يحتفل العالم سنوياً باليوم العالمي للتمريض وتحديداً الممرضات في ذكرى ميلاد مؤسسة التمريض الحديث البريطانية فلورنس نايتنجيل (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي) صحة الثياب البيضاء تحت النار: ممرضات لبنان في قلب الحرب by admin 13 مايو، 2026 written by admin 13 مايو، 2026 17 في يومهن العالمي إضاءة على معاناتهن النفسية والجسدية اليوم… وعلى رغم ذلك يواصلن في تأدية الواجب الإنساني وكأنه لا يُسمح لهن بالاستسلام اندبندنت عربية/ كارين اليان ضاهر صحافية لبنانية @eliane_carine تستفيق سارة قبل شروق الشمس، ترتدي ثيابها البيضاء على عجل، تودّع طفليها بصمت، وتغادر المنزل وهي تعرف أنها قد لا تراهما مجدداً قبل صباح اليوم التالي. في الطريق إلى المستشفى، لا تفكر الممرضة اللبنانية بما ينتظرها من ساعات طويلة قد تتخطى الـ12 ساعة متواصلة أو تعب جسدي، بل بالمشاهد التي قد تواجهها مجدداً: أجساد ممزقة، صرخات أمهات، أطفال غارقون بالدم، ومرضى يتشبثون بالحياة تحت القصف. في الحرب، لا يعود التمريض مجرد مهنة للرعاية الصحية، بل يتحول إلى خط مواجهة إنساني يومي، يُمنع فيه الانهيار، ويصبح الضعف ترفاً لا يملكه أصحاب الثياب البيضاء. خلف أبواب أقسام الطوارئ، يعيش الممرضون والممرضات في لبنان حرباً موازية، يحملون فيها أوجاع الناس فيما يخفون خوفهم الشخصي وقلقهم على عائلاتهم، ويواصلون العمل على رغم الصدمات النفسية التي تلاحقهم حتى في النوم. في اليوم العالمي للتمريض، الذي يصادف 12 من مايو (أيار) من كل عام، تعود ممرضات بالذاكرة إلى أصعب اللحظات التي عاشوها وأقسى المشاهد التي رأوها في الحرب وقد بقيت عالقة في الأذهان وتركت أثراً لا يزول. مؤسسة التمريض الحديث البريطانية فلورنس نايتنجيل (موقع ويكيبيديا) أصعب المشاهد لا يمحوها الزمن يحتفل العالم سنوياً باليوم العالمي للتمريض وتحديداً الممرضات في ذكرى ميلاد مؤسسة التمريض الحديث البريطانية فلورنس نايتنجيل، ويهدف تخصيص يوم لهم للإضاءة على دورهم كـ”قوة إنسانية”، تكريم جهود أطقم التمريض وتسليط الضوء على دورهم الحيوي في تقديم الرعاية الصحية. وبالعودة إلى لبنان، أتت الحرب صعبة وقاسية على الجميع، لكن بالنسبة للجسم التمريضي تلعب عوامل عديدة دوراً في جعلها أشد وطأة. وبالنسبة للممرضين والممرضات، فالاستسلام ليس مسموحاً به مهما اشتدت الظروف فيستمرون بأداء مهامهم وتقديم الرعاية للمصابين ولكل من يحتاجها. أما المشاهد التي يرونها، فلا يمحوها الزمن وترافقهم في كل من لحظات حياتهم. أصعب التجارب التي عاشتها الممرضة في مستشفى المقاصد ببيروت سابرين حوحو كانت تلك التي وصل فيها المصابون بتفجيرات “البيجر” إلى المستشفى في 17 سبتمبر (أيلول) 2024. وعلى رغم أنها تعمل ممرضة من 13 عاماً، ومرت بتجارب قاسية، ورأت مشاهد في غاية الصعوبة في حروب سابقة، هي لم تر يوماً ولا تتوقع أن ترى ما رأته في ذاك اليوم. ومنذ تلك التجربة ترافقها كوابيس بسبب تلك الإصابات المتشابهة في العيون واليدين. فتذكر تلك اللحظة الصعبة التي سقطت فيها عين أحد المصابين في يدها، وحين أتى أحد المصابين ليعطيها أصابعه التي فقدها. وتذكر أنها بعد هذه التجربة الصعبة بقيت ثلاثة أيام من دون أكل، من شدة الصدمة التي تلقتها. لكن في الوقت نفسه، في ذاك