مشهد من فيلم _آخر العمالقة_ لإيليا كازان (موقع الفيلم) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: لعبة المرايا المتعاكسة بين هوليوود وفيتزجيرالد by admin 17 يوليو، 2026 written by admin 17 يوليو، 2026 11 حين ينسى المتفرجون أن مؤلف “غاتسبي العظيم” لم يكن كاتبهم المفضل بل نقيضه اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب ثلاث مرات على الأقل، تعاملت فيها هوليوود مع الكاتب سكوت فيتزجيرالد مبدلة من صورته الحقيقية راسمة له صورة هوليوودية غير صحيحة، بل ربما معاكسة تماماً لصورته. وفي مقابل ذلك ينسى كثر غالباً كيف أن المرة الأساسية التي تعامل فيها هذا الكاتب “الذهبي” الأميركي مع هوليوود تعاملاً صحيحاً، كانت في رواية مات من دون أن ينجزها وحين تمت أفلمتها، بالكاد صدق أحد أنها من كتابة صاحب “غاتسبي العظيم” وأخواتها. ولنعد هنا إلى أول هذا الكلام إذ إن المرات الثلاث التي نتحدث عنها، منها مرتان تتعلقان بأفلمة هوليوود لرواية سكوت فيتزجيرالد الكبرى “غاتسبي العظيم”، المرة الأولى في عام 1974 مع المخرج جاك كلايتون، والثانية قبل سنوات قليلة من الآن مع المخرج باز ليرمان. صحيح أن المخرجين أنجلو ساكسونيان، لكن أولهما إنجليزي والثاني أسترالي. وهذا يعني الكثير في المقاييس الهوليوودية. أما المرة الثالثة فلا دخل للكاتب نفسه فيها، مع أنه ظهر على الشاشة مع امرأته زيلدا أمام كاميرا وودي آلن في الفيلم البديع لهذا الأخير، “منتصف الليل في باريس”. صحيح أنه كان ظهوراً عابراً وسريعاً بالكاد يتنبه إليه أحد، لكنه كان تحقيقاً لحلم قديم دائماً ما داعب مخيلات كل أولئك الذين يحبون أن يتجاهلوا أن فيتزجيرالد لم يكن هو النموذج الذي انبنت عليه شخصية غاتسبي، لا في الرواية الأصلية ولا في الفيلمين اللذين لعب روبرت ريدفورد بطل أولهما، وليوناردو دي كابريو بطل الثاني، لعب دوراً أساسياً في ذلك الخطأ الكبير الذي تمثل دائماً في التماهي بين فيتزجيرالد نفسه وبطل روايته. المهم أن كل ذلك قد عزز من “هوليوودية” ذلك الكاتب، النيويوركي أصلاً، المزيفة. سكوت فيتزجيرالد (1896 – 1940) (ويكيميديا) هوليوود الأخرى لكن تلك الهوليوودية كان يمكن أن تنسف أساساً لو تم التعامل بوعي مع رواية أخرى، هوليوودية حقاً للكاتب نفسه، مات من دون أن تكتمل، لكنها ستعرف طريقها إلى الشاشة، بعد موته بسنوات طويلة، وهذه المرة من طريق واحد من كبار مخرجي هوليوود، إيليا كازان، في واحد من آخر أفلامه “آخر العمالقة” من بطولة جاك نيكلسون هذه المرة. وشتان بين هوليوودية العصر الذهبي لفيتزجيرالد، وهوليوودية تلك الصورة الأخيرة لعاصمة السينما الاميركية والعالمية التي تركها الكاتب على شكل وصية، لتعتبر، وربما بفضل فيلم كازان، قمة ما وصل إليه عداء المبدعين الحقيقيين للصورة التي دائماً ما رسمتها هوليوود لنفسها. فهي على أية حال صورة تناقض الصورة الذهبية التي يرسمها فيلما كلايتون وليرمان عن “غاتسبي” وحتى عن الصورة المعهودة