الأربعاء, مايو 6, 2026
الأربعاء, مايو 6, 2026
Home » هل تستطيع الفلسفة أن تعالج اضطراباتنا العصرية؟

هل تستطيع الفلسفة أن تعالج اضطراباتنا العصرية؟

by admin

 

حين يتعلم العقل أن يسأل: نمط وجود أو نحت للذات

اندبندنت عربية / جمال نعيم أكاديمي لبناني

لعل السؤال الأساس هذا لا يستقيم فهمه ما لم نحدد أولاً ما الذي يجعل الإنسان محتاجاً أصلاً إلى هذا النمط من “التداوي”. هنا لا يبرز القلق حالة طارئة، بل بنية تأسيسية أصيلة في الكيان الإنساني.

ليس كل قلق واحداً، ثمة قلق ظرفي، عارض، ينشأ عن أحداث محددة: حرب، وتهديد، وأزمة اقتصادية، وخطر مباشر. هذا القلق، على شدته، يظل قابلاً الفهم في أفق نفسي أو اجتماعي، ويمكن، من حيث المبدأ، احتواؤه أو التخفيف منه بزوال سببه، إنه قلق يطرأ على الإنسان من الخارج.

لكن، إلى جانب هذا القلق، ثمة قلق من نوع آخر لا ينتمي إلى الحوادث، ولا يفسر بها: قلق وجوداني ملازم الإنسان لمجرد كونه إنساناً. هذا القلق لا يتعلق بشيء محدد، ولا يتوجه إلى موضوع بعينه، فهو انكشاف على اللا – يقين، على الإمكان، على الفناء. هنا تحديداً يمكن استحضار تحليل القلق (Angst) في نصوص هايدغر، بحيث لا يكون القلق خوفاً من شيء ما، بل انكشاف الكائن الإنساني (الدازاين) على عدم استقراره الجذري، وعلى كونه ملقى في العالم من دون سند نهائي.

قلق الإنسان (صفحة بسيكولوجيا – فيسبوك)

في هذا الأفق، لا يعود القلق حالة نفسية، بل بنية أونطولوجية: طريقة في الكينونة يكون فيها الإنسان مكشوفاً على سؤال المعنى، وغير قادر على الاحتماء بأي يقين نهائي. إنه القلق الذي لا يمكن التخلص منه، لأنه ليس عرضاً، بل شرط. من هنا، لا يكون السؤال: كيف نتخلص من القلق؟ بل كيف نتعامل معه؟

القلق بما هو إمكان: من الانكشاف إلى التفلسف

إذا كان القلق الوجوداني انكشافاً على اللا – يقين، فإنه، في الوقت نفسه، إمكان. إنه ما يفتح الإنسان على السؤال، ويمنعه من الاكتفاء بما هو معطى. غير أن هذا الإمكان ذا حدين: فإما أن يتحول إلى طاقة تفكير، وإما أن ينقلب إلى عبء ينبغي التخلص منه بأي ثمن. هنا تظهر الفلسفة بوصفها أحد السبل القليلة التي لا تسعى إلى إلغاء القلق، بل إلى التفكير فيه. فالفلسفة لا تعد بالخلاص، بل تبقي الإنسان في علاقة مفتوحة بالسؤال. لكن هذا لا يعني أن الفلسفة تغرق الإنسان في القلق، بل على العكس: إنها تمنحه أدوات التعامل معه، عبر تحويله من حالة مبهمة إلى موضوع للتفكير.

على هذا المستوى، يمكن فهم ما سميناه “الإرشاد الفلسفي”. فالمشكلة لا تكمن دائماً في غياب الأجوبة، بل في سوء طرح الأسئلة. السؤال الملتبس، أو المشحون بافتراضات غير مفحوصة، لا ينتج المعرفة، بل يضاعف القلق. هذا ما أدركه سقراط حين جعل الحوار أداة لتفكيك المعتقدات، وكشف التناقضات، وإعادة بناء السؤال. لم يكن هدفه تقديم أجوبة جاهزة، بل تحرير الفكر من أوهامه. بحسب هذا المعنى، يصبح التفكير الفلسفي تمريناً: تحليل الأفهوم، كشف الافتراضات الضمنية قبل الأفهومية، إعادة صوغ المسائل. والعقل الذي يتدرب على ذلك لا يتخلص من القلق، لكنه يصبح أقدر على التعامل معه وتحمله، لأنه يفهمه.

غير أن الفلسفة لا تقف عند حدود التفكير، بل تمتد إلى أسلوب العيش ونمط الحياة وفن الوجود. هنا يلتقي هذا التصور ما ذهب إليه بعض الفلاسفة المعاصرين، حين رأوا أن الفلسفة القديمة كانت تمارين روحية، لا مجرد نظريات. كما نجد صدى ذلك عند فوكو في حديثه عن “تقنيات الذات” في كتبه وكتاباته الأخيرة، أي الممارسات التي يصوغ بها الإنسان نفسه بنفسه. في هذا الأفق، لا تعود الفلسفة بحثاً عن الحقيقة فحسب، بل تصبح تدريباً على الحرية، ومقاومة للأنماط المفروضة، وسعياً إلى ابتكار أشكال جديدة من الحياة، وقدرة أكبر على التعامل مع الموت. هنا تحديداً يظهر بعدها “العلاجي”: لا بوصفه تسكيناً للألم، بل إعادة صياغة للعلاقة به.

 من التفلسف إلى التخدير

لكن القلق، بما هو طاقة، يمكن أن يساء توجيهه. فحين تغيب الفلسفة، لا يختفي القلق الوجوداني، بل يختطف. ينزع من أفق التفكير، ويعاد تقديمه في هيئة أجوبة جاهزة. هنا تظهر ما يمكن تسميته “المخدرات الفكرية”. هذه المخدرات ليست جهلاً بسيطاً، بل شكل من اليقين المغلق. إنها أفكار تمنح راحة فورية، لكنها تعطل القدرة على التفكير النقدي. أخطرها ما يمكن تسميته “الهيرويين الفكري”: ذلك الذي يجعل الإنسان يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، فيفقد الحاجة إلى السؤال ويغرق في الإيديولوجيا المغلقة. في هذه الحالة، لا يلغى القلق، بل يغطى. غير أن ما يغطى يعود في أشكال أخرى: تعصب، وعنف رمزي، وانغلاق.

اقرأ المزيد

حين تنتشر هذه المخدرات، يتحول الأمر إلى ظاهرة جماعية. يصاب الفضاء العام بالتصلب، كما تستبدل بالنقاشات الشعارات، ويستعاض عن التفكير بالتكرار والامتثال. عندها لا يعود الاختلاف ممكناً، إذ إن كل يقين مغلق يرى في الآخر تهديداً. وهكذا، يتحول القلق غير المفكر فيه إلى عنف.

مع ذلك، لا بد من التمييز. فالفلسفة لا تعالج الاضطرابات النفسية، ولا تحل محل العلاج النفسي. لكنها تشتغل على مستوى آخر: مستوى البنية التي تنتج القلق. فلا تعالج الأعراض، بل تعود للجذور. وفاقاً لهذا المعنى، ليست بديلاً عن العلاجات النفسية، بل مكملة.

في محاولة لإعادة الفلسفة إلى الفضاء العام، يمكن التفكير في ما يمكن تسميته “الدردشة الفلسفية”، غير أن هذا النمط يظل مشروطاً بالمنهج، فليس كل حوار تفلسفاً. ما يميز الحوار الفلسفي هو صرامته، وقدرته على دفع التفكير نحو الوضوح. من دون ذلك، تتحول الدردشة إلى شكل آخر من التخدير.

الفلسفة ضرورة أونطولوجية

في النهاية، لا يكون السؤال: هل نحتاج إلى الفلسفة؟ بل: كيف نواجه القلق الذي يكوننا؟ إما أن نفكره، فنحوله إلى طاقة وحرية، وإما أن نخدره، فنحوله إلى يقين مغلق. استناداً إلى هذا المعنى، يمكن القول إن الفلسفة ليست ترفاً، بل ضرورة أونطولوجية. إنها لا تنهي القلق، بل تبقيه حياً بوصفه سؤالاً. إنها لا تداوي كما تداوي الطبابة، بل تداوي على نحو آخر: تداوي العقل من اضطراباته الأفهومية، وتعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا، وتفتح إمكان العيش بوعي وحرية. الفلسفة لا تنقذنا من القلق، بل تعلمنا كيف نحيا فيه من دون أن نخدر، ومن دون أن نستسلم.

المزيد عن: الفلسفة أمراض العصر علم النفس الإضطراب نمط وجود الذات العقل السؤال الفكر

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00