الشاعر صادق الصائغ في لقاء شعري في بغداد (اتحاد الكتاب العراقيين) ثقافة و فنون الشاعر صادق الصائغ يمضي مرهقا بأحلام المستحيل by admin 6 مايو، 2026 written by admin 6 مايو، 2026 9 بين بغداد ولندن عاش مغامرة المنفى والبحث عن الذات اندبندنت عربية/ حسام السراي كاتب وصحافي عراقي منذ مجموعته الأولى “نشيد الكركدن”، سجل صادق الصائغ علامته الفارقة في المشهد الأدبي، بحيث سبق احتفاء الصحافتين العراقية واللبنانية بصدور المجموعة عام 1978، بروز اسمه من خلال القصائد التي نشرها في دوريات وصحف عدة في العقد الستيني من القرن الماضي وحتى ما قبله. وقد مثل صدور الديوان إعلاناً رسمياً عن بدء مسيرة شاعر التقت قصائد كتابه الأول مع لمسات الفنان الراحل رافع الناصري في تصميمه للغلاف، وزينت رسوم الفنان الراحل كاظم حيدر أركان هذا التعاون بما قدمه للكتاب الجديد. في نشيده الصادر حينذاك عن دار “الأديب” البغدادية، إفصاح عن ذلك الإنسان المحاصر الذي تجعله الأقدار نهباً للتوحش، وعن خيط رفيع تسير عليه الذات الحرة بين الحياة والموت: “ونأتي الى المَوت آناً/ ويأتي إلينا/ ويسبقنا/ فنهتزُ شبْقاً/ وحنيناً/ ونعثر ثانية/ بظلمة رعشته المستحيلة”. وفي مقطع ثانٍ، يحضر بوضوح ذلك الخوف والترقب الذي شاب أواخر الستينيات من القرن الماضي، في مرحلة من التمرد المسور بوهم الخلاص من القيود السياسية وأغلال الواقع: “يا سيدي النوافذْ/ مسدودةٌ بالطين/ وها هي المآذن/ أردافها تهتز للآتين/ ويرتقُ الزمانُ تحت الشمس ثوب العُمر/ وما يزالُ الدمُ في الحيطان/ وما يزالُ الموتُ في الأسنان/ وما يزالُ القاتلُ المجهولُ غولَ الليل/ وذلك المُلقى على الأسفلت في البرد هو الإنسان”. الشاعر صادق الصائغ في لندن (صفحة فيسبوك) وعطفا على الشعر الذي صدر له فيه، بعد “نشيد الكركدن”، “وطن للروح” و”حيث هو القلب” و”أنا التراب”، أجاد الراحل في الانتقال فالكتابة من النقد إلى المسرح والسينما، ثم العمل في الإذاعة والتلفزيون، فضلاً عن تجاربه في الرسم والخط والتصميم، وفي الكتابة للاطفال أيضاً من خلال الإسهام في الأعداد الأولى لمجلة “مجلتي”. العائد الشاهد بعد 2003، ومثل كثر من المثقفين العراقيين الحالمين، عاد الصائغ إلى بغداد. جاء ليبحث عن نبض قديم له كان قلبه يخفق به مع كل خطوة خطاها في مدينة الأمس. لكن بغداد كانت لاهية ومكلومة بقلبها العليل، بعد أن أوجعت أرضها ضربات “البساطيل” المحلية، وها هي من جديد تساير نوعاً جديداً من “بساطيل” عابرة للقارات. لعل الشاعر بوجوده في بغداد بعد طول غياب، كان أحد الشهود على أتون مقتلة من نوع آخر، إنها حرب الطوائف، الحرب الأهلية، حرب الشوارع، حرب العقائد وهي تتطاحن من شارع إلى شارع في بغداد؛ من شارع حيفا حيث محل عمل الصائغ مستشاراً لوزارة الثقافة بعد نيسان (أبريل) 2003، وحتى أقصى أحياء شرق بغداد وغربها. تنقضي التجربة الاستشارية مع انتهاء عمر الحكومة الأولى بعد أبريل 2003، ومعها يغدو الصائغ زائراً يتردد على مدينته من عام إلى آخر، لم ينقطع كثيراً عن العراق إلا حينما تعب قلبه في العامين الأخيرين. في معرض العراق الدولي للكتاب في بغداد عام 2024، كان آخر اللقاءات مع الصائغ، تجمعنا حوله وكان فرحاً بالوجوه المختلفة وهو يتوسطها في أمسية وثقها المخرج السينمائي زياد تركي بكاميرته الشخصية. “هنا بغداد”… هنا النفس الملحمي رسخت قصائد صادق طليعيتها في مشهدية الشعر العراقي، وفي الجوهر من ذلك لا يمكن عبور النفس الملحمي والطابع التوثيقي الذي كتب به قصيدته الأثيرة “هنا بغداد”، فيها تشتبك نبرة المنفي المحتج مع ابن الوطن المستكشف لمواطن العنف في المدينة من جديد، يتفحص شوارعها، يلاحق الأصوات تحت الأنقاض وفي الأزقة الضيقة، يتتبع بحنوٍ أحوال الفقراء. في القصيدة مزية الإفلات من زمن تلك الكتابة الشعرية في حينها، لتحمل برهانها معها على أنها متقدة مع كل قراءة مستحدثة وجديدة. اقرأ المزيد القلق الوجودي الذي اعترى حياة السياب كان له اثر في شعره أمجد ناصر شاعر الذائقة البدوية التي صقلتها المنافي في مقطع منها ينتصر للتحدي الذي تظل المدينة محتفظة به، بوحي من صياغة مناورة حادة بين اليأس والأمل: “مَدينَةٌ مُصَابَةٌ بأحلامِ الزَمَن القاَدِم/ جِسمُهَا مُلتَهبٌ/ وَحَرارَتُها عَاليَة/ في أعـْماقِها غَضَبٌ/ وجُوعُ/ وبكاء/ وصَريرُ اسنَان/ مدينَةٌ يُفَتـشُ عَنهَا التَاريخُ/ القَناصَةُ والعُشاقُ والشُعَرَاء/ الغُزَاة ُوالبَرابِرَةُ/ وَلصُوصُ النِفط/ في كُلِ مَرَةٍ يُظَنُ أنهَا انتهَت/ تُطلِقُ مِن أعمَاقِ الرُوحِ/ صَرخَة ًطَويلَة/ تَسري في الأثـْير مِثلَ مَوجٍ مُتَكَسِر:/ “أموُتُ أو/ لا/ أموُت/ أعيشُ أو لا أعيش/ أكوُنُ أو لا أكوُن/ تِلكَ هي المَسألَة”. أكثر من إيثاكا واحدة من بغداد انطلقت الرحلة الطويلة لصادق الصائغ، منحها صدقه في الكتابة ورفضه لكل تراجع فيها، بينما لم تكن مدينته كريمة معه في خواتيم العمر؛ فحتى قبل أيام قلائل ظل الشاعر يهجو نسيانه في بلد لم يظفر بعد بدولة عادلة ومنصفة لأبنائها الماكثين أو المغادرين. فارق الصائغ الحياة وعينه كانت تترقب إنصافاً أخيراً من دوائر الأضابير والمعاملات في مدينته، على رغم كل الدوامات التي سارت فيها أوراقه التقاعدية بين دهاليز مخاطبات “كتابنا ذي العدد وكتابكم ذي الرقم”. لصاحب “نشيد الكركدن” أكثر من “إيثاكا” في حياته، بين بيروت وبراغ ولندن، إلا أن بغداد نفسها وهو يرتحل إليها في سنواته الأخيرة، أعجزته بطريق شاق وطويل من أجل وصول أخير إليها ولم يصل في النهاية. وكتبت الناقدة العراقية فاطمة المحسن المقيمة في لندن على صفحتها في الفيسبوك:”غدا صادق الصائغ في لندن أكثر من صديق، فهو أخي الأكبر ومستشاري الذي أهرع إليه في معرفة الناس والحوادث. تطول لقاءاتنا سواء في المقاهي أو في بيوتنا لحين ما بدا العجز يأخذ منه مأخذاً، فيلوح على هيكله النحيل وحركة أقدامه. إصطحبته آخر مرة من المقهى إلى موقف الباص، متكئا على كتفي خوف السقوط، لكنه يرفض بما يشبه الإصرار التسليم للزمن، فيبقى الهاتف بيننا كأنه التعويض عن لقاءاتنا الأسبوعية في المقاهي . آخر مكالمة منه كانت قبل يوم من رحيله، قال لماذا لا نذهب غداً إلى بيت عدنان حسين، قلت أنا تعبة يا صادق من العلاج، فكيف لي قطع كل هذه المسافة ؟ كان فرحا بقدرته على التمشي خطوات أمام بيته. أعرف أنّ صادق مصاب بعطب في القلب، فكم من المرات غاب فيها عن الوعي ثم استيقظ على وقع صوت خارجي، فيأتي المسعفون ليحملوه بين الحياة والموت”. المزيد عن: شاعر عراقي بغداد المنفى لندن دواوين الشعر الحر الذات الرحيل 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post زياد ماجد / ميغافون: هل صحيح أنّ الخطّ الثالث مجرّد وهمٍ وطهرانيّة سياسيّة؟ next post كيف أنتجت السينما مدن الواقع وخالفتها؟ You may also like هل تستطيع الفلسفة أن تعالج اضطراباتنا العصرية؟ 6 مايو، 2026 النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: مور يخترع... 6 مايو، 2026 قصائد الذكاء الاصطناعي أزهار بلاستيكية بلا لون 6 مايو، 2026 كيف أنتجت السينما مدن الواقع وخالفتها؟ 6 مايو، 2026 النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: إيراسموس يمدح... 4 مايو، 2026 35 عاما على رحيله… محمد عبد الوهاب والتطوير... 4 مايو، 2026 مرصد كتب “المجلة”… جولة على أحدث إصدارات دور... 4 مايو، 2026 هاني شاكر… الغناء العربي يفقد أميره 3 مايو، 2026 النهضة لقاء درامي بين العرب وأوروبا والحداثة “ملغومة” 3 مايو، 2026 هل كانت آفا غاردنر “حديقة سرية” لإرنست همنغواي؟ 3 مايو، 2026