بأقلامهم حازم صاغية يكتب عن: هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟ by admin 7 يونيو، 2026 written by admin 7 يونيو، 2026 13 نشرت غاياتري سبيفاك، في الثمانينات، دراسةً أحدثت من الاهتمام والضجيج ما جعلها من الأدبيّات المعروفة بـ«الدراسات ما بعد الاستعماريّة». فالكاتبة، ذاتُ الأصول الهنديّة، تساءلت عمَّا إذا كانَ في وسع المُستَبعدين الأضعف والأشدّ تهميشاً أن يُسمعوا أصواتهم، وأن يُعترف بأصواتهم كشيء ذي مغزى ضمن أنظمة المعرفة والسلطة. الشرق الاوسط / حازم صاغية مثقف وكاتب لبناني؛ بدأ الكتابة الصحافية عام 1974 في جريدة «السفير»، ثم، منذ 1989، في جريدة «الحياة»، ومنذ أواسط 2019 يكتب في «الشرق الأوسط». في هذه الغضون كتب لبعض الصحف والمواقع الإلكترونية، كما أصدر عدداً من الكتب التي تدور حول السياسة والثقافة السياسية في لبنان والمشرق العربي. درجَ مؤخّراً استخدامُ تعبير «النَّكبة» في وصفِ ما حلّ بجنوبِ لبنانَ ولا يزال يحلّ. والراهنُ أنَّ التَّشبيهَ بالمأساة التي تعرّضت لها فلسطينُ في 1948 قد لا يكونُ مبالَغاً فيه، ليس بردّ المأساتين إلى عواملَ طبيعيّة، وهذا خطأ في الحالتين، بل لتوكيدِ الشَّبه الذي يجمعُ نتائجَهما بأفعالِ الطَّبيعة المدمّرة. لكنَّ الافتراقَ الكبيرَ إنّما يطال ردّ الفعل على كلّ من النكبتين. فالأولى أحدثت عصفاً مهولاً في المجتمعات العربيّة، لا سيّما مجتمعاتِ المشرق، استثمرتْه الجيوشُ انقلاباتٍٍ عسكريّة، واستثمرته الأحزابُ الراديكاليّة استقطاباً لمحازبين ومؤيّدين، كما صدرتْ حولَها كتبٌ وكتاباتٌ باتت تشكّل جزءاً معتبراً من المكتبة العربيّة. أمَّا النَّكبةُ الحاليّة فتحصل في ظروفٍ بالغةِ الاختلاف في نطاقها العربيّ الأعرض. ذاك أنَّ التحوّلاتِ الضخمة، التي عرفتها مجتمعاتُ المنطقة، على مدى عقود، بسلبيّها وإيجابيّها، أحدثت تغيّرات هائلة في خرائطِها الاجتماعيّة، وفي طموحاتِها واستعداداتها. لكنّ الفارق الآخر، الذي يعنينا هنا، أنَّ الصَّخبَ الذي أطلقته النَّكبةُ الأولى في البلدان التي هبطت عليها أخلى مكانَه لصمتٍ يُفرض على النَّكبة الثانية في بلدها لبنان. فأصحابُ المعاناة المباشرون، المعارضون للحرب، يصعبُ عليهم أن يتكلّموا عنها بما يشوّش على الزجليّات التي تصوّرها ملحمةَ انتصار. والصمتُ المفروض هذا شهد اختباره الأخير مع «اتّفاق واشنطن» الذي أملاه انهيارٌ مطلق في توازن القوى، موفّراً احتمال أمل غير مضمون بتوقّف الموت ومغادرة الحرب. بيد أنَّ المقاتلَ يرفض أن يُسمع صوت المقتول، وإن كانَ الموضوع المعنيّ يطال حياتَه وموتَه وأملاكَه وتاريخَه الحميم. وقبل أيّام، ظهر «نداءان» أصدرهما وجوهٌ من مدينتي صور والنبطيّة، أبدوا فيهما رغبتَهم في إخراج المدينتين المنكوبتين من الحرب المدمّرة والمفروضة. وهم، بطبيعة الحال، لم يجبروا أحداً، وليس في وسعهم ذلك، على توقيع «النداءين». إلاَّ أنَّ الموقّعين استفادوا من تراجع قدرة «الحزب» على قتل معارضيه بفعل انشغاله بالحرب، ما وفّر للحرّيّات مناخاً أقلَّ رعونة ممّا عرفته مراحلُ سابقة. على أيّة حال هطلَ التشهيرُ والتخوينُ على الموقّعين الذين نُزع عنهم انتماؤهم إلى طائفتهم ومنطقتهم. وجاء السلوك هذا تعبيراً آخر عن نهج الواحديّة الحصريّة في الجنوب اللبنانيّ الذي عُرف، قبل صعود الإسلام السياسيّ المسلّح، بتعدّديّة لم تبلغها أيّة منطقة لبنانيّة. فولاءات السكّان هناك سبق لها أن توزّعت بين أربعة أو خمسة مواقع أهليّة، فضلاً عن أحزاب عقائديّة حديثة، بالقوميّ منها والطبقيّ. والحال أنَّ الأحزابَ والحركاتِ السياسيّة تلجأ إلى تلك الوسائل حين لا تعود أحزاباً وحركات، لتعادل نفسها