لهوليوود حتى تلك التي تكتشف من ثنايا فيلم وودي آلن المصور في باريس عن الجالية الأميركية التي عاشت فيها ناقلة إليها هوليوودها الذهبية. المهم في الأمر هنا هو أن كثراً يتناسون أو يفضلون أن يتناسوا ذلك العمل الوصية الذي كانته رواية “آخر العمالقة” التي صور فيها فيتزجيرالد تلك المدينة التي كان مغرماً بها وبأضوائها حين قصدها ذات لحظة متأخرة من حياته وبارحها خائب المسعى حزيناً بعدما انكشفت أمامه بكل عيوبها وحتى، بحسب تعبير يرد في أحد حوارات “آخر العمالقة”، “بكل قذاراتها”. والحقيقة أن هذا الأمر يحيلنا إلى تلك السنوات التي أمضاها فيتزجيرالد عاملاً في هوليوود محاولاً استيعاب إمكاناتها وامتصاصها فإذا بها تفعل هي ذلك به وتمتصه حتى الإذلال. إحدى طبعات “آخر العمالقة” (أمازون) انتقام كاتب ولعل في إمكان هذا الواقع التاريخي أن يفسر لنا القسوة التي تعمد فيتزجيرالد أن يلجأ إليها في حديثه عن هوليوود “الحقيقية” كما عايشها بنفسه، لا عن تلك المزيفة التي ربطته بها من طريق ربطها بغاتسبي أو حتى ببضعة سيناريوهات أخرى كتبها هو نفسه لها وتعود إلى يوم كان ينظر إليها نظرة رومانطيقية، ومن أشهرها وأجملها “كم رقيق هو الليل”. وهذا ما يعيدنا إلى الحقبة الهوليوودية التي عاشها فيتزجيرالد وانقضت بين زمن كان فيه كاتب الحلم الأميركي بامتياز، وحقبة بارح فيها هوليوود محطماً وحيداً وقد انكشفت له “تلك الكذبة الهوليوودية الكبرى”، بحسب تسميته الخاصة لها. ونحن نعرف أن فيتزجيرالد حين وصل إلى هوليوود عام 1937 في ركاب عدد من كتاب أميركيين وغير أميركيين كبار اجتذبتهم عاصمة السينما عبر سياسات جديدة توخت الاستفادة من مكانتهم وشهرتهم، كان هو نفسه قد تجاوز ذروة مجده الأدبي التي حققها في عشرينيات القرن العشرين مع روايات مثل “هذا الجانب من الفردوس” و”غاتسبي” و”كم رقيق هو الليل”. وكانت الأزمة الاقتصادية الكبرى قد استنزفت موارده، كذلك مرض زوجته زيلدا النفسي، جعله في حاجة ماسة إلى مصدر دخل ثابت ولم يكن في الولايات المتحدة حينها مكان يوفر البديل بقدر ما تفعل هوليوود. وهكذا انتقل الكاتب إلى كاليفورنيا حيث انخرط في العمل السينمائي كاتباً. غير أن الحلم بدأ يتبخر حين اكتشف فيتزجيرالد بسرعة أنه ليس أكثر من أداة بين يدي هوليوود هو الذي كان يعتقدها أداة بين يديه. وهكذا في مهب رفض المديرين لهذا المشروع أو إصرارهم على تعديل ذلك، اكتشف صاحبنا كيف أنه، ومن دون أن ينتبه، كان صور ذلك العالم مسبقاً في روايته الكبرى “غاتسبي” بوصفه عالم الوهم والنجاح السريع والكذب والأضواء الباهرة المصطنعة. وفي الوقت الذي كان يوضب أغراضه لمبارحة المدينة ومعها الحلم والأوهام، قرر أن يسجل تجربته في رواية يستلهم فيها أحد كبار صانعي الحلم الهوليوودي. المنتج مونرو ستار. اقرأ المزيد فيتزجيرالد الفوضوي الحالم مثال الجيل الأميركي الضائع رواية “غاتسبي العظيم” تسطع في برودواي بعد 100 عام صورة مزدوجة صحيح أن فيتزجيرالد لم يعش حتى