الأربعاء, مايو 6, 2026
الأربعاء, مايو 6, 2026
Home » النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: مور يخترع “اللامكان” (2)

النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: مور يخترع “اللامكان” (2)

by admin

 

المفكر الإنجليزي عزز في كتابه “يوتوبيا” الفكر العقلاني فجرفته مقصلة الملك المزواج

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

ينظر الطفل إلى أمه مبتسماً ساخراً، وهو يشد مئزرها صوبه، محاولاً أن يكلمها من دون أن يسمع أحد ما يقوله. وإذ تلتفت الأم إليه بكل جوارحها كما اعتادت أن تفعل، يشير بيده إلى مجموعة من “أهل الريح” الزائرين الآتين من كوكب بعيد قائلاً “انظري يا أماه إن هؤلاء الملوك والأمراء يزينون قبعاتهم بالذهب والجواهر وكأنهم أطفال رضع”. فتنهره الأم بأن هؤلاء ليسوا ملوكاً أو أمراء من شعب الريح، بل بالتأكيد “مهرجون يزينون ملابسهم بالجواهر ترفيهاً عن أسيادهم”.

هذا المشهد لا يحدث في مسرحية كوميدية أو في واحدة من الحكايات المكتوبة للصغار، بل في واحد من أهم فصول كتاب فلسفي ينتمي إلى عصر النهضة وينظر إليه معظم المؤرخين والباحثين باعتباره الكتاب الذي أسس، حتى ولو استناداً إلى “جمهورية أفلاطون” ذلك النوع الأدبي – الفلسفي المعروف بالمدن الفاضلة أو “اليوتوبيات”، والمعتبر من أكثر نصوص الفكر الإنساني جدية.

الكتاب الذي نتحدث عنه هنا، بعد حديثنا أمس عن “مديح الجنون” للهولندي إيراسموس، وقبل حديثنا غداً عن “مقالات” الفرنسي مونتاني، هو “يوتوبيا”، للإنجليزي توماس مور.

ونتحدث في هذه السلسلة عن هؤلاء المفكرين الثلاثة باعتبارهم الأكثر إنسانية وسياسية في الفكر النهضوي الذي جعل للإنسان المكانة المركزية في الفكر الكوني. وباعتبارهم متزامنين كان همهم، وبخاصة من خلال العودة للنصوص الإغريقية سواء كانت ملاحم أم كتباً فلسفية أم مسرحية أم شعرية، كان همهم وضع أدب عميق يدل إنسان العصور الحديثة على مكانته في الكون.

الكاردينال توماس وولسي (مرتدياً رداء أحمر) في مواجهة السير توماس مور، رئيس مجلس العموم الإنجليزي، في لوحة من القرن الـ19 (الموسوعة البريطانية)

حكاية اللامكان

في هذا المضمار الكتابي، لا بد لنا من الإشارة منذ البداية إلى أن المفكرين الأوروبيين الثلاثة هؤلاء كانوا متزامنين تقريباً، بل كان بعضهم يعرف بعضهم الآخر وينهل من علمه – علاقة توماس مور بإيرازموس على سبيل المثال – حيث على رغم ندرة وسائل النقل في أيامهم وصعوبات المسالك وخطورتها، كانوا يتواصلون، وبخاصة من خلال المطابع التي كانت قد وجدت لتوها وكان لها الفضل الأكبر في انتشار الفكر الإنساني الذي حمله الثلاثة على قدم المساواة وبخاصة في بلدانهم التي كانت “بعيدة” بعض الشيء عن تلك المركزية اللاتينية التي قام عليها أصلاً عصر النهضة، لكنه فعل ذلك في المدن الإيطالية مرتدياً لبوساً كان لا يزال إلهياً وكنسياً.

أما في لندن توماس مور وامستردام إيرازموس وبوردو مونتاني، فالأسبقية باتت للإنسان نفسه كمركز للكون والفكر، بل حتى للإيمان أيضاً، وكان الزمن زمن الكثير من “المرات الأولى”.

ونقول هذا لنؤكد أن “يوتوبيا” توماس مور، كان أول كتاب حمل بصراحة تعريفه في عنوانه الذي يعني في العربية “اللامكان”، وهي الكلمة التي ابتكرها مور – والتالون له – ليشيروا بها إلى أماكن “اخترعتها” مخيلتهم لتصف تلك الجزر والقارات التي لا وجود لها إلا في فكرهم، لكن أهميتها تكمن في كونها تقدم صورة لما يجب أن تكون عليه المدن، بل الأمم على الضد مما كان قائماً. بمعنى أن اليوتوبيا إنما هي الصورة التي يجب أن تكون للمكان الذي يمكن للمواطنين أن يعيشوا فيه بأمان واطمئنان، لا تؤمنهما الحواضر والممالك القائمة “هنا والآن” بالفعل.

إحدى طبعات كتاب مور “يوتوبيا” (أمازون)

النص التأسيسي

وحتى ولو أن توماس مور (1478 – 1535) استقى الأفكار الأساسية لكتابه من جمهورية أفلاطون كما أشرنا، فإن نصه يجب أن يعتبر على الدوام نصاً تأسيسياً سيسير على هديه لاحقون له، من طينة فرانسيس بيكون وتوماسو كامبانيلا وعشرات غيرهما.

ولعل هذا ما يجعل صوت مور في هذا الكتاب واحداً من أبرز الأصوات التي عبرت عن روح الفكر الإنساني في عصر النهضة، ذلك العصر الذي شهد تحولات عميقاً في نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى العالم من حوله. ففي قلب ذلك التحول برزت النزعة الإنسانية التي أعادت الاعتبار للعقل البشري ورفعت من شأن التربية والأخلاق، وسعت إلى نقد المؤسسات التقليدية بروح إصلاحية.

والحال أن مور لا يقدم في “يوتوبيا” مجرد خيال أدبي في جزيرة مثالية، بل يصور رؤية نقدية للمجتمع الأوروبي في القرن الـ16، إذ إن المجتمع اليوتوبي المتخيل الذي يتصوره كاتبنا، يقوم على مبادئ العدالة والمساواة والتضامن. وحيث تلغى الملكية الخاصة وتوزع الموارد بصورة عادلة وينظر إلى العمل بوصفه واجباً اجتماعياً لا بوصفه وسيلة لاستغلال الأقلية في المجتمع للأكثرية. ويقيناً أن هذه الرؤية إنما تعكس بوضوح تأثر مور بالفكر الإنساني، الذي كان يسعى إلى بناء مجتمع يقوم على الفضيلة والعقل بدلاً من الطمع والفساد.

اقرأ المزيد

نقد ضمني

من منظور الفكر والممارسة السلطوية في الزمن النهضوي، يمثل هذا الكتاب ما يمكننا اعتباره نقداً واعياً ومدروساً للنظام الإقطاعي والسلطة السياسية والكنسية التي كانت تهيمن حينها على أوروبا. فتوماس مور وعلى رغم كونه رجل دين كاثوليكياً، لم يتوان طوال وجوده عن تسليط الضوء على التناقضات الاجتماعية في زمنه مثل الفقر المدقع مقابل الثراء الفاحش، وانتشار العقوبات القاسية بدل الإصلاح. وهنا بالتحديد تتجلى لديه تلك النزعة الإنسانية التي كانت ولا تزال، تسعى إلى إصلاح المجتمع عبر التفكير العقلاني، وليس عبر القهر أو المحاكاة العمياء لإرث ثقيل أتى من الماضي.

ومن هنا، وبصورة خاصة، يبرز في “يوتوبيا” اهتمام واضح بالتعليم، رأينا ما يماثله لدى إيرازموس، باعتباره أحد أعمدة الفكر الإنساني في عصر النهضة، إذ إن المجتمع اليوتوبي يولي أهمية فائقة لمسألة تثقيف الأفراد وليس فقط تثقيفاً علمياً، نظرياً أو تطبيقياً، بل أيضاً في مضمار الأخلاق والفلسفة بما يضمن تكوين مواطنين أحرار ومسؤولين. وهو ما يعكس إيمان أصحاب النزعة الإنسانية بأن المعرفة هي الطريق الأسلم والأغنى إلى تحسين الإنسان كفرد والمجتمع كمجموع.

غير أن “يوتوبيا” كما دونها توماس مور ليست مجرد حلم مثالي، بل إنها تحمل في ثناياها أيضاً بعداً إشكالياً، وفي الأقل في نظر بعض المعلقين الذين لا يفوتهم أن يشيروا إلى أن “بعض مظاهر النظام الصارم في الجزيرة، مثل مراقبة الأفراد أو تقييد حرياتهم، تطرح تساؤلات جادة حول حدود المثال الإنساني ذاته. وهنا تكمن قوة المحاججة لدى مور، إذ نراه يسعى إلى فتح المجال للتأمل والنقاش بدلاً من تقديم ما كان من شأنه أن يعتبره نموذجاً نهائياً يجدر اتباعه”.

وفي المحصلة إذاً، يمكن القول إن هذا كله يجعل من كتاب “يوتوبيا” تجسداً لروح النهضة في سعيها إلى إعادة تخيل العالم على أسس إنسانية تجمع بين النقد والخيال، وبين الطموح الأخلاقي والوعي بحدود الواقع. وهو ما نعرف طبعاً أن توماس مور قد دفع حياته ثمناً له، إذ أعدمه الملك المزواج هنري الثامن ولو تحت حجة معارضته دينياً حين اصطدم هنري هذا بالكنيسة الباباوية، التي رفضت أن تجاريه يوم قرر الانشقاق عنها للاقتران بواحدة من زوجاته، آن بولين، لكن هذه حكاية أخرى بالطبع.

المزيد عن: النهضة الأوروبية جمهورية أفلاطون الفرنسي ميشال مونتاني توماس مور إيراسموس

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00