الإثنين, أبريل 27, 2026
الإثنين, أبريل 27, 2026
Home » فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه”

فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه”

by admin

 

أخيراً عرفنا تقريباً أشياء كثيرة عن الجنرال خارج صورته الثابتة على مر الأزمنة

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

في الحي الذي أقطنه في بيروت، ويدعى “كركول الدروز”، وسأفسر الاسم بعد سطور، هناك على بعد لا يزيد على 30 متراً من مكان سكناي، مبنى يميل إلى الاهتراء بل إلى السقوط، تحيط بمدخله على مدار العام أكوام من القمامة؛ ومن الواضح أن قبائل من الفئران والجراذين اختارته منذ زمن، مسكناً لها. ورغم اهتراء هذا المبنى، ثمة من يواصل وبدأب ومنذ عقود طلاءه بلون أصفر قبيح لكنه يبقيه لامعاً طوال الوقت.

والحقيقة أن هذا المبنى قد لا يلفت نظر أحد لولا وجود لوحة من الرخام تعلو مدخله تحمل العبارات التالية: “هنا أقام المقدم شارل ديغول خلال سنوات الثلاثين”.

للوهلة الأولى قد يفكر المرء بتشابه في الأسماء لكنه سيكتشف بعد تمحيص أن المعني هو حقاً نفسه ذلك الفرنسي الكبير الذي سوف يصبح لاحقاً رئيس الجمهورية الفرنسية، بل أعظم رئيس حكمها إذا استثنينا، كما قد يرى البعض، فرانسوا ميتران خصمه الاشتراكي. وهو أمر يؤكد لنا أن ديغول أقام حقاً في ذلك المبنى حين كان لبنان خاضعاً للانتداب الفرنسي قبيل الحرب العالمية الثانية. وأقام حقاً في “كركول الدروز” الذي يدين باسمه التركي، الذي يعني في العربية “سجن الدروز”، لكونه كان يضم إلى معسكرات فرنسية لجيوش الانتداب، سجناً ينقل إليه من مناطق جبل العرب في الجنوب السوري، أولئك الثائرون المناضلون الدروز من جنود سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى على الفرنسيين عند نهاية الربع الأول من القرن الـ20. فهل بات الأمر واضحاً؟ ليس تماماً، وذلك بالتحديد لأن مجرد تخيل المرء أن شارل ديغول كان في يوم من الأيام مقدماً في جيش سيكون قائده ومشاركاً عبره في إنقاذ فرنسا من براثن الاحتلال النازي؛ ثم رئيساً للديار الفرنسية وباني نهضتها الحديثة، أمر يصعب تصوره كما يصعب تصور أن الرجل نفسه كان يسكن حقاً في بيت صار في أيامنا هذه مملكة الجرذان والفئران!

صورة مفاجئة

صورة مفاجئة لكنها حقيقية تلك التي علينا تخيلها، بل صورة إن كنا، وملايين غيرنا قد نسيناها أو عجزنا أصلاً عن أن نتصورها من ناحية النظر إلى أن الصورة التي زرعها التاريخ في أذهاننا، عن الجنرال ودوره التاريخي ومكانته في وجدان الفرنسيين بمن فيهم خصومه السياسيون، مختلفة تماماً عما نحن مدعوون الآن للتعامل معه. وليس بسبب المبنى المهترئ الذي يطالعني شخصياً صباحاً ومساء حين أخرج من شقتي صباحاً لأعود إليها لاحقاً، بل لأن التلفزة الفرنسية عرفت كيف تبث قبل فترة فيلماً بدا مفاجئاً هو الآخر، عنوانه “ديغول، البدايات”؛ ليتبعه على محطة أخرى وبعد شهور قليلة، فيلم لا يقل عنه “غرابة” بدءاً من عنوانه: “الرجل الذي صنع ديغول”.

مشهد من الفيلم الوثائقي “ديغول، البدايات” (موقع الفيلم)

 

إذاً ها هو التلفزيون الفرنسي، لا يخبرنا فقط بأن الجنرال كانت له حقاً بدايات سبقت تلك الصورة التي تأبدت عنه، بل والأدهى من ذلك أيضاً، أن ثمة رجلاً صنعه بمعنى أن صناعته لم تكن أبداً، من إنجازات “العناية الإلهية” والأقدار كما كان قد استقر في أذهاننا منذ وعينا على ذلك الزعيم ودوره في التاريخ، واعتدنا أن نبجله حتى ونحن نتبنى سياسات تتناقض بل تتضاد مع سياساته.

