لقطة من العمل (موقع المهرجان) ثقافة و فنون “كوكوروجو”… يعيد كتابة أسطورة الساموراي by admin 23 مايو، 2026 written by admin 23 مايو، 2026 20 فيلم للياباني كيوشي كوروساوا مقتبس عن رواية تاريخية للكاتب هونوبو يونيزاوا اندبندنت عربية/ ليلى عمار صحافية وناقدة سينمائية في واحدة من مفاجآت الدورة الحالية من مهرجان “كان” السينمائي الـ 79، عاد المخرج الياباني كيوشي كوروساوا بفيلم يبتعد ظاهرياً من عالمه المعتاد، لكنه يبقى وفياً له في العمق. ففي “كوكوروجو” يخوض صاحب أفلام الرعب النفسي والتشويق أول تجربة له في سينما الساموراي التاريخية، مستبدلاً الصخب الدموي المعتاد لهذا النوع بحكاية مشبعة بالحوار والقلق والأسئلة الأخلاقية، والنتيجة فيلم يبدو في كثير من مشاهده أقرب إلى تأمل فلسفي في السلطة والحرية والخيانة، منه إلى ملحمة قتالية تقليدية. الفيلم المقتبس عن رواية تاريخية للكاتب هونوبو يونيزاوا، عُرض للمرة الأولى في قسم “خارج المسابقة”، إذ استُقبل بحفاوة لافتة داخل مسرح “ديبوسي”، ووقف الحضور لتحية المخرج وطاقم العمل قبل بدء العرض، ولم يكن الاهتمام بالفيلم نابعاً فقط من اسم كوروساوا، أحد أبرز وجوه السينما اليابانية المعاصرة، بل أيضاً من طبيعة المشروع نفسه، إذ يقترب من واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الياباني، الجنرال أراكي موراشيغه، الذي تحول عبر القرون إلى رمز للخيانة في الذاكرة الشعبية اليابانية. القصة تدور أحداث الفيلم خلال حقبة “سينغوكو” الممتدة بين القرنين الـ 15 والـ 16، وهي من أكثر الفترات دموية واضطراباً في التاريخ الياباني، حين كانت البلاد غارقة في حروب أهلية وصراعات مستمرة بين أمراء الحرب، وفي هذا العالم القائم على العنف والطاعة المطلقة، يتمرد اللورد موراشيغه أراكي على الحاكم القوي نوبوناغا أودا، قبل أن يجد نفسه محاصراً داخل أسوار قلعته، معزولاً عن العالم، ومحاطاً بشبكة معقدة من الشكوك والمؤامرات. لكن الحصار العسكري ليس الخطر الوحيد الذي يواجهه، ففي الداخل تبدأ سلسلة جرائم غامضة تهز أركان البلاط، وتدفع الجميع إلى الارتياب من بعضهم بعضاً، وبينما تتصاعد حال الخوف والانهيار النفسي داخل القلعة، يحاول موراشيغه فهم ما يجري وحماية شعبه، والحفاظ على ما بقي من النظام، من دون التخلي عن قناعاته الشخصية التي باتت تتصادم مع قيم عصره. منذ اللحظة الأولى يوضح كوروساوا أن هدفه لم يكن تقديم فيلم “ساموراي” بالمعنى التقليدي المعروف، بل إعادة التفكير في هذا النوع السينمائي من الداخل، وفي حديث إلى “اندبندنت عربية”، يقول المخرج “لم أشعر من قبل بمثل هذه المسؤولية الكبيرة تجاه صناعة فيلم ساموراي بصفتي مخرجاً يابانياً، فكثيراً ما أردت خوض هذه التجربة، لكن ما جذبني لم يكن القتال أو المبارزات، بل فكرة صناعة فيلم ساموراي يقوم على الحوار، وعندما نفكر في هذا النوع نتخيل فوراً السيوف والمعارك، لكنني أردت شيئاً أكثر هدوءاً وتأملاً”. ويضيف “بسبب طبيعة شخصية موراشيغه والمراحل النفسية التي يمر بها، فإن معظم الأحداث تجري داخل القلعة، وتعتمد على التوتر الداخلي والكلام أكثر من الحركة، ولذلك عدت لتاريخ السينما اليابانية أبحث عن أفلام ساموراي قائمة على الحوارات، فاكتشفت أن هذا النوع نادر جداً، وهذا ما منحني شعوراً بالحرية