الأربعاء, مايو 13, 2026
الأربعاء, مايو 13, 2026
Home » بين ديغول وتشرشل… لقاء وافتراق

بين ديغول وتشرشل… لقاء وافتراق

by admin

 

فيلم تلفزيوني يتتبع سيرة بطلي المعارك الأوروبية في منتصف القرن العشرين ويستكشف عناصر النفور الشخصي

اندبندنت عربية/ إبراهيم العريس باحث وكاتب

هو شريط تلفزيوني لا يتجاوز زمن عرضه الساعة الواحدة، لكنه يتنطح للتصدي لعدد من أسئلة شغلت المؤرخين زمناً طويلاً متعلقة باثنين من كبار الزعماء الأوروبيين في القرن الـ20: الفرنسي شارل ديغول، والبريطاني ونستون تشرشل.

ونعرف طبعاً أن زعيم فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية الذي قاد معركتها انطلاقاً من لندن بخاصة، ليصبح لاحقاً رئيس جمهوريتها بل مؤسس جمهوريتها الخامسة، ارتبط بعلاقة لافتة مع نظيره البريطاني الذي بدوره أسهم في الحرب نفسها، بل ربما أدى فيها دوراً يفوق كثيراً الدور الذي أداه ديغول، ومع ذلك نادراً ما طرح موضوع العلاقة بين الرجلين، وبخاصة من موقع المقارنة الفكرية.

ومن هنا، على رغم أن الشرائط والدراسات حول كل من الرجلين تعد بالمئات، فإنها كانت ولا تزال نادرة تلك التي تجمعهما معاً وتقارن وربما تقارب بينهما، لذلك جاء الفيلم الذي حققه الناقد والمؤرخ الأدبي الفرنسي بيار أسولين عام 2023 بعنوان “ديغول مقابل تشرشل: مذكرات الحرب، حرب المذكرات”، الذي يعاد عرضه مراراً وتكراراً منذ ذلك الحين على الشاشات الصغيرة الفرنسية، ليلقي أضواء كاشفة على تاريخ مزوج نادراً ما قورب بالطريقة التي قاربه بها أسولين الذي حاول على رغم فرنسيته أن يكون محايداً بين رجلين يصعب على المرء أن يكون محايداً بينهما.

نظرات متناقضة

منذ البداية يخبرنا الفيلم أن شارل ديغول (1890 – 1970) وونستون تشرشل (1874 – 1965) وعلى رغم فارق السن، النسبي بينهما، قد أبدى الواحد منهما الإعجاب بالآخر لكنهما كثيراً ما اختلفا ثم تصالحا ليختلفا من جديد، كشخصيتين قويتين يرى كل واحد منهما أنه “عملاق فريد عصره”، وتحديداً بفضل الدور الذي أداه كل منهما من ناحيته، في الحرب العالمية الثانية، مفضلين أن ينسيا في نهاية الأمر أن الدور الحاسم كان أميركياً. المهم أن العلاقة بين الرجلين لم تكن سهلة، وربما بالتحديد لأن كلاً منهما وفيما هو أبعد من السياسة والقيادة، كان ينظر إلى نفسه بوصفه رجل فكر.

ولا ننسين هنا أن الفرنسي قد ألف تلك المذكرات المعنونة “مذكرات الأمل” في مجلدات ندر أن يكون ثمة بين الفرنسيين من لم يقرأها، فيما وضع الإنجليزي مذكراته عن الحرب نفسها وكذلك في أجزاء، فعادت عليه بجائزة نوبل الأدبية مما أثار حفيظة الآخر بالتأكيد.

غير أن فيلم أسولين يتطلع في تحليله إلى ما هو أبعد وأعمق من ذلك بالتأكيد، فهو لا ينسى ولو لحظة أنه إنما ينتج عملاً تاريخياً عن أبرز شخصيتين سياسيتين في القرن الـ20، ومن هنا لئن كنا نرى الفيلم يمر بسرعة على أمور “غير ذات أهمية فائقة” كمشاركة تشرشل الرئيس الأميركي روزفلت في نفور هذا الأخير من “عنجهية الزعيم الفرنسي” و”كبريائه”، فإن الأهم بالنسبة إليه هو الإسهاب في تحديد الفوارق الفكرية والأيديولوجية بينهما، وهي بالطبع أمور حتى وإن كانت معروفة من قبل فإن لقاءها هنا في بوتقة واحدة يعطيها أهمية فائقة.

