من مسرخحية _جاكراندا_ التونسية (خدمة الفرقة) ثقافة و فنون “جاكراندا” مسرحية تونسية تجريبية عن صعود حلم وسقوطه by admin 12 يونيو، 2026 written by admin 12 يونيو، 2026 12 شخصيات مأزومة في مركز هاتفي تبحث عن مصائرها اندبندنت عربية / محمد عربي كاتب تونسي منذ الدقائق الأولى لا يقدم العرض حكاية تقليدية ذات بداية ونهاية واضحتين، بل يفتح مساحة للتأمل في مصائر شخصيات وجدت نفسها عالقة بين ما حلمت به يوماً، وما آلت إليه حياتها فعلاً. ومن خلال فضاء يبدو للوهلة الأولى عادياً، هو مركز للاتصالات، تنجح المسرحية في بناء استعارة واسعة عن الانتظار والخيبة والبحث المضني عن معنى جديد للحياة في زمن فقد كثيراً من يقينياته القديمة. جغرافيا الانتظار ثمة مفارقة لافتة في اختيار مركز للاتصالات ليكون الفضاء الرئيس للأحداث، فالمكان الذي يفترض أن يكون رمزاً للتواصل يتحول في “جاكراندا” إلى فضاء كثيف للعزلة. شخصيات تتحدث طوال الوقت، لكنها تبدو عاجزة عن قول ما يعتمل في داخلها، تسمع أصوات الآخرين باستمرار لكنها لا تعثر على الصوت الذي تبحث عنه في أعماقها. ولا يتعلق الأمر هنا بمكان عمل فحسب، بل بصورة مصغرة عن عالم كامل، فمراكز النداء التي انتشرت خلال العقود الأخيرة في كثير من البلدان أصبحت أحد أبرز رموز الاقتصاد المعولم، حيث يعمل آلاف الشباب على خدمة مدن بعيدة وأسواق لا يعرفونها، فيما تتآكل أحلامهم الشخصية بصمت، ومن هذا الواقع اليومي البسيط يستخرج العرض مادته الدرامية، ليحول الوظيفة إلى قدر، والمكتب إلى غرفة انتظار كبيرة. التجريب المشهدي في المسرحية (خدمة الفرقة) في هذا السياق لا يبدو اختيار اسم “تانيت” لمركز النداء تفصيلاً محايداً، فـ”تانيت” ليست مجرد تسمية حديثة لمؤسسة عابرة، بل اسم يتردد في الذاكرة التونسية بوصفه امتداداً لإلهة قرطاج القديمة، رمز الخصوبة والحياة في المخيال الحضاري للمدينة. وبين “تانيت” الأسطورية و”تانيت” المعاصرة مسافة زمنية شاسعة، لكنها في المسرحية تبدو كأنها طويت داخل لحظة واحدة: اسم قديم يطل من قلب اقتصاد حديث شديد العولمة، وكأن الذاكرة القرطاجية تعود بصورة خافتة داخل فضاء لا يعترف بالذاكرة أصلاً. وجوه عدة لحكاية واحدة في هذا الفضاء المغلق لا تبنى الشخصيات كأفراد معزولين بقدر ما تتشكل ككتلة إنسانية واحدة تتحرك داخل القلق نفسه، وقد اختار المخرج نزار السعيدي أن يمنح هذا العالم المتشظي جسداً جماعياً من خلال أداء مجموعة من الممثلين هم حمودة بن حسين، وأصالة كواص، وأنيس كمون، وثواب العيدودي، وحلمي الخليفي، ومحمد عرفات القيزاني، وحسناء غنام. لم يراهن العرض على بطولة فردية بقدر ما راهن على نسيج تمثيلي جماعي، بحيث تبدو الشخصيات كأنها وجوه عدة لحكاية واحدة، أو أصوات مختلفة لارتباك وجودي مشترك، حتى وإن اختلفت تفاصيل المصائر. في هذا الفضاء المغلق تتحول الشخصيات إلى كائنات معلقة بين زمنين، هناك ماضٍ ما زال يطل من حين إلى آخر عبر الذكريات والرغبات المؤجلة، وهناك مستقبل لا يبدو واضح المعالم، وبينهما يمتد حاضر طويل يشبه طابوراً لا ينتهي، لذلك لا تبدو المسرحية معنية بسرد وقائع بقدر ما تبدو منشغلة بتشريح حال نفسية وجماعية في آن. اقرأ المزيد الابنة تنتحر بمسدس الأب في