ثقافة و فنونعربي مهى سلطان: أدريان بيبي في غاليري “أجيال”… قصائد رعوية من السحر البدائي by admin 5 أبريل، 2021 written by admin 5 أبريل، 2021 99 بيروت- النهار العربي / مهى سلطان في غفلةٍ من حالنا كأننا في انتظار من يفتح لنا نافذة كي نتطلّع منها الى النجوم الآتية من سماء الأزمنة البعيدة، كي نرنو الى السحر البدائي الذي يعيد لنا ما سُلب منا في عصرنا الراهن من بساطة وتقشف في استنباط علاقة الأنسان بالأرض وكائناتها وموجوداتها. هكذا تدعونا لحظة الهشاشة العالمية هذه الى البحث عن أجوبة من منظورِ أكثر تكاملاً، وإعادة النظر في أشكال الوجود البدائية والمتأصلة فينا. في أوقات الأزمات نجد أقصى درجات الحرية والوضوح، ونستكشف عالم الإمكانية لتحويل منظورنا بشكل خلاق نحو مستقبل أفضل. في هذا السياق يأتي المعرض الذي ينظمه صالح بركات في غاليري “أجيال” للفنان أندريا بيبي (من الهندرواس- أميركا الوسطى)، كثمرة تعاون غير عادي بين فنان معاصر وحرفيي البقاع اللبناني الذين لا يزالون يمارسون حِرفة صناعة اللباد المحلية منذ قرون. هكذا ينقلنا المعرض من تكنولوجيا الحياة المعاصرة وتعقيداتها الى دفء الجماليات المتأتية من صناعات شعوب ما قبل الحضارات وما قبل التاريخ. فاللباد هو الخامة التي توارثتها الأجيال على ارض لبنان الفينيقي وهو جزء لا يتجزأ من فولكلور اللباس القروي اللبناني، الذي دخل في الذاكرة الجماعية. قطعة من المعرض قصائد بصرية المعرض مدهش من نوعه كونه يجمع بين سحر الملامس الدافئة لخامة اللباد بطبقاتها وتأويلاتها واحتمالاتها وتنوعاتها، فتبدو القطع بتصاميمها كمعلقات بدائية شجية تتدلى مثل قصائد بصرية بمحولاتها الزخرفية وأشكالها المبتكرة. وهي تجسد محاولة احياء التقنيات القديمة في فن معاصر يحافظ على طبيعة الخامة الأولية، ويقع في واقع ما بعد الاسطورة والخيال الشعبي والاستيعاب التقليدي والرمزي للموروث الانساني الهائل المنعرجات. إنّه تاريخ الحياة الأليفة بين رعاة الأرض والأغنام، والصوف هو المنتوج الأول الذي تحول بين يدي الانسان الى ملبس ومأوى وزينة، وأدريان بيبي يذيب الحدود بين الحِرفة والفن وهو يحذو حذو شعوب بلاد الشرق الأدنى القديم مستعيداً تلك التقنيات البدائية في معالجة ألياف الصوف بين تلبيد وتجديل وغزل وتطريز يدوي بالإبرة بقصب الصرما ذي اللون الذهبي، في سلسلة من المنسوجات التي تتبدى كقطع شعائرية ملغزة من مزيج ذاكرة الازمنة واساطيرها وخرافاتها وسردياتها. فن ادريان بيبي هو بمثابة نافذة على التاريخ، تجمع ما بين المتحقق في قوى الموروث الشعبي والخيال الشخصي الخصب والمجنح والمعقود على أواصر نسيج التقاليد الشعبية في تكوين اللباد في العصور البدائية ضمن سياق مجتمعي وممارسات فنية وعلاقات تدخل في صلب فكر المعاصرة. هذا الفكر الذي كرّس منظومة ثراء إعادة استخدام المواد الفقيرة، التي شكلت في ملامسها الهشة تقاليد الفنون الشعبية المنسية، ولا بد من ذكر أن اللباد كخامة بدائية أخذ يشغل وظائف فنية في حقبة ما بعد الحداثة بعدما اتخذ صفة مجتمعية- طقوسية عجيبة لدى جوزف بويز. جماليات الفنون الرعوية غاص أدريان في تكاوين نسيج معلقاته لفك اسرار تقاليد صناعة اللباد، باعتباره اول نسيج انتجه الانسان، عَكَس رموز الاشكال الهجينة التي ترسخت في علاقة الانسان البدائي بالأغنام. فاللباد هو نوع من القماش المتداول من قبل الشعوب القديمة الرّحل، كان يصنع في العصور السومرية القديمة بنقع ألياف الصوف بالماء وضغطها على شكل مستوٍ او على قوالب محددة لصنع القبعات والعباءات البدائية التي كان الرعاة يلبسونها مثبته بين الكتفين بواسطة اعواد خشبية دقيقة. ويعتقد أن أقدم الاثار لأقمشة اللباد تعود الى فترات ما قبل التاريخ في مناطق مختلفة من العالم مثل سيبيريا وأوروبا واسيا الجنوبية وأميركا الشمالية. وقد سعى أدريان بيبي في ابتكارات أعماله النسيجية لإزالة الفواصل الزمنية والسياقات التقنية المتوارثة، كأنه يبحث عن أشكال منفلته من عقال الزمن، بقوته ورقته، بخوفه وجرأته. أشكال