أثناء العمل”. انعكاس من يعرف أفلام كوروساوا السابقة يدرك سريعاً أن اهتمامه الحقيقي لم يكن يوماً بالعنف بحد ذاته، بل بما يتركه داخل النفس البشرية، ففي أعمال مثل Cure وCreepy وCloud وDaguerrotype كان الرعب ينبع دائماً من الداخل، من القلق والاغتراب والتصدعات النفسية، وفي “كوكوروجو” ينقل هذه المقاربة إلى زمن الساموراي، ليصنع فيلماً يبدو فيه الحصار النفسي أشد وطأة من الحصار العسكري نفسه. خلال عرض الفيلم (اندبندنت عربية) وعلى رغم أن الفيلم يُعد أضخم إنتاج في مسيرته من حيث الموازنة، فإن كوروساوا يؤكد أن طريقته في العمل لم تتغير كثيراً، ويوضح “صحيح أن الموازنة كانت أكبر من أي شيء عملت عليه سابقاً، وكان ذلك ضرورياً لإعادة بناء القلاع وتصميم الأزياء وخلق عالم تاريخي مقنع، لكن في ما يتعلق بطريقة التصوير نفسها لم يختلف الأمر كثيراً، فقد صورنا الفيلم خلال 45 يوماً تقريباً، وهو الوقت نفسه الذي أخصصه عادة لأفلامي الأخرى، وستة أسابيع كافية بالنسبة إلي، ولو مُنحت وقتاً أطول لما عرفت كيف أستفيد منه”. وعلى رغم أن هذه التجربة بدت غير مألوفة بالنسبة إلى كوروساوا فإن الفيلم يحتفظ بأبرز ما يميز أسلوبه: الغوص في أعماق الشخصيات ووضع اضطراباتها الداخلية في الواجهة، فشخصيات كوروساوا ليست واضحة أو مسطحة أو ملساء، بل مليئة بالتناقضات والخشونة والشكوك، وتنبع قوتها من أنها لا تستسلم أبداً، بل تواصل طريقها مهما بدا محفوفاً بالأخطار ومهما كانت النتيجة. وقد يرى بعضهم في ذلك انعكاساً لفلسفة المخرج نفسه، إذ يعترف بأنه لا يعرف حقاً ماذا سيفعل بعد انتهاء أي مشروع، سوى أنه يريد دائماً خوض تجربة جديدة لم يسبق له القيام بها، فهو فنان يحب تحدي أدواته وأسئلته الخاصة، والأمر نفسه ينطبق على شخصية موراشيغه. اقرأ المزيد أصغر فرهادي يحاول إدخال البطة في القنينة في مهرجان كان بطلا جيمس غراي يفقدان الحلم الأميركي في مهرجان كان مهرجان كان ينطلق مثقلاً بأسئلة الحروب ومستقبل السينما غير أن الجانب الأكثر إثارة في الفيلم لا يكمن في إنتاجه أو تصميمه البصري، بل في الطريقة التي يعيد بها قراءة شخصية موراشيغه نفسها، ففي التاريخ الياباني غالباً ما يُقدم الرجل باعتباره خائناً هرب من الحرب وترك قلعته وعشيرته خلفه، لكن كوروساوا يرفض هذه القراءة المبسطة، ويحاول البحث عن الدافع الإنساني المختبئ خلف القرار، ويقول “نعلم جميعاً أن موراشيغه كان شخصية حقيقية، وأنه تعرض للخيانة من قبل أودا، وفي خضم الحرب قرر أن يترك قلعته وعشيرته، ولهذا صُور في التاريخ كشخصية شريرة، لكن السؤال الذي أثار اهتمامي هو: لماذا فعل ذلك؟”. ويضيف “لقد عاش في عصر كانت فيه قيم الساموراي والطاعة والحرب واضحة وصارمة للغاية، وعندما اقتبست ‘رواية يونيزاوا’ حاولت التعمق في احتمال أن يكون قد شعر بالاختناق داخل هذا العالم، وأنه لم يعد يريد أن يكون جزءاً منه، وربما أراد الهرب من مجتمع تحكمه قوانين العنف والطاعة المطلقة، حتى لو أدى ذلك إلى اعتباره خائناً، فأنا معجب به بطريقة ما لأنه امتلك شجاعة المغادرة”. ومن هنا يتحول “كوكوروجو” تدريجياً من فيلم غموض تاريخي إلى تأمل وجودي في معنى الحرية، فموراشيغه لا يحاول فقط كشف القاتل داخل القلعة، بل يحاول أيضاً الدفاع عن حقه في رفض القيم التي بُني عليها عصره، ولهذا السبب