البروباغندا بريشة ديفيد زوينر (صفحة الرسام - فيسبوك) ثقافة و فنون جمال نعيم في “اندبندنت عربية”: البروباغندا الحديثة تمنح اللغة قدرة على السيطرة by admin 15 يوليو، 2026 written by admin 15 يوليو، 2026 12 الفيلسوف الأميركي جيسون ستانلي يكشف آليات الانحدار الديمقراطي اندبندنت عربية / جمال نعيم أكاديمي لبناني جيسون ستانلي (مواليد عام 1969) فيلسوف وأستاذ سابق للفلسفة في “جامعة ييل”، قبل أن ينتقل إلى “جامعة تورونتو”. اشتهر بأعماله في فلسفة اللغة ونظرية المعرفة، قبل أن يتحول إلى الفلسفة السياسية، ليصبح أحد أبرز الباحثين في البروباغندا والشعبوية وآليات الانحدار الديمقراطي. من أهم كتبه “كيف تعمل البروباغندا” و”كيف تعمل الفاشية” و”محو التاريخ”. البروباغندا، في نظره، لا تقتصر على تشويه الواقع أو إخفائه، بل تعمل على إعادة تكوين شروط إدراكه. إنها لا تخبر الناس بما يجب أن يفكروا فيه وحسب، بل ترسم الحدود التي يصبح التفكير داخلها ممكناً أصلاً. لهذا لا يحتاج الاستبداد الحديث إلى إقناع المواطنين بكل شيء، ولا إلى فرض الأكاذيب عليهم بالقوة. يكفيه أن يربك معايير التمييز بين الحقيقة والزيف، وأن يجعل اللغة نفسها ساحة يختلط فيها الوصف بالدعاية والخبر بالتأويل، حتى يغدو الوصول إلى حقيقة مشتركة أكثر صعوبة. البروباغندا ليست كذباً من أكثر الأفكار أصالة في مشروع جيسون ستانلي أن البروباغندا لا تقوم بالضرورة على الكذب. فقد تكون العبارة صحيحة من ناحية الوقائع، لكنها تُستخدم على نحو يوجه الإدراك ويمنع النقاش الحر. فالمشكلة لا تكمن في صدق الجملة أو كذبها، بل في الوظيفة السياسية التي تؤديها. الفيلسوف الأميركي جيسون ستانلي (جامعة ييل) لهذا يرى ستانلي أن أخطر أنواع البروباغندا تلك التي تتكلم بلغة الديمقراطية نفسها. فكلمات مثل “الحرية” و”الأمن” و”الإصلاح” و”الاستقرار” و”محاربة الفوضى” تبدو في ظاهرها قيماً إيجابية لا يختلف عليها أحد، لكنها قد تُستعمل لإضفاء الشرعية على سياسات تحدّ من الحريات أو تعمق اللامساواة أو تقصي فئات من المجتمع باسم المصلحة العامة. هنا لا تعود اللغة مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تصبح أداة لإعادة ترتيب المجال الأخلاقي للنقاش، ما الذي يبدو عقلانياً؟ وما الذي يصوّر خطراً؟ وما الذي يُستبعد من البداية بوصفه غير مشروع أو غير وطني؟ هكذا لا تعمل البروباغندا على إخفاء الحقيقة دائماً، بل على إعادة تنظيم شروط التفكير فيها. من غرامشي إلى ستانلي: الهيمنة تبدأ قبل الطاعة يمكن فهم مشروع جيسون ستانلي بوضعه في امتداد السؤال الذي شغل غرامشي، كيف تستقر سلطة ما من دون أن تعتمد على العنف وحده؟ أجاب غرامشي عبر أفهوم الهيمنة الثقافية، مبيناً أن المدرسة والكنيسة والإعلام وسائر المؤسسات الثقافية لا تنقل المعرفة وحسب، بل تنتج القبول الاجتماعي بالنظام القائم، حتى يغدو ما هو تاريخي ومصنوع كأنه طبيعي وبديهي. لكن ستانلي يسلط الضوء على مستوى آخر من الهيمنة، فقبل أن تمارس المؤسسات تأثيرها، تعمل اللغة نفسها على رسم الحدود التي يفكر الناس داخلها. فالكلمات لا تصف العالم فقط، بل تحدد أيضاً ما يبدو معقولاً، وما يبدو مستحيلاً، وما يُعد جديراً بالنقاش أو خارجاً عنه. “كيف تعمل البروباغندا” (امازون) بهذا المعنى، لا تبدأ الهيمنة عندما يطيع الناس السلطة، بل عندما يتبنون اللغة التي تجعل هذه الطاعة معقولة أو طبيعية أو حتى فضيلة. وعليه، فالاستبداد لا يكتفي بالسيطرة على الأجساد، بل يسعى إلى السيطرة على اللغة نفسها. ويمكن تلخيص الفارق بين المشروعين على النحو الآتي، فإذا كان غرامشي قد بيّن أن الهيمنة على الثقافة هي الطريق إلى الهيمنة على المجتمع، فإن ستانلي يكشف عن أن اللغة ليست مجرد أداة من أدوات هذه الهيمنة، بل أحد شروط إمكانها. فاللغة ليست وعاءً للثقافة، بل البنية التي تتشكل داخلها الثقافة نفسها. من تشومسكي إلى فوكو: أين يقف جيسون ستانلي؟ لا يكتب جيسون ستانلي في فراغ، بل يواصل حواراً فلسفياً طويلاً حول العلاقة بين اللغة والسلطة، إذ كشف تشومسكي، في نقده للإعلام، عن كيف تُسهم المؤسسات الإعلامية في صناعة الرضا العام وتوجيه الرأي العام، فتبدو خيارات السلطة وكأنها خيارات المجتمع نفسه، غير أن اهتمامه ظل منصبّاً أساساً على آليات الإعلام والدعاية أكثر من انشغاله باللغة بوصفها موضوعاً فلسفياً في ذاتها. أما فوكو، فنقل النقاش إلى مستوى أعمق، حين بيّن أن السلطة لا تكتفي بقمع الحقيقة، بل تُنتج أنظمة للحقيقة تحدد ما يُعد معرفة مشروعة وما يستبعد بوصفه خطأ أو انحرافاً. ويأتي ستانلي ليحتل موقعاً مميزاً بين هذين المشروعين، فهو لا يدرس الإعلام كما فعل تشومسكي، ولا يحلل أنظمة المعرفة كما فعل فوكو، بل يركز على الكيفية التي تعمل بها اللغة السياسية نفسها في تكوين الإدراك العام، وفي تحويل مفردات مثل “الحرية” و”الأمن” و”الشعب” إلى أدوات تعيد رسم حدود الحقيقة والنقاش السياسي. من هذه الزاوية، لا يعود الخطاب السياسي مجرد انعكاس للسلطة، بل يصبح أحد الشروط التي تجعل السلطة ممكنة أصلاً. من أفسد؟ في الخطاب السياسي والإعلامي العربي تتكرر صيغ تبدو للوهلة الأولى محايدة، “تم هدر الأموال”، “حصلت تجاوزات”، “وقعت أخطاء، “تم اتخاذ القرار”. لكنها تشترك جميعاً في سمة واحدة، غياب الفاعل. فالحدث حاضر، أما من أحدثه فغائب. والنتيجة قائمة، أما المسؤول عنها فلا اسم لها. ولعل المثال الأكثر دلالة هو العبارة التي تتردد كثيراً في حياتنا العامة، “هناك فساد مستشرٍ في كل مرافق الدولة”. فجملة كهذه تصف الواقع، لكنها لا تسأل من أفسد؟ وكأن الفساد ظاهرة طبيعية، أو كارثة مناخية، أو وباء هبط من السماء، لا نتيجة أفعال بشرية وقرارات سياسية. “كيف تعمل الفاشية” (أمازون) وعليه، ليست المشكلة هنا في استعمال المبني للمجهول بوصفه تركيباً نحوياً مشروعاً، بل في تحوله داخل الخطاب السياسي إلى وسيلة لتذويب المسؤولية. فعندما يغيب الفاعل من الجملة، يسهل أن يغيب من الوعي أيضاً. وعندئذ لا تعود اللغة تكتفي بوصف الواقع، بل تشارك في إعادة رسمه لأنها تحجب السؤال الذي تقوم عليه كل مساءلة سياسية، من فعل؟ حين تتكلم الثقافة قبل السياسة لا تعيش اللغة في الكتب والخطب وحدها، بل في الأمثال التي تتداولها الألسن جيلاً بعد جيل. فالمثل الشعبي ليس مجرد عبارة طريفة أو خلاصة تجربة، بل طريقة في رؤية العالم، وصيغة مختصرة لما يعدّه المجتمع بديهياً أو ممكناً أو مستحيلاً. وحين نقول مثلاً “العين لا تقاوم المخرز”، أو “اليد التي لست بقادر عليها قبّلها وادعُ عليها بالكسر”، فإننا لا نصف ميزان القوى وحسب، بل نغرس في الوعي تصوراً معيناً للعلاقة بين الإنسان والسلطة. فالقوة تظهر هنا بوصفها قدراً لا يقاوم، لا وضعاً تاريخياً يمكن تغييره. لهذا لا تعمل الأمثال على نقل الخبرة وحدها، بل على رسم المخيلة الاجتماعية أيضاً. إنها تعلمنا، من حيث لا نشعر، ما ينبغي قبوله وما ينبغي اليأس من تغييره. من هذه الزاوية، تصبح الثقافة اليومية شريكاً خفياً في إنتاج الطاعة أو في مقاومة الاستبداد. هنا يكتسب سؤال ستانلي بعداً جديداً، فإذا كانت البروباغندا تعيد نحت اللغة من أعلى، فإن الثقافة الشعبية قد تعيد إنتاج المعاني نفسها من أسفل. وفي الحالتين، لا تعود اللغة مجرد أداة لوصف الواقع، بل تصبح قوة تشارك في صنعه. وعليه، ربما يمكن أن نقول إن الأمثال ليست في ذاتها استسلامية أو ثورية، بل إنها مستودع لرؤى متعارضة، ويختلف أثرها بحسب الأمثال التي تتبناها جماعة ما في ظرف تاريخي معين. جيسون ستانلي في حوار مع الفكر العربي لا يكتمل التعريف بجيسون ستانلي إذا وضعناه في سياق الفكر الغربي وحده، إذ إن بعض الأسئلة التي يطرحها وجدت صدى لها، وإن بطرائق مختلفة، في الفكر العربي المعاصر. اقرأ المزيد هل تفسر الفلسفة تقدم العالم وتراجعه في وقت واحد؟ لماذا لا تصبح الفلسفة في متناول القراء العاديين؟ فعند علي حرب لا تكون اللغة مجرد أداة للتعبير، بل فضاءً تتكون فيه السلطة وتُصنع من خلاله أوهام الحقيقة. لذلك انصرف إلى تفكيك الخطابات التي تدّعي امتلاك المعنى النهائي، وكشف عن الآليات التي تتحول بها الكلمات إلى أدوات للهيمنة الرمزية، غير أن اهتمامه انصب أساساً على نقد الأنساق الفكرية والثقافية، بينما يركز ستانلي على الخطاب السياسي اليومي، وعلى الكيفية التي تُستخدم بها اللغة لتقويض الحقيقة المشتركة داخل المجتمعات الديمقراطية. أما ناصيف نصار، فينتمي إلى أفق مختلف. فمشروعه الفلسفي لا يبدأ من نقد اللغة، بل من البحث في شروط قيام عقل سياسي عربي حديث، قوامه الحرية والاستقلال والمسؤولية. وإذا كان نصار يسعى إلى تأسيس المواطن القادر على التفكير الحر، فإن ستانلي ينبه إلى أن هذا العقل نفسه قد يصبح عرضة للتوجيه والتلاعب به عندما تُعاد صياغة اللغة التي يفكر بها. من هذه الزاوية، لا تبدو العلاقة بين الرجلين علاقة تشابه، بل علاقة تكامل، أحدهما يبحث في شروط بناء العقل السياسي، والآخر يشرح كيف يمكن إفساد هذا العقل من خلال البروباغندا واللغة. الاستبداد يبدأ من اللغة في ضوء هذا التحليل، لا يعود الاستبداد مجرد نظام سياسي، بل يصبح نظاماً لغوياً لإنتاج الواقع. فهو لا يفرض على الناس ما يقولونه وحسب، بل يعيد نحت اللغة التي يفكرون بها. لذلك لا يكتفي بالسيطرة على الأجساد أو بالمراقبة والقمع، بل يطمح إلى السيطرة على الكلمات ذاتها لأنها المادة الأولى التي تتكون منها الحقيقة في الفضاء العام. من هنا، لا يحتاج الاستبداد دائماً إلى حظر الكلام، بل يكفيه أن يعيد نحت اللغة، وأن يبدل معاني المفردات، وأن يخفي الفاعل وراء صيغٍ مبنية للمجهول، حتى يغدو الظلم واقعة بلا ظالم، والفساد ظاهرة بلا فاسدين، والقرار حدثاً بلا صانع قرار. عندئذ لا تكون اللغة أخفت الحقيقة وحسب، بل تكون أعادت إنتاجها على نحو يجعل مساءلتها أكثر صعوبة. خاتمة: من يملك اللغة يملك المجتمع؟ يكشف تحليل جيسون ستانلي عن أن أخطر ما في الاستبداد الحديث ليس قدرته على إسكات الناس، بل قدرته على تأليف اللغة التي يتكلمون بها. فحين تُعاد صياغة الكلمات، وتُخفى المسؤوليات، وتُطمس الحدود بين الحقيقة والدعاية، لا يعود المجتمع أسير سلطة سياسية وحسب، بل أسير طريقة في رؤية العالم. ولعل هذا ما يفسر أن الأنظمة الاستبدادية لا تكتفي بالسيطرة على مؤسسات الدولة، بل تسعى دائماً إلى السيطرة على المدرسة والإعلام والجامعة والكتاب، بل على اللغة اليومية نفسها. فهي تدرك أن من يحدد معاني الكلمات، يحدد أيضاً حدود التفكير، وأن من يحدد حدود التفكير، يحدد في النهاية حدود الممكن سياسياً. من هنا، لا تبدأ مقاومة الاستبداد باستعادة المؤسسات وحدها، بل تبدأ أيضاً باستعادة اللغة، بتسمية الأشياء بأسمائها، وإعادة الفاعل للجملة، وإعادة المسؤولية لأصحابها، وإعادة الحقيقة للفضاء العام. فكل جملة تخفي الفاعل تخفي معه جزءاً من العدالة، وكل جملة تستعيده تستعيد معه جزءاً من الحرية. ربما لم يقصد ستانلي أن يكتب عن العالم العربي، لكن الأسئلة التي يثيرها تبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلينا مما نظن. فحين تصبح اللغة ساحة للصراع على الحقيقة، يغدو الدفاع عنها جزءاً من الدفاع عن المجتمع نفسه. عندئذ لا يعود القول إن “من يملك اللغة يملك المجتمع” مجرد استعارة بلاغية، بل يصبح وصفاً دقيقاً لإحدى أهم معارك عصرنا. ليس أخطر ما يفعله الاستبداد أنه يمنع الناس من الكلام، بل إنه يعيد تعليمهم كيف يتكلمون. المزيد عن: فلسفة فيلسوف أميركي البروباغندا العصر الحداثة الإنحسار الديمقراطي اللغة السيطرة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الرسام سمير خدّاج يسترجع بابل في “العالم يهوي” next post سجون الصحراء… هل تصبح سلاح الجزائر الجديد ضد الجريمة؟ You may also like مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الرسام سمير خدّاج... 15 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: تعريف هيغل للموسيقى..... 15 يوليو، 2026 د. رشيد العناني في “الشرق الاوسط”: «غيبة مي»... 15 يوليو، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الاوسط”: شجرة ديوان قصر... 15 يوليو، 2026 شوقي بزيع في “الشرق الاوسط”: الهوية الإبداعية بين... 15 يوليو، 2026 دلال البزري “في ضفة ثالثة” : سرطان الرئة... 15 يوليو، 2026 أنطوان أبو زيد في “اندبندنت عربية”: أحمد بيضون... 14 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “شبهة الانطباعية” عند... 14 يوليو، 2026 مطابع لبنان… جف حبرها 14 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: مهدي مسلم يرصد... 13 يوليو، 2026