مختبئة في هوامش ذاكرة انتقال الانسان من الترحال الى الاستقرار والتدجين والزراعة وتسجيل حركة الكون والوجود عبر اشكال هندسية بسيطة وعيمقة، ليست سوى طقوس لقوانين الحماية والبقاء في الفنون الشعبية. إنها اشكال التجميع والتحزيز والتموج والانسياب الكامنة في هندسة قوى الطبيعة واجوبتها الصامتة والهادرة. وهي منبثقة من جماليات تشابك ايقاعات نسيج اللباد في أصوله كتقاليد موروثة من شعوب الشرق الأدنى القديم التي استخدمت الألياف الحيوانية القديمة: ألياف صوف خروف- العواس الذي تربى في منطقة بلاد الشام منذ أكثر من خمسة آلاف عام. هكذا عكست منسوجات المعرض في دلالاتها واشكالها وزخارفها البدائية سياقات الفنون الرعوية (تضاريس الحياة وتشابكها وتعاقب وتيرة زخارف الأعشاب في السهول) وخرافات الاشكال السحرية (الدوائر الحزونية والمربعات والرموز) والممارسات الشعائرية للأديان الابراهيمية. النسيج التراثي هو كائن حيّ ادريان بيبي هو فنان ومصمم هندوراسي المولد، حصل على بكالوريوس في الفنون الجميلة وماجستير في التصميم المرتبط بالاستدامة من كلية سافانا للفنون والتصميم في الولايات المتحدة الأميركية، انضم الى استوديو للحرف اليدوية الأميركية تحت اشراف الفنان والحِرفي تايلر هانز، الذي اعتبر ان الفنون الشعبية هي بمثابة أغاني الشعوب، وأنها المنبع الأصيل للعواطف الروحية التي تحتفظ بملامحها في محاولات احياء استخدام المواد التراثية في الفنون المعاصرة. جاء الى بيروت في العام 2014، ساعيًا الى اكتشاف جماليات الحِرف اليدوية الشرقية القديمة باعتبارها حركة إبداعية تمضي الى الامام ولا تندثر، لذا عمل كمدير ابداعي في مؤسسة “بقجة ديزاين”. وفي الوقت ذاته عمل كأستاذ زائر في الاكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (الألبا) حيث شارك مع مجموعة من الطلاب في الكشف عن طاقات الفنون الفقيرة المتوارثة في التراث الشعبي اللبناني وامكانات احيائها في الفنون المعاصرة. لذا درّس لسنوات مسائل التكرار والتوالد باحثاً عن أسلوب أو منهج يمضي الفنان الى ما هو أبعد، من خلال تفهم ابعاد الحقائق الباطنة الكامنة في أعماق المنظور الاجتماعي والثقافي لتلك الفنون المعرضة للاندثار والغياب. غاص في عملية اكتشاف اسرار صنعها والامساك بحكايات بداياتها كأشكال معطرة بعبق التاريخ مع مجموعة من الحِرفيين خلال زيارته المتكررة الى محترفات الفنون الشعبية التراثية في بلدات البقاع اللبناني، حيث أجريت عمليات التطوير لجماليات التلبيد بالإبرة الفولاذية التي تمرر خلال طبقات الصوف المفرود عدة مرات فتتشابك الياف الطبقات المختلفة فيما بينها. فالنسيج التراثي اشبه بكائن حي في نبراته واهتزازاته في صمته وغنائه، نسيج أكتسب ولادته الجديدة من قوة نسق الصياغة ومهارة الحِرفي ومتعة التجاوز والتحرر. المزيد عن : غاليري “أجيال”/ اندريا بيبي 222 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post شارون ستون: خطرة ومثيرة وأسيء فهمها لكنها واحدة من أفضل نجمات السينما next post وداعاً زراعة الأسنان.. اليابانيون يكتشفون طريقة لإعادة نموها You may also like عندما يمثل العربي “الآخر” السلبي في الأدب الفارسي... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الكاتبة الطليعية في السرد والنقد والترجمة 11 مارس، 2026 جنون العنف في رواية بارغيس “البرتقال الآلي” وفيلم... 11 مارس، 2026 دراما “القافر”… إنسانية الفقد والهوية في قرية عمانية 11 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: ذبح الطرائد في لوحتين... 11 مارس، 2026 شوقي بزيع يكتب عن: أي دور للكتّاب والمبدعين... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف 11 مارس، 2026 المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح... 11 مارس، 2026 سلمى مرشاق رحلت بعد 5 سنوات من نكبة... 11 مارس، 2026 السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة 10 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