اليوم، حرصت على الاستمرار بالعمل ودموعها تنهمر تحت أثر الصدمة، رغبة منها في تقديم أية مساعدة ممكنة. وتؤكد أنها لا تنسى مشاهد الحرب القاسية عموماً، لكن منها ما ترك أثراً أكبر، خصوصاً تلك التي عاشتها يوم “الأربعاء الأسود” الثامن من أبريل (نيسان) الماضي عندما سقط قسم من الغارات على مقربة من المستشفى. وتقول “كانت هذه تجربة في غاية الصعوبة، خصوصاً حين حضر إلى المستشفى شقيقان مصابان. وكان الأخ الأكبر يرفض أي علاج ويطالب بتقديم الرعاية أولاً لشقيقه الذي كان قد تعرض لإصابة صعبة جداً في الرأس. على رغم أنه لم تكن لديه فرصة للنجاة وكان الأمل مفقوداً، تم إنعاشه وإدخاله إلى غرفة العمليات حيث أجريت له جراحة في الرأس، لكنه توفي بعدها”. إسعاف المرضى إلى المستشفيات بعدة انفجار مرفأ بيروت في أغسطس عام 2020 (ا ف ب) المتابعة النفسية حاجة ماسة كانت هذه من المشاهد الأكثر قسوة التي تجد سابرين أيضاً صعوبة في نسيانها، وهو يعكس حجم المأساة في البلاد، وتتمنى لو كان من الممكن عرض هذه المشاهد حتى تكشف تلك المآسي، تضيف “نحن نرى إصابات ومرضى ودماً باستمرار، لكن ما نعيشه في الحرب ليس عادياً ولم يسبق أن شاهدنا مثيلاً له. نحن بشر في النهاية ولنا قدرة معينة على التحمل، وقد بلغ الضغط النفسي مستويات يصعب تحملها في هذه الظروف”. التحديات التي تواجهها سابرين في الحرب كثيرة، تماماً كغيرها من الممرضات اللاتي يقدمن تضحيات كثيرة في مختلف الأوقات، وبصورة خاصة خلال الحرب. حتى إنها بعد النزوح، أرغمتها ظروف عملها على الانفصال عن أهلها الذين يقيمون حالياً في الجبل، والإقامة في مسكن أمَّنه المستشفى للطاقم الطبي والتمريضي. وهي حالياً تترقب اللحظة التي تلتقي أهلها في العطلة، ما يبدو في غاية القسوة، “معنوياً أشعر وكأني في حالة من التمزق ما بين الواجب الإنساني الذي أريد أن أؤديه وتعلقي بأهلي ورغبتي بالوجود إلى جانبهم وقلقي عليهم في مختلف الأوقات. وإني كمواطنة أشعر بقلق مستمر بسببب ظروف الحرب، فيما الضعف ممنوعاً علي لأني ملزمة بالاستمرار بتأدية الرسالة الإنسانية. قطاعنا التمريضي أيضاً هو في الصفوف الأمامية ويحارب. قد نحقق مزيداً من المكاسب المالية في مجال آخر، إلا أن ما نقوم به رسالة إنسانية لا يمكن أن نتخلى عنها رغم التحديات والتوتر والقلق”. تبدو المتابعة النفسية حاجة ماسة للممرضين والممرضات ليتمكنوا من الاستمرار في أداء الواجب الإنساني والتحلي بالصلابة اللازمة ليتابعوا في المسار الذي اختاروه. حتى إن سابرين تنتظر انتهاء الحرب لتلجأ إلى المعالجة النفسية لأنها تشعر بأنها على حافة الانهيار وتعاني قلقاً شديداً وتوتراً نتيجة المشاهد التي تراها في الحرب، والتجارب التي مرت بها. اقرأ المزيد أطباء وممرضون سودانيون يواجهون الموت لإنقاذ مصابي الحرب 9 قتلى في لبنان وغارات إسرائيلية خارج معاقل “حزب الله” التمريض في العناية التلطيفية… الملائكة أيضا يعانون أعداد من الضحايا والأشلاء والضغط النفسي كبير يوم “الأربعاء الأسود”، جرى التداول بوجود أعداد كبيرة من الأشلاء والجثث في مستشفى الحريري الحكومي لم يتم التعرف عليها، وقد أجريت فحوص الحمض النووي بعد أيام لهذه الغاية. تعود الممرضة في المستشفى لميس الدايخ بالذاكرة إلى ذاك اليوم الذي كانت فيه بالمستشفى عندما سمعت صوت غارة تسقط على مسافة قريبة منهم، فسارع الفريق لتجهيز قسم الطوارئ ونقل المرضى منه لاستقبال المصابين لدى وصولهم، وسرعان ما بدأ وصولهم بحالات سيئة جداً وقد وضعوا جميعاً على أجهزة التنفس، وتم نقلهم إلى غرف العمليات. وكانت المفاجأة أن غارات سقطت في مناطق عديدة بلبنان في الوقت ذاته وبدأ توافد مزيد من المصابين. وتذكر لميس ما حصل من لحظات صعبة منها وصول الأهل ليسألوا عن ذويهم ولم يكن لديها أي جواب تعطيه لهم، وأيضاً وصول الأشلاء والجثث بأعداد كبيرة، وأكثر من ذلك الشاب الذي كان على جهاز التنفس مع ساق مبتورة وقد بذلت جهود كبرى لإنقاذه إلا أنه توفي في النهاية، فصورته لا تفارق ذهنها. في هذه الأثناء، كان أهلها وأطفالها يحاولون الاتصال بها طوال الوقت لكنها لم تستطع أن تجيب على اتصالاتهم لطمأنتهم إلى أن سنحت لها الفرصة لاحقاً بعد أن أصبحت الأمور تحت السيطرة. أيضاً، تذكر أنها في كل كارثة حصلت في البلاد، كانت تعمل في المستشفى منها انفجار مرفأ بيروت في صيف عام 2020، وتذكر حالة شاب لم يصب بجروح لكن قلبه توقف فكانت هذه من الحالات الصعبة التي تجد صعوبة في تخطيها ونسيانها. كذلك بالنسبة لتفجيرات أجهزة “البيجر” التي تصفها بالتجربة المرعبة حين حضر كل هؤلاء المصابين إلى المستشفى بإصابات متشابهة من دون عيون أو وجوه أو بأمعاء قد خرجت من البطون. وبسبب كل ما مرت به من تجارب تشعر بحاجة ماسة إلى الدعم النفسي لأنها تصل أحياناً إلى منزلها وتنهمر بالبكاء من شدة التوتر. وتختم “أنا أعيش مع طفلي وحدنا بعد أن انفصلت عن زوجي، وفي كل صباح أخشى فكرة أن أتركهما وأن يتعرضوا لأي خطر أو أن تحصل ضربات قريبة ويخافوا وأنا بعيدة منهم. لكنهما فخوران بي وبالتضحيات التي أقدمها، ويعبران عن هذا الفخر بي. لذلك، هما يشجعانني على الاستمرار بما أقوم به”. ممرضة داخل قسم الطوارئ في إحدى مستشفيات لبنان (ا ف ب ) ضغوط تتخطى القدرة على التحمل حول كل التحديات التي يواجهها الممرضون، أوضحت نقيبة الممرضين عبير علامة في حديثها مع “اندبندنت عربية” إلى أنها متنوعة، ومنها ما يرتبط بمن هم موجودين في المناطق المستهدفة، ومنهم من اضطروا إلى إرسال عائلاتهم بعيداً منهم في أماكن أكثر أماناً وتأمنت لهم أماكن للإقامة على مقربة من المستشفيات التي يعملون فيها، ومنهم من هم من النازحين أيضاً ويستمرون بتأدية الواجب وآخرون فقدوا عملهم. حتى إن من الممرضين من يمكثون في مراكز إيواء ويستمرون بالقيام بعملهم. في كل الحالات، تزيد مستويات الضغط النفسي الذي يرافقهم في مختلف الأوقات. تشير علامة بشكل خاص إلى الممرضين العاملين في المستشفيات القريبة من الأماكن المستهدفة، فهؤلاء واجهوا مزيداً من الصعوبات كونهم أيضاً في خطر، مما يضاف إلى الضغط النفسي الكبير الذي يتعرضون له. وتكثر التضحيات التي يقدمها الممرضون في هذه الظروف، ومنهم من خسرهم القطاع أثناء تأدية الواجب. “كانت هناك تجارب في غاية الصعوبة على الممرضين والممرضات في الحرب، خصوصاً عندما استقبلت المستشفيات المصابين في مختلف المناطق وبشكل خاص في بيروت. ولو لم يكن الطاقم التدريبي مدرباً على دراسة الأولويات وعلى استراتيجية العمل لما تمكن من الصمود في مواجهة هذه التجارب القاسية والاستمرار بتلبية النداء وبإثبات جدارتهم الفائقة”، تؤكد علامة وتضيف أنه يكفي ما عانوه جراء المشاهد الصعبة التي رأوها مع وصول أطفال ونساء ومسنين قد تعرضوا إلى إصابات مرعبة، إضافة إلى وصول أشلاء وكانوا مضطرين إلى التعامل مع كل ذلك والاستمرار بالعمل. مشاهد دموية مدى الحياة لكن مهما كانت صلابة الممرضين ومهاراتهم، تؤكد علامة أنهم يرزحون تحت ضغوط نفسية صعبة وهم من البشر، ولا يمكن أن يُطلب منهم تحمل ما يفوق طاقتهم. وحتى إذا كانوا يقومون بالواجب بطريقة بطولية، هم في النهاية يستعيدون تلك المشاهد القاسية التي يرونها وترافقهم في حياتهم. وأكثر، منهم من يسعفون أقارب لهم وأحباء أثناء أداء الواجب مما يزيد من الضغوط التي يتعرضون لها في مواقف مماثلة. وتتابع “يجب ألا ننسى أن الممرضين يقفون في الصفوف الأمامية ويكونون دوماً في الواجهة في هذه الظروف الصعبة، فيستقبلون المصابين وأيضاً الأهل الذين يبحثون عن أفراد عائلاتهم، إضافة إلى كل التعب الجسدي والنفسي الذي يشعرون به أثناء تقديم الرعاية، مما يزيد من الضغوط والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم. لذلك تعد المتابعة النفسية لهم ضرورية ونحن نحرص عليها من خلال حلقات دعم وجلسات مع معالجين نفسيين، وأيضاً العمل في إطار البرنامج الوطني للصحة النفسية لمساعدة الممرضين على التعبير عن مشاعرهم لأنهم يصلون إلى مكان يفقدون فيه القدرة على العمل والقيام بالواجب الإنساني بسبب الضغط”. خلال الحرب الحالية، حرصت النقابة على مساعدة الممرضين الذين فقدوا عملهم بسبب النزوح بتأمين فرص عمل أخرى لهم في المستشفيات التي تحتاج إلى ممرضين بسبب زيادة الضغوط عليها، كما بالنسبة إلى مستشفيات صيدا في جنوب لبنان. في حديثها، تشدد علامة على أن عيد الممرضين والممرضات لا يقتصر على يوم واحد، بل إن تكريمهم يجب أن يحصل بشكل يومي لأنهم يتفانون في العمل وفي تقديم الرعاية للمرضى والمصابين، وهم من الأشخاص الذين لا غنى عنهم. هذا مما يؤكد أهمية التمسك بهم وإدراك أهميتهم قبل فقدانهم بما إن البلد في أمس الحاجة إليهم. لذلك، توجهت بالشكر إلى كل ممرض وممرضة على توجههم يومياً إلى العمل في الحرب على رغم كل الصعاب والقصف والتوتر والتحديات النفسية، مؤكدة الحاجة إلى التخطيط حفاظاً على قطاع هو شريك أساس في البلاد وقد أثبت الممرضون جدارتهم في المسؤوليات الملقاة على عاتقهم. المزيد عن: اليوم العالمي للتمريض انفجار مرفأ بيروت تفجير البيجر الحرب اللبنانية المستشفيات اللبنانية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الاغتصاب في السودان… يوما ستنتهي الحرب والألم يبقى next post بين ديغول وتشرشل… لقاء وافتراق You may also like حين يتحدّث العَرق… جسدك يكشف عن مرضك قبل... 12 مايو، 2026 اختراقان علميان يرسمان ملامح جديدة لعلاج السرطان 12 مايو، 2026 دراسة: علاج خلوي يمكنه السيطرة على فيروس نقص... 12 مايو، 2026 طريقة مبتكرة لرصد مؤشرات الخرف بدقة 12 مايو، 2026 دراسة تحذر من زيادة 11 نوعا من السرطان... 7 مايو، 2026 لماذا يذرف البشر الدموع؟ 7 مايو، 2026 فيروس «هانتا»… الأسباب والأعراض وطرق العلاج 6 مايو، 2026 التوقف المفاجئ عن تناول المغنيسيوم: 4 آثار محتملة 3 مايو، 2026 علاج مناعي معدل قد يرحم مرضى سرطان الدم... 2 مايو، 2026 بعض أنواع السرطان لا تزال تقاوم العلاجات الموجهة... 2 مايو، 2026