مسرحية “عمت مساء يا أمي” “في الداخل” مسرحية تستلهم سيرة كاتبة أميركية منتحرة لقد التقط النص جانباً من المزاج العام الذي تعيشه فئات واسعة من الشباب التونسي والعربي، لا بوصفه خطاباً سياسياً مباشراً، بل باعتباره تجربة وجودية يومية، تجربة يشعر فيها الفرد أنه يتحرك باستمرار من دون أن يقترب فعلاً من الوجهة التي حلم بها. طرح الأسئلة في زمن تتكاثر فيه الإجابات الجاهزة يبدو المسرح في حاجة إلى استعادة منطقه الأول: تحويل الواقع إلى سؤال مفتوح، وهذا ما تفعله “جاكراندا” من دون ادعاء أو مباشرة. فهي لا تقدم خطاباً سياسياً، ولا تقترح خلاصات جاهزة، بل تدفع المتفرج إلى إعادة التفكير في موقعه داخل هذا العالم. ما معنى أن ننتظر طويلاً من دون أن نصل؟ كيف تتشكل حياتنا حين تصبح الحياة نفسها صورة من صور الانتظار؟ وهل يمكن إعادة بناء معنى جديد بعد تآكل المعاني القديمة؟ هذه الأسئلة لا تنبع من واقع اجتماعي مباشر بقدر ما تتولد من داخل بنية العرض نفسه، حيث يتحول مركز النداء إلى فضاء معلق بين الضجيج والصمت، وبين وفرة الاتصال واستحالة التواصل. في “جاكراندا” لا يبدو الإنسان مجرد موظف داخل آلة اقتصادية حديثة، بل كائناً عالقاً في شبكة من الأصوات التي لا تقوده إلى أي معنى نهائي. حتى الاسم “تانيت” بما يحمله من ظلال قرطاجية بعيدة يبدو كأنه يذكر بأن هذا الحاضر شديد الحداثة لا يزال مشدوداً إلى طبقات أقدم من الذاكرة، لكنها تظهر هنا بصورة باهتة ومتوارية. داخل هذا التوتر بين ما هو تقني وما هو أسطوري، بين ما هو يومي وما هو رمزي، تتشكل رؤية العرض: عالم يواصل إنتاج الحركة، لكنه يفقد تدريجاً القدرة على إنتاج الدلالة. في هذا السياق لم تأت “جاكراندا” فقط كعمل جمالي أو تجربة بحث مسرحي، بل أيضاً كعرض حظي باعتراف نقدي ومؤسساتي لافت، حيث توجت بـ”التانيت البرونزي” في أيام قرطاج المسرحية 2025، ومثلت تونس في مهرجان بغداد الدولي للمسرح، لتكرس حضورها ضمن أهم التجارب المسرحية التونسية الصاعدة، وتؤكد أن ما تطرحه من أسئلة لا ينتمي إلى لحظة عرض عابرة بل إلى مسار مسرحي يتشكل تدريجاً داخل المشهد العربي. المزيد عن: مسرحية تونسية التجريب مهرجان عروض مركز إتصالات شخصيات الحلم الخيبة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post سؤال لعين حير برليوز: لماذا فضل الفرنسيون “فاوست” غونو؟ next post علي عطا يكتب عن : الفلسفة المدنية الفرعونية سبقت رؤية نيتشه الميثولوجية You may also like علي عطا يكتب عن : الفلسفة المدنية الفرعونية... 12 يونيو، 2026 سؤال لعين حير برليوز: لماذا فضل الفرنسيون “فاوست”... 12 يونيو، 2026 “منديل” أنجيليكا لوبيس سجل النضالات النسوية 11 يونيو، 2026 شارع المتنبي في بغداد يفقد قراءه: الكتب تراكم... 11 يونيو، 2026 وصية جون هستون المستعارة من أهالي دبلن 11 يونيو، 2026 مرصد الأفلام من المجلة … عوالم الساحرة المستديرة... 11 يونيو، 2026 التين والزيتون في رؤية توماس مان 10 يونيو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: جدارية الأرض المثمرة… أموية... 10 يونيو، 2026 حين كان ديكارت على حافة الجنون 10 يونيو، 2026 أفلام مدوية… أو العنصر الغامض في وليمة الشهرة 10 يونيو، 2026