يتمكن من إنجاز هذه الرواية التي كانت آخر ما كتب، لكن ما أنجزه منها، كان كافياً ليشكل صفعة على وجه عاصمة السينما يفضح أكاذيبها وأقنعتها من خلال صورة مزدوجة لذلك المنتج الذي يعيش حياته وأيامه ولياليه غارقاً في صنع تلك الأحلام الكاذبة التي انبنت هوليوود عليها. ومع ذلك لا يمكن أن نتحدث هنا عن هجاء ما ومطلق لهوليوود بقدر ما يمكن أن نتحدث عن صورة تقدمها من ناحية كمصنع للأحلام والكاذب الخلاب منها بصورة خاصة، ومن ناحية ثانية كمكان للطموح المشروع تجتمع فيه الموهبة بالبحث عن آفاق لها وبخاصة عبر تحويل الخيال إلى واقع مرئي. ونعرف طبعاً أن فيتزجيرالد قد توفي قبل أن يتمكن، كما أشرنا، من إنجاز “آخر العمالقة” لكن المفارقة، كما يرى النقاد، وبصرف النظر عن الكيفية التي عالج بها فيلم إيليا كازان الحكاية، تكمن في أن هذه الرواية قد أسهمت لاحقاً، في تكريس صورة فيتزجيرالد كأحد أكثر الكتاب فهماً لطبيعة هوليوود وتفاعلاتها. وبذلك تحولت تجربته التي بدت في حياته، بحسب النقاد، نوعاً من الإخفاق المهني إلى شهادة أدبية وتاريخية فريدة عن العصر الذهبي في السينما الأميركية، حتى وإن كان هو نفسه لم يسع إلى ذلك. فالمؤكد أن فيتزجيرالد قد أحب هوليوود وكرهها في الوقت نفسه. أحب قدرتها على صناعة الأساطير وكره آليتها الصناعية التي كانت تبتلع الفردية والإبداع الشخصي. وربما لهذا السبب كان سيقيض له لو أنه عاش ردحاً يكفيه لإنجاز هذه الرواية أن يعتبر واحداً من أكثر الأدباء ارتباطاً بالمدينة الهوليوودية لا بوصفه كاتباً عمل في السينما، بل بوصفه شاهداً حساساً على الثمن الذي قد يدفعه الفن حين يتحول إلى… صناعة، وبالتالي إلى… تجارة. المزيد عن: هوليوود رواية غاتسبي العظيم سكوت فيتزجيرالد المخرج جاك كلايتون المخرج باز ليرمان إيليا كازان 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عبده وازن في “اندبندنت عربية”: خليل الشيخ يقارب تشكلات قصيدة محمود درويش وتحولاتها next post الحياة الثقافية الليبية تنتعش مع مهرجان “الموسم” العربي You may also like الانتحال الأدبي والعلمي في عصر التطبيقات الذكية… لا... 17 يوليو، 2026 قراءة فلسفية في كرة القدم تنطلق من مدرجات... 17 يوليو، 2026 الحياة الثقافية الليبية تنتعش مع مهرجان “الموسم” العربي 17 يوليو، 2026 عبده وازن في “اندبندنت عربية”: خليل الشيخ يقارب... 17 يوليو، 2026 فردريك نيتشه… عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون 16 يوليو، 2026 جمال نعيم في “اندبندنت عربية”: البروباغندا الحديثة تمنح... 15 يوليو، 2026 مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الرسام سمير خدّاج... 15 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: تعريف هيغل للموسيقى..... 15 يوليو، 2026 د. رشيد العناني في “الشرق الاوسط”: «غيبة مي»... 15 يوليو، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الاوسط”: شجرة ديوان قصر... 15 يوليو، 2026