ملصق الفيلم التلفزيوني عن ديغول وتشرشل (موقع الفيلم)

المحور الأوروبي

والحقيقة أن ما يمكن استخلاصه من فيلم أسولين هو أن ديغول وتشرشل ينتميان معاً إلى طينة واحدة من رجال الدولة الذين صاغتهم الحروب الكبرى، لكن كلاً منهما “حمل إلى السياسة رؤية مختلفة تتعلق بأوروبا ودور الأمة في التاريخ”، فهما التقيا في الإيمان بأن القرن الـ20 لا يمكن أن يفهم إلا من خلال الصراع على فكرتي الحرية والسيادة، غير أن الوسائل والغايات لم يكن لها أن تكون متطابقة بينهما.

فتشرشل كان ابن التقاليد الإمبراطورية البريطانية. نظر إلى بريطانيا بوصفها قوة عالمية تتجاوز أوروبا وترتبط بمحيطها اللغوي الأنغلوساكسوني وبإرثها البحري والاستعماري، لذلك فإنه حين دعا بعد الحرب إلى نوع من “الولايات المتحدة الأوروبية”، لم يكن يقصد ذوبان بريطانيا في القارة، بل إنشاء فضاء أوروبي متماسك يحول دون تجدد الكارثة النازية، لكنه يقف في الوقت نفسه، في وجه التوسع السوفياتي، بالنسبة إليه ليست أوروبا سوى ضرورة توازن سياسي وحضاري، أما بريطانيا فإنها تبقى في نظره جسراً لا غنى عنه بين أوروبا والعالم الناطق بالإنجليزية.

الأمة وتاريخها

أما بالنسبة إلى الزعيم الفرنسي فإنه كان أكثر التصاقاً بفكرته التاريخية عن الأمة، فهو خرج من الحرب مقتنعاً بأن فرنسا لا تستطيع أن تبقى عظيمة إلا إذا استعادت استقلال قرارها وهيبتها الرمزية. لذلك نراه لا يعتبر أوروبا مشروعاً فوق – قومي يذيب الدول المندمجة فيه، بل اتحاداً لأمم ذات سيادة، تتعاون من دون أن تفقد شخصيتها. ومن هنا جاء تحفظه إزاء الهيمنة الأميركية على القارة، واعتراضه المتكرر على دخول بريطانيا السوق الأوروبية المشتركة، وهو الذي كان يرى فيها مجرد امتداد للنفوذ الأميركي داخل أوروبا.

ومع ذلك فإن الرجلين اشتركا في أمر جوهري: كلاهما كان يدرك أن أوروبا، بعد الحرب، لا يمكنها أن تستعيد مكانتها القديمة إلا بالتعاون بين أممها الكبرى، فالحربان العالميتان دمرتا المركزية الأوروبية في العالم ودفعتا القارة إلى الارتهان للقوتين الأميركية والسوفياتية، لذلك سعى تشرشل إلى خلق وحدة سياسية تحمي أوروبا من الانهيار مجدداً، بينما حاول ديغول بناء “أوروبا أوروبية” مستقلة عن الاستقطاب الدولي.

اقرأ المزيد

على الصعيد الشخصي

وفي ظل ذلك كله، وكما يخبرنا الفيلم، من اللافت أن شخصيتي الزعيمين الفكرية والسياسية، تشابهتا من ناحية إحساس كل منهما بحصته من البطولة التاريخية.

ونعرف أن كلاهما كان خطيباً مفوهاً يعرف كيف يستدعي الماضي القومي لإحياء الإرادة الوطنية، وكلاهما رأى في نفسه تجسيداً لمصير بلده في لحظة الخطر. ومع ذلك كان تشرشل أكثر براغماتية وانفتاحاً على التحالفات، في حين بقي ديغول أقرب إلى نزعة الكبرياء الوطني والاستقلال مهما كان الثمن باهظاً.

ولا بد من الإشارة أخيراً إلى أن الفيلم عرف كيف يعبر عن ذلك كله بأناقة ومن دون إفراط، ولا سيما حين قال ذات لحظة إن الرجلين كانا متناقضين ظاهرياً في الأقل، إذ إن أحدهما (ديغول) كان يبدو تجسيداً لتمثال من نحت جياكوميتي، بينما كان ثانيهما ( تشرشل) يبدو ككتلة صخرية متماسكة في هدوئها وقوتها… مع أن الاثنين نحتا مع أخذ خيباتهما وشكوكهما وتطلعاتهما في الاعتبار.

المزيد عن: شارل ديغول ونستون تشرشل الحرب العالمية الثانية الوحدة الأوروبية النفوذ الاميركي مذكرات

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00