حصريّاً بـ«الشعب» أو «الأمّة» أو «الثورة» أو «الطبقة» أو «المقاومة». حينذاك، وقياساً بـ«شرعيّة» يدّعيها «التنظيم» لنفسه، وهو قد يكون يمينيّاً أو يساريّاً، دينيّاً أو علمانيّاً، يصبح كلُّ صوت مخالف لرأيه ممنوعاً من الكلام. وهذا ما يُبديه تاريخ يمتدّ منذ نوادي اليعاقبة إبَّان الثورةِ الفرنسيّة، إلى الحزب البلشفيّ قبل ترسيخ دولتِه، ومن الأحزاب الفاشيّة والنازيّة في طريقها إلى السلطة، إلى «جبهة التحرير الجزائريّة»، والمجموعات التي التفّت حول الخمينيّة إبّان تظاهرات 1978. لقد نشرت غاياتري سبيفاك، في الثمانينات، دراسةً أحدثت من الاهتمام والضجيج ما جعلها من الأدبيّات المعروفة بـ«الدراسات ما بعد الاستعماريّة». فالكاتبة، ذاتُ الأصول الهنديّة، تساءلت عمَّا إذا كانَ في وسع المُستَبعدين الأضعف والأشدّ تهميشاً أن يُسمعوا أصواتهم، وأن يُعترف بأصواتهم كشيء ذي مغزى ضمن أنظمة المعرفة والسلطة. فهم إذا تحدّثوا تولَّتِ المؤسّساتُ المسيطرةُ تحريفَ قولِهم أو تحويرَه أو تجاهلَه. ولا ينجو المثقّفون والباحثون من اتّهام سبيفاك، إذ أنَّهم، باسم الدفاع عن التابعين والمضطهَدين، يصادرون تمثيلهم، ويتحدَّثون نيابة عنهم من خلال التأويل والترجمة والانتقاء. وإذ تتناول أحوال النساء وتقليد «الساتي» الهنديّ، أي حرق الأرامل بعد وفاة أزواجهنّ، تستخلص، في عبارة باتت ذائعة، أنَّ «الرّجالَ البيضَ ينقذون النساءَ السمراوات من الرّجال السمر» فحسب. وهكذا تتحكّم أنظمة السلطة في هذه العمليّة، من خلال الاستعمار والتمثيل والصوت والأرشيف والسلطة الفكريّة… وكانَ أن خضعت تلك النظريّةُ لانتقاداتٍ عدّة ليس هنا مجال استعراضها. بيد أنَّ النصَّ المذكور، شأن الأدبيّات ما بعد الاستعماريّة عموماً، لا تتوقّف عند عمليّات خنق الصوت وتشويهه حين تصدر عن قوى مناهضة للاستعمار، أو موصوفة هكذا. وقد عانى العراقيّون إبَّان عهدِ صدّام، والسوريّون إبّان عهدِ الأسد، وشعوبٌ أخرى خارج المشرق، ذاكَ المنع من الكلام تفرضه أنظمةٌ مُدرَجة في خانة العداء للاستعمار. وهذا ما دفع المتتلمذين على «ما بعد الاستعمار» لأن يصمتوا عن خنق أولئك المخنوقين مع أنَّه يجاور الموت أكثر كثيراً من أشكال الخنق الأخرى. ذاك أنَّ ما يصدر عن أميركا وإسرائيلَ هو وحده الذي يستحقّ الشَّجبَ والإدانة، أمَّا ما يصدر عن خصومهما فيستحقّ إدانة الضحايا. وهكذا نجدُ اليومَ اللبنانيَّ الجنوبيَّ، الذي يقدّمه «حزبُ الله» لقمةً سائغةً للتوحّش الإسرائيليّ، ممنوعاً من أن يتكلّم، وحين يفعلُ يُعاقَب بالقتل المعنويّ اتّهاماً وتشهيراً، دون استبعاد مَا هو أكثر. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الجزيرة تدخل حارة المسيحيين في صور.. تاريخ يرفض الإنذار الإسرائيلي ويتمسك بالحياة next post راديو كندا الدولي : بدء إرسال الدفعة التكميلية لـ’’الإعانة الكندية للبقالة‘‘ You may also like عباس بيضون – الصفحة الشعريّة: ( صور2) _الحياة... 7 يونيو، 2026 ساطع نورالدين يكتب عن: الانقلاب الإيراني الفاشل..على لبنان... 7 يونيو، 2026 رضوان السيد يكتب عن: الاستنزاف الذي لا ينتهي! 5 يونيو، 2026 هنري زغيب يكتب في “الملف الاستراتيجي عن: شو... 5 يونيو، 2026 مايكل بوستامانتي – ريكاردو هيريرو: خيار كوبا الوحيد 4 يونيو، 2026 Syria’s Protest Wave: A Governance Stress Test.. by... 4 يونيو، 2026 Countering Iran’s Latest “Smart Control” Gambit in the... 3 يونيو، 2026 حنين غدار تكتب عن ما وراء نزع السلاح: ... 3 يونيو، 2026 زياد ماجد يكتب عن سمير قصير: ثأرٌ يشبه... 3 يونيو، 2026 حازم صاغية يكتب عن: أضاليل إسرائيل والأضاليل عنها 1 يونيو، 2026