وبما أن ما يهمنا أكثر هنا، هو فيلم “البدايات”، سنمر مروراً سريعاً عند السياسي الفرنسي المنسي تماماً اليوم، بول رينو (1878 – 1966)، لمجرد أنه “بطل” الفيلم الثاني، أي الرجل الذي يخبرنا عنوان الفيلم أنه هو الذي صنع الزعيم الكبير. وليعلمنا أيضاً أنه ومنذ عام 1930 شغل وزارات عديدة في كثير من الحكومات الفرنسية، بل كان وبحسب سياق الشريط، واحداً من الوجوه الأساسية في تلك الحقبة “البائسة” من حقب التاريخ الفرنسي المعاصر: نهايات الجمهورية الثالثة. ولسوف يتحدث عنه ديغول نفسه ذات يوم مؤكداً أن التاريخ والأحداث المتتالية قد ظلمته. أما بالنسبة إلى ديغول فكان رينو المحامي السياسي الذي أعطاه أول منصب وزاري شغله في مسيرته السياسية الطويلة، وذلك حين عينه نائباً لسكرتير الدولة لشؤون الحرب. وكان ذلك في الحكومة الانهزامية التي شكلها رينو  اليميني في عام 1940 خاتماً بها الجمهورية الثالثة.

ديغول لن ينسى أبداً

والحقيقة أن ديغول لن ينسى أبداً أن رينو كان من دفعه دفعاً إلى العمل السياسي وأنه تبناه منذ ذلك التعيين الأول، ليكون ليس فقط وراء المناصب المتتالية التي شغلها حتى بعد الحرب العالمية الثانية بما فيها تلك التي سيكون فيها ديغول رئيساً لرينو. فهو حفظ جميله إلى درجة أنه رده له مرات ومرات كما يرينا هذا الفيلم، خلال ساعة عرضه، مؤكداً لنا أن قيمة رينو إنما نبعت دائماً من اعتراف ديغول له بفضله عليه. ومن هنا لم يتسم هذا الفيلم بما اتسم به “البدايات” من أهمية في تجديد النظرة إلى الزعيم الفرنسي الكبير إلا من ناحية أخلاقية بحتة.

السياسي الفرنسي بول رينو الذي فتح أبواب السلطة أمام ديغول (الموسوعة الفرنسية)

 

أما الفيلم الأخير “البدايات” فيتسم بقدر كبير من الأهمية إذ إنه وخلال الساعتين اللتين يستغرقهما عرض حلقتيه، لا يكف عن إدهاشنا وليس فقط بغنى معلوماته بل بكونه نوعاً من تخييل ذاتي، أي إنه يتضمن عديداً من المشاهد التمثيلية التي تأتي هنا ليس فقط، لتسد فراغاً أرشيفياً، بل لتلح على فكرة أن شارل ديغول، ورغم عظمته ومكانته، يحتاج إلى ذلك النوع من المشاهد المعاد تركيبها، وأحياناً من طريق الذكاء الاصطناعي كما يبدو، وهو ما قلل من شأن هذا الفيلم الذي كان يمكن أن يبدو فائق الأهمية لو جرى العمل بمزيد من الجهد على أرشيفات شخصية أو عائلية تتابع سيرة الرجل عابرة، كما يرد في ما يقال في الفيلم، من صفوف كلية سان سيرو العسكرية التي درس فيها الشاب الذي كانه شارل ديغول علومه العسكرية، إلى خناق فردان خلال المعارك المبكرة التي خاضها في الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى مئات الأيام التي أمضاها في السجون الألمانية، حين اعتقل ما أتاح له أن يعيش معاناة جسدية ونفسية سيقول دائماً لا سيما في مذكراته، إنها كانت هي ما كونه.

أين الأديب الكبير؟

غير أن الفيلم يظل مفتقراً رغم ساعتي عرضه إلى عدة عناصر كونت ومنذ الشباب المبكر، ذلك الأديب شارل ديغول، الذي سيبدع في كتابة “مذكرات الأمل”. إذ يصعب على مشاهد الفيلم أن يجد فيه لحظة يقرأ فيها، كما قال النقاد الفرنسيون معلقين، صفحات من شارل بيغي أو حتى من رسائل القديس بولس التي نعرف أنها أسهمت مساهمة أساسية في تكوين اللغة الديغولية التي تفتننا في كتابات شارل ديغول.

ولكن في المقابل لم ينس الفيلم أن يخبرنا بأن ذاك الذي سيصبح واحداً من أعظم الفرنسيين في القرن الـ20، كان يصر ويقول مراراً وتكراراً ومنذ صباه، أنه لا يعيش “إلا في سبيل مجد فرنسا” وحتى في لحظات لا تستقيم مع ضرورة هذا التأكيد. بل إن الفيلم، لا سيما في مشاهده “التمثيلية” يبدو متهافتاً إذ يصر على تصوير الفتى شارل وهو يخاطب الآخرين بنفس ذلك الصوت الجاف والمتعاظم الذي سيخاطبهم به في لحظات لاحقة ستكون هي من صنع عظمته، وأنسانا أنه إنسان من لحم ودم عاش في مبنى مهترئ في بيروت كمجرد مقدم في جيش انتدابي، ذات حقبة مبكرة من حياته.

المزيد عن: لبنان فرنسا بيروت شارل ديغول الدروز

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00