يبدو غريباً حتى بالنسبة إلى رجاله، فبعضهم يراه ضعيفاً لأنه لا يؤمن بالعنف، وبعضهم يراه منحرفاً عن تقاليد الساموراي، بينما يعتبره آخرون ببساطة قائداً غير صالح للحكم. وعلى رغم أن الرعب ظل عنصراً أساساً في معظم أعمال كوروساوا فإن الغموض يحتل هذه المرة مركز الصدارة، لكنه غموض من نوع مختلف، لا يعتمد على المفاجآت السردية أو الصدمات، بل على كشف الطبقات النفسية للشخصيات، ويوضح المخرج الياباني أن “أفلام التشويق تهتم عادة بسؤال ماذا سيحدث لاحقاً؟ أما أفلام الغموض فتركز على ما حدث في الماضي، وفي هذا الفيلم فاللغز الحقيقي ليس الجرائم فقط، بل لماذا غادر موراشيغه القلعة أساساً؟ ولهذا رفضت استخدام مشاهد الاسترجاع لأنني أردت أن تنكشف الحقيقة تدريجياً من خلال تطور الشخصية نفسها”. ويمنح الفيلم مساحة مهمة أيضاً لشخصية تشيوهو، زوجة موراشيغه، التي تظهر بوصفها صوتاً أكثر هدوءاً وإنسانية وسط عالم ينهار تحت وطأة العنف، ومن خلال حواراتها مع زوجها تتضح الهوة بين قيم السلطة العسكرية وحاجات الناس العاديين الذين يبحثون ببساطة عن الأمان والأمل والحرية، ولا يبدو هذا التركيز على الحرية معزولاً عن مواقف كوروساوا الشخصية. وفي هذا السياق يصعب تجاهل البعد السياسي الضمني للفيلم، بخاصة أن بطله رجل يحاول إنهاء الصراع من دون اللجوء إلى القتل، ويسعى إلى تحرير شعبه من إرث طويل من العنف والتقاليد القاسية، ويوضح كوروساوا “في ظل الوضع السياسي الحالي تصعب معرفة مدى تأثير أي فيلم، وخصوصاً الفيلم الياباني، الذي لا أعتقد أنه يمتلك تأثيراً كبيراً في العالم اليوم، لكن ما أشعر به تجاه المجتمع ينعكس دائماً في أعمالي، سواء قصدت ذلك أم لا، فهناك دائماً رابط بين ما نعيشه وما نصنعه”، مضيفاً “أشعر بمسؤولية كبيرة تجاه ما أقدمه للجمهور، وربما تبدو هذه الكلمات مثالية أو غير واقعية، لكنني آمل حقاً أن تختفي كل أهوال هذا العالم يوماً ما”. أما مستقبل كوروساوا نفسه فيبقى مفتوحاً على الاحتمالات، فالمخرج اعترف بأنه لا يعرف بعد ما سيكون مشروعه المقبل، لكنه أشار مازحاً إلى أنه لم يصنع فيلماً موسيقياً من قبل، وهو ما قد يكون تلميحاً إلى مغامرته المقبلة، إذا قرر الاستمرار في كسر التوقعات وإعادة اكتشاف نفسه مع كل فيلم جديد. المزيد عن: مهرجان كان إخراج كيوشي كوروساوا اليابان الساموراي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مخرج وابنته الممثلة يصوران حياتهما المضطربة في “كان” next post الجسد عندما يقترح طريقة أخرى للتفكير في الزمن You may also like شراسة ما بعد الحرب في إيران تخيف السينمائيين 23 مايو، 2026 الجسد عندما يقترح طريقة أخرى للتفكير في الزمن 23 مايو، 2026 مخرج وابنته الممثلة يصوران حياتهما المضطربة في “كان” 23 مايو، 2026 الفرنسي برنانوس يحاور الموت مع راهبة تحت المقصلة 23 مايو، 2026 عبده وازن يكتب عن: كتاب “تفسير الأحلام” ليس... 21 مايو، 2026 التنوير الفائق أو كيف يستخدم الإنسان فكره بحكمة 21 مايو، 2026 زفياغينتسف الذي أنهكه “كورونا” يعود بقوة إلى كان 21 مايو، 2026 مونتسكيو يسخر من أحوال بلاده بـ”رسائل فارسية” 21 مايو، 2026 “فيورد” يكشف طغيان الأيديولوجيا على الطفولة في كان 21 مايو، 2026 “الاستشراف الأدبي” أو حين يسبق الخيال الواقع بأشواط 21 مايو، 2026