحية “جانجا زومبي” المصرية 9 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: هوليوود والوعي الجمعي… صناعة... 8 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: هل تفسر الفلسفة... 8 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: كونراد “يهجو” الأبطال... 8 يوليو، 2026 رحيل مايك والاس… مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى... 8 يوليو، 2026