الأربعاء, يوليو 15, 2026
الأربعاء, يوليو 15, 2026
Home » مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الرسام سمير خدّاج يسترجع بابل في “العالم يهوي”

مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الرسام سمير خدّاج يسترجع بابل في “العالم يهوي”

by admin

 

الذاكرة المتشظية في فضاء المكان بين الحرب وأزمنة السقوط

اندبندنت عربية / مهى سلطان

من رسوم “بابل” انطلقت ورشة عمل جماعية أسهمت في إضفاء تأويلات جديدة على ثيمة البناء والهدم، وعلى العلاقة الملتبسة بين أزمنة الماضي ورعب الحاضر.

يتخذ معرض “العالم يهوي” شكل عمل تركيبي جماعي أنجز خصيصاً لفضاء المكان، في تفاعل مع محيطه العمراني. فقد فكك خدّاج كتابه “برج بابل: قصيدة مرئية في محل رفع مناجاة ذاتية؟” بعدما دخل ضمن مقتنيات مجموعة سارادار، مستنسخاً رسومه التي انطلقت منها ورشة عمل أدارها بمشاركة مجموعة من الرسامين الجدد. فقد عُرف خدّاج منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، بانخراطه في العمل الجماعي، حتى إنه لم يكن يوقّع أعماله، تواضعاً وإيماناً بروح المشاركة.

برج بابل في المعرض التشكيلي (خدمة المعرض)

وفي هذا المعرض تولّى توليف الأعمال المتفرقة للمشاركين تحت مظلته الفنية، وهم: لين جابر، كريمة جيلاني، فادي سلوم، أنطوان صفير، كرمة طعمة، لميس عليق، علي فاعور، محمود قرق، سيران مخيبر، حسين نخال، ريبيكا واكيم، وآلاء منصور (من مصر). وقد واكب هؤلاء البعد التعبيري والفكري لرسوم “بابل”  بتدخلاتهم وأعمالهم، ليؤلفوا معاً عرضاً بصرياً فريداً يقترب في نبرته الاعتراضية من فن الشارع.

وهكذا تتداخل رسوم “بابل” مع أعمال أخرى، لتغدو جزءاً من نسيج بصري أوسع، تتجاور فيه الصور والإيماءات. ومن خلال الرسم والتلوين والكولاج والكتابات الجدارية وأفلام الفيديو، يتشكل فضاء متصل تتفاعل فيه الأعمال مع التدخلات والأسطح المعمارية، عبر الغرف والجدران والأرضيات.

الأيام والليالي

يحيل التجوال في المعرض إلى آثار الزمن الممتدة تحت جلد المكان، غير أن ندوبه تظل ظاهرة للعيان، في فضاءات البيت التراثي الذي يشكل امتداداً لغاليري “ضفاف” (مبنى جكرندا – مار مخايل في بيروت). غير أن المكان لم يعد مجرد وسيط محايد لعرض الاعمال الفنية، بل أضحى أحد عناصرها التشكيلية والمفاهيمية. فجدرانه المتآكلة، وشقوقه، وتقشّر طلاءاته، وبقايا أثاثه المتهالك، تتحول إلى طبقات بصرية تتجاوب مع رسوم خدّاج، وكأنها تستعيد ذاكرة الحرب التي تسكنها، لا بوصفها حدثاً مضى، بل أثراً ما زال يواصل تشكيل الذاكرة والوعي الجماعي.

الدائرة التشكيلية (خدمة المعرض)

وبهذا المعنى، يغدو المكان شريكاً في إنتاج الدلالة، إذ تتداخل اللوحات مع الأسطح المعمارية في نسيج بصري واحد، فلا يعود ممكناً الفصل بين العمل الفني وأثر الزمن المطبوع على الجدران. ولا يكتفي خدّاج بأن يجعل رسومه تتكيف مع شقوق الجدران، فتنساب على امتدادها خطوطٌ حمراء أشبه بخيوط لونية، تتخللها أشباح ووجوه بشرية مشوهة يعلوها الهلع والصراخ، بل نراه أيضاً يحفر في لحم الجدار، وينقره بأداة حادة، حفراً ونقشاً، كإنسان بدائي يعبّر عن علّة وجوده على الأرض، بأثرٍ يبقى.

وتتجلى هذه العلاقة العضوية بين العمل والمكان في عدد من اللوحات التي تبدو وكأنها انبثقت من نسيج الجدران نفسها. ففي إحدى اللوحات، تتجاور إحالة إلى “الموناليزا” مع أجساد هشة، وأطياف بشرية، وخطوط متكسرة، في بناء أقرب إلى الكولاج البصري، حيث تتقاطع الذاكرة الفنية العالمية مع حال انهيار القيم الجمالية. وفي عمل آخر، تتشابك الأجساد في إيقاع خطي متوتر، وتذوب حدودها داخل دوامات من الأسود والأحمر والرمادي، فتغدو كائنات معلقة بين الحضور والغياب، فيما تستعيد الخطوط المنفعلة الصدمة بوصفها أثراً نفسياً أكثر منها مشهداً واقعياً. وفي تلك المقاربات لا يوثّق خدّاج الحرب بقدر ما يستحضر عتمتها ورموزها واستعاراتها التي ما برحت تخيّم على الوعي الجمعي، ولا سيما في سلسلة اللوحات الرمادية المعنونة “الأيام والليالي”.

العالم يهوي

سمير خدّاج هو من بين الفنانين القلائل الذين أرّخوا لتجربة الحرب الأليمة، التي دفعته في عام 1990 إلى مغادرة لبنان للعيش والعمل في باريس. وفي الطبقة السفلية من إحدى المستشفيات الباريسية المتخصصة بمعالجة الأمراض السرطانية أخذ يفجر كل المعاناة التي اختزنتها ذاكرته أثناء الحرب اللبنانية، بعد سنوات الصمت، التي توقف فيها عن الرسم، ليعود بزخم كبير ويجسد حطام الأمكنة وخرائب بيروت بأبنيتها وأحيائها وأسواقها. إنه الحطام الكارثيّ الذي لا يشبه أي تدمير ليس للقيم الإنسانية فحسب بل للقيم الجمالية المألوفة في الفن. والرسوم القليلة التي تعود إلى تلك المرحلة تتمثل بشكل بارز بموضوع “النزوح”. وكأن الماضي يشبه الحاضر، والتاريخ يعيد نفسه.

المكان والأعمال الفنية (خدمة المعرض)

يستعيد معرض “العالم يهوي” بعض محطات سمير خدّاج السابقة، ومنها لوحات منفّذة على أقمشة دائرية، أشبه بعيون سحرية تستحضر حكايات صندوق العجائب. ومن قلب الوردة تتفتح قصص وصور واقتباسات من تاريخ الفن العالمي، بإسقاطات معاصرة، في مناخات تستدعي، لفرط غموضها، عوالم هيرونيموس بوش في رائعته “جنة الملذات”. أما أعماله التركيبية، القائمة على المواد الفقيرة والهشة وسريعة الزوال، فتستعصي على التصنيف، وإن لامست أحياناً بعض تجارب جماعة “كوبرا”، أو التعبيرية الألمانية لدى أنسلم كيفر، والتعبيرية التجريدية عند دي كوننغ. لكنها سرعان ما تتجاوز تلك المرجعيات إلى عنف داخلي خاص، هو عنف الفنان نفسه، بما ينطوي عليه من غضب وسخط وحدس وقدرة على الابتكار والارتجال.

والمفارقة أن خدّاج، على ما عُرف به من خَفر وتحفّظ وهدوء، يقتحم في أعماله الأعراف الجمالية بشراسة وسخرية ومرارة وألم. فكيف يغدو القبح جميلاً، والعنف آسراً إلى هذا الحد، إن لم يكن بصدق الانفعال؟ ذلك الانفعال الذي تنكبّ فيه يد الفنان وريشته اللاهثة على التقاط المشاعر والرؤى، عبر التلطيخ والتقطير اللوني، في عملية تستعيد الأمكنة القصية وتنتشلها من الذاكرة بما تختزنه من خراب وفجوات عميقة. إنه انتشال يبدأ من قعر الذاكرة إلى سطح الورق والقماش، حيث يواصل الفنان، في الوقت نفسه، اكتشاف أغوار ذاته.

 برج يطاول السماء

في قلب المعرض، يحضر برج بابل لا بوصفه حادثة توراتية، بل بوصفه استعارة لعالمنا الراهن. فالبرج، الذي انتقل من النص التوراتي إلى تاريخ الفن، ولا سيما في لوحة “بيتر بروغل الأكبر” الشهيرة، بدأ حلماً بوحدة البشر وبلوغ السماء، لكنه انتهى إلى تبلبل الألسنة وتشتتهم، ليغدو رمزاً لانهيار العالم.

الرسام سمير خداج (خدمة المعرض)

لهذا تتسلل إلى أعمال خدّاج عبارات مقتطعة من النص التوراتي، لكنها تفقد سياقها الأصلي لتكتسب حياة جديدة داخل فضاء العمل الفني. نقرأ: “ثم فرحوا… ثم حزنوا… ثم انهزموا… ثم ماتوا”. تبدو هذه الجمل، المكتوبة على الورق والقماش والجدران، جزءاً عضوياً من النسيج البصري، أقرب إلى كتابات شعائرية أو شواهد جنائزية منها إلى نصوص تفسيرية. فهي لا تروي حدثاً بعينه، بل تختزل الدورة المتكررة للحضارات والبشر: صعوداً، وانكساراً، ثم أفولاً.

اقرأ المزيد

وهكذا لا يتحول النص إلى عنصر تشكيلي فحسب، بل إلى استعارة لدورة التاريخ نفسها. فالمأساة ليست في سقوط البرج مرة واحدة، بل في أن البشرية تكرر الفعل ذاته؛ تشيّد أبراجها، ثم تعيد إنتاج أسباب انهيارها. وهنا يغدو برج بابل أكثر من حكاية توراتية؛ إنه استعارة دائمة للتاريخ الإنساني، ولعالم يواصل السقوط، فيما يواصل الإنسان، بلا انقطاع، تشييد أبراجه من جديد.

تبدو عوالم سمير خدّاج البصرية، من الداخل، متداعية ومشوشة، كأنها تشكو قسوة الإنسان ووحشيته. وإذا أزحنا عن سطح اللوحة شيئاً من ركامها اللوني، تتراءى شخصيات مذهولة تهرول على عجل، أو تقف حائرة، أشبه بأشباح زرقاء وصفراء، أو بظلال عابرة في غدوها ورواحها. وفي رسومه التي يهيمن عليها الأسود والأبيض والرمادي، تبرز ثيمة “الذئب والحمل”، بوصفها ثنائية أبدية لصراع الخير والشر، إلى جانب وجوه مصعوقة من الخوف، يكاد صراخها يستحضر “صرخة” إدوارد مونك، بما تنطوي عليه من تشظي الذات ونذير تحولاتها.

ولا يسعى خدّاج، في تفكيكه لعالم الأشكال، إلا إلى الاقتراب من ذاكرته عن واقع يتجاوز الوصف والخيال، رعباً وهولاً وفوضى. ويكتسب الهدم في أعماله قيمة تعبيرية خاصة، إذ يغدو وسيلة لإعادة تشييد تلك الانفعالات والمشاهدات، عبر الاشتغال على سطح اللوحة بما يكتنفه من عبارات وشعارات وشرايين مفتوحة وبقع وخربشات وعلامات، تشكل جميعها جزءاً من لغتها الغرافيكية. وهكذا تتراءى جداريات خدّاج، وكأنها تنزّ بصمت.

المزيد عن: رسام لبناني لوحات محترف تشكيلي الحرب السقوط الذاكرة التشظي بابل اللون

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00