لوحة للرسامة آني كوردجيان (صفحة الرسامة - فيسبوك) ثقافة و فنون الجسد عندما يقترح طريقة أخرى للتفكير في الزمن by admin 23 مايو، 2026 written by admin 23 مايو، 2026 17 رؤية فلسفية حداثية توحد المقاربات الجمالية والفيزيقية والبيولوجية اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN الكتاب محطة فكرية بارزة في مسار الدراسات التاريخية المعاصرة، فهو يقدم حصيلة 50 عاماً من الأبحاث في تاريخ الجسد، ضمن مقاربة نظرية جديدة تعيد تنظيم النتائج التي توصل إليها المؤلف في سياق يربط بين تحولات الزمن وتصورات الجسد. ومن خلال تتبعه هذه التصورات أو التمثلات في الثقافة الغربية، منذ العصور القديمة والوسطى وصولاً إلى العصر الرقمي، فإنه يبين كيف غدا الجسد بنية مرجعية لفهم الزمن بما ينطوي عليه من استمرارية وتحول وهشاشة وصياغة للهوية الفردية، ساعياً إلى استكشاف القواعد المنطقية العميقة التي تحكم هذه التمثلات وتكفل تماسكها الداخلي عبر مختلف الحقب التاريخية. ينبني كتاب فيغاريللو على سؤال مركزي: بأي صور أدرك الإنسان جسده عبر العصور؟ الإجابة التي يقدمها لا تتخذ هيئة سرد تاريخي متدرج، وإنما تتموضع في إطار صيغة تحليل لتحولات متعاقبة في أنماط فهم الجسد، أو ما يصفه بـ”النماذج” التي صاغت طرائق التفكير فيه، مبيناً أن هذه النماذج لا تقتصر على كونها مجرد تصورات نظرية، بل تشكل أنساقاً شاملة تتسرب آثارها إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من طرق التغذية والتداوي إلى أنماط اللباس والحركة. إمرأة ممدة بريشة جولييت ريكامييه (متحف اللوفر) وقد استند الفيلسوف والمؤرخ في بحثه هذا إلى أرشيف هائل من الصور والمدونات الكلاسيكية مستعيناً في آن بالمعارف العلمية والتصورات الفلسفية والدينية، فضلاً عن الأعمال الأدبية والفنية، بغية استكشاف كيفية صياغة المجتمعات الغربية تصورها للجسد الإنساني. وقد أبرز تعاقب هذه النماذج عبر العصور، مظهراً كيف أن الجسد في الغرب قد تشكل تحت تأثير مبادئ فتحت أفقاً على طريقة غير مسبوقة في التفكير في الزمن كدينامية تمتد عبر المدى الطويل، يستمد منها الأفراد قوتهم، لكنها تنطوي في الوقت عينه على إمكان هشاشتهم. يحدد فيغاريللو أربعة نماذج كبرى تعاقبت على صور أو تمثلات الجسد في التاريخ الغربي، أولها النموذج “الخلطي”، الذي ساد منذ العصور القديمة حتى القرن الـ17. يقول فيغاريللو إن هذا النموذج بدأ مع الحضارة اليونانية والرومانية القديمة التي فهمت الجسد منذ أبقراط وجالينوس كنظام من السوائل الحيوية المعروفة باسم “المزاجات” أو “الأخلاط”، كالدم والصفراء والبلغم والسوداء، التي كان توازنها شرطاً للصحة العقلية والجسدية. وفي إطار هذا النموذج، يشرح المؤلف منطق ممارسات الفصد والحميات الغذائية واستخدام العطور التي سادت في هذه المرحلة من تاريخ أوروبا بهدف تنظيم تدفق هذه السوائل. تحول جذري أما النموذج الثاني فيمثل تحولاً جذرياً في مقاربة الجسد، الذي يطلق عليه فيغاريللو اسم “النموذج الليفي”. ينطلق الكاتب من معلومة تقول إن علماء التشريح في القرن الـ18 اكتشفوا أن الأنسجة والألياف الحية هي المكون الأساس للجسد، لذا فسروا المرض “كضعف” أو “ارتخاء” في هذه الألياف والأنسجة، لا سيما أن الأطباء صوروا الجسم آنذاك كشبكة من الأوتار التي تحتاج إلى شد دائم. هكذا صور الجسد كشبكة من الخيوط المشدودة التي ينبغي تقويتها وتحفيزها وتنشيطها وتعزيز مقاومتها من خلال الحمامات الباردة والتمارين البدنية، وقد شكل هذا التصور للجسد انعكاساً للاكتشافات العلمية والتقنيات الجديدة، التي ألهمت تمثله كنظام من التوصيلات. أما القرن في الـ19 فنظر إلى الجسد وفق النموذج “الطاقي”، أي كآلة حرارية تعمل وفق قوانين الاحتراق والتحويل. وقد جاء هذا التصور بحسب فيغاريللو انعكاساً للثورة الصناعية ولاختراعات المحرك البخاري واكتشاف الكهرباء، لذا أعيد النظر في الغذاء والتمرين والصحة من منظور الطاقة والإنتاجية، وأصبح الغذاء “كالوقود” الذي يحول الطعام إلى “سعرات حرارية” يحرقها الجسم، فصار السؤال: كيف نغذي الجسد ليولد أكبر قدر من الطاقة؟ إمراة بالأسود للرسام خالد تكريتي (صفحة الرسام – فيسبوك) أخيراً، يتحدث فيغاريللو عن النموذج “المعلوماتي” الذي بدأت ملامحه ترتسم منذ نهايات القرن الـ20، