إيراسموس بريشة هانز هولباين (الموسوعة البريطانية) ثقافة و فنون النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: إيراسموس يمدح الجنون (1) by admin 4 مايو، 2026 written by admin 4 مايو، 2026 15 سخرية لامعة في كتاب المفكر الهولندي تعري اختلالات المجتمع والكنيسة وراء قناع الإنسان الضاحك اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب صحيح أن المفكرين الثلاثة الذين نركز عليهم حديثنا في هذا المقال والمقالين التاليين تباعاً، لم يكونوا لا مبتدعي الفكر النهضوي في أوروبا، ولا الوحيدين الذين خاضوا غماره بانين للإنسانية جمعاء فكراً إنسانياً ربط الفكر المعاصر لهم، وعلى وجه الخصوص، بالتنوير الفلسفي، وغير الفلسفي الإغريقي، غير أنهم، وكل على طريقته وفي بلده، غاصوا في نوع من فكرانية إنسانية سرعان ما تبيّن كونها حاجة ماسة لوجود الإنسان في هذا الكون. ولعل اللافت إلى أنهم، حتى وإن كانوا معاً قد أضافوا الفكر اللاتيني إلى التراث الإغريقي الذي نهلوا منه، لم يكن أي منهم إيطالياً بل انتمى الثلاثة إلى بلدان تبعد أو تدنو من إيطاليا جغرافياً وفكرياً، بل تنهل حتى من مجمل تراثاتها الإبداعية. ونتحدث هنا تباعاً، عن إيراسموس الهولندي وتوماس مور الإنجليزي، وبالتأكيد عن مونتاني الفرنسي، الذين، ومن بين القواسم المشتركة بينهم، كان هناك غوص كل منهم في العمل السياسي والاجتماعي ذات حقبة من حياته، وربما أيضاً طوال تلك الحياة، فدفعوا ثمناً باهظاً للكلمة الحرة والتنوير والاختيار الحرّ كما يحدث لأشباههم في البلدان كافة والأزمان كافة، إذ يجابهون قوى الظلمة والشر والجهل، عراة من أي سلاح سوى فكرهم الحرّ النير. ونبدأ هنا بأستاذهم جميعاً وصديقهم ومزامنهم إيراسموس على أن نعود إلى توماس مور ومونتاني غداً وبعد غد. طبعة قديمة من “مديح الجنون” (أمازون) بحثاً عن جنون خلاق على رغم أن إيراسموس قد ترك العديد من المؤلفات الفلسفية والتربوية من ناحية في محاججاته ضد مارتن لوثر، ومن ناحية ثانية في طرحه للقضايا التربوية من منطلقات تبدو لنا حتى اليوم شديدة الحداثة ومغرقة في أبعاد إنسانية لا تزال تسعى إلى الدنو منها بعض مجتمعات زماننا الأكثر إنسانية، فإن كتابه الأشهر والأكثر غرابة يبقى “مديح الجنون” الذي لا نملّ أبداً من الدنو منه والعودة إليه لنكتشف فيه، في كل مرة، جديداً ولا سيما في طابعه الإنساني المدهش، مع أن الكتاب صدر منذ أكثر من نصف ألفية، وبالتحديد عام 1509 ليعتبر، منذ صدوره، واحداً من أبرز النصوص التي تكشف روح الفكر الإنساني في عصر النهضة “لا بوصفه بياناً فلسفياً مباشراً، بل عبر سخرية لامعة تتخفى خلف قناع الجنون”. وهنا في الحقيقة تكمن عبقرية هذا العمل إذ يجعل مؤلفه من الجنون متكلماً راوياً يمدح نفسه بينما نراه يعرّي في حقيقته اختلالات المجتمع والكنيسة، وحتى الفكر المدرسي السائد. ونحن كي نفهم هذا الكتاب يتعيّن علينا أن نضعه في سياق النزعة الإنسانية، أي تلك الحركة التي سعت إلى إعادة الاعتبار للإنسان ولعقله ولقدرته على الفهم النقدي بعيداً من الجمود اللاهوتي الذي هيمن على القرون الوسطى. صحيح أن إيراسموس لم يكن ثورياً متمرداً بالمعنى الراديكالي، بل كان إصلاحياً يؤمن بأن العودة إلى النصوص الأصلية (الكتاب المقدس والكلاسيكيات بالتحديد) يمكن أن تعيد التوازن إلى الفكر الأوروبي، غير أن هذا الكتاب بالذات، يكشف جانباً آخر من مشروع صاحبه: استخدام السخرية كأداة نقدية. الجوهر الروحي في كتابه هذا، إذاً، يهاجم إيراسموس عبر الجنون المتكلم، رجال الدين الذي انشغلوا بالمظاهر والطقوس الجوفاء بدل الجوهر الروحي، كذلك يسخر من الفلاسفة المدرسيين الغارقين في جدالات عقيمة، لكنه لا يقف عند حدود النقد الخارجي، بل يمتد ليشمل الطبيعة البشرية نفسها، إذ يظهر أن قدراً من “الجنون” ضروري للحياة، للحب وللإبداع. وتتجلى ها هنا بالذات، مفارقة أساسية: إن ما يدان ظاهرياً، أي الجنون نفسه، يضحي من منظور فلسفة إيراسموس شرطاً إنسانياً للوجود. وترتبط هذه الفكرة جوهرياً بالفكر الإنساني الذي لم يسع إلى تمجيد العقل بوصفه أداة صلبة مطلقة، بل إلى فهم الإنسان في تعقيداته وتناقضاته، فإيراسموس في هذا السياق لا يهدم العقل، بل يحرره من ادعاء الكمال، إنه يذكر بأن الإنسان كائن محدود وإن الحكمة الحقيقية قد تكمن في الاعتراف بهذه الحقيقة. والكتاب يمثّل على أية حال تحولاً في أسلوب الخطاب الفكري، إذ بدل اللغة المدرسية الثقيلة، يعتمد إيراسموس أسلوباً أدبياً مرناً مليئاً بالإحالات إلى التراث الكلاسيكي من شيشرون إلى لوتشيانوس. اقرأ المزيد بين باريس كما رآها الطهطاوي و”اليوتوبيا” كما وصفها توماس مور “مقالات” مونتاني: من عزلة التفكير إلى رحابة الفكر مارتن لوثر كينغ “لديه حلم”… تحقق هؤلاء هم معلمو النهضوي الفرنسي مونتاني المخفيون ومن الواضح أن المزج هنا بين الأدب والفلسفة يعكس واحداً من أهم مبادئ النزعة الإنسانية، وفحواه أن المعرفة لا تنفصل عن البلاغة وأن الفكرة لا تكتمل إلا في شكلها الجمالي. وهذا ما يقودنا هنا إلى توماس مور الذي كان من أول قراء إيراسموس وسنتحرى أمره في المقال التالي، ومن مور إلى مونتاني ثالث هذا الثلاثي الإنساني والذي اشتغل، بدوره، على ذلك المزج الإنساني الخلاق بين الأدب والفلسفة، كما سنوضح في الحلقة التالية لحلقة توماس مور. التهيئة للإصلاح الديني، وفي انتظار ذلك، لا بدّ من أن نختم حديثنا هنا عن إيراسموس بالتأكيد على أن “مديح الجنون” قد أسهم في تهيئة المناخ الفكري الذي سبق الإصلاح الديني من دون أن يبدو كدعوة مباشرة إليه، فهو اكتفى بإبراز التناقض بين المثال المسيحي البسيط وبين ممارسات المؤسسة الكنسية، ما جعل القارئ أكثر استعداداً لتقبل النقد. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن إيراسموس ظل حريصاً على التوازن، رافضاً القطيعة العميقة مؤمناً بالإصلاح من الداخل. وفي هذا السياق يمكننا أن نقول إن أهمية “مديح الجنون” تكمن خاصة في كونه نصاً مزدوج الوجه: فهو من ناحية عمل ساخر ممتع، وهو نقد معمق للفكر والمجتمع من ناحية ثانية، ومن خلال هذا التوتر بين اللعب والجد، بين الجنون والحكمة، عبّر إيراسموس عن جوهر النزعة الإنسانية: البحث عن الحقيقة لا عبر اليقين المطلق، بل عبر الشك والسخرية والانفتاح على هشاشة الإنسان، وكأننا نستبق هنا الحديث عن توماس مور ثم عن مونتاني تباعاً. المزيد عن: إيراسموس توماس مور مونتاني مديح الجنون مارتن لوثر 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إسرائيل تنشر نظاماً جديداً للتصدي للمسيّرات في جنوب لبنان next post “حزب الله” يتكبد ثمنا باهظا في معركة لقلب الموازين You may also like 35 عاما على رحيله… محمد عبد الوهاب والتطوير... 4 مايو، 2026 مرصد كتب “المجلة”… جولة على أحدث إصدارات دور... 4 مايو، 2026 هاني شاكر… الغناء العربي يفقد أميره 3 مايو، 2026 النهضة لقاء درامي بين العرب وأوروبا والحداثة “ملغومة” 3 مايو، 2026 هل كانت آفا غاردنر “حديقة سرية” لإرنست همنغواي؟ 3 مايو، 2026 صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح» 3 مايو، 2026 بانكسي يعود بتمثال “رجل يسقط” ومجلس وستمنستر يرحب 3 مايو، 2026 عندما يجعل الفيلسوف من سيرته الذاتية مختبر أفكار... 2 مايو، 2026 الاحتجاجات تلاحق تشارليز ثيرون بعد فيلمها الجديد “Apex” 2 مايو، 2026 صوفيا كوبولا تفتتح مهنتها بانتحار الصبايا 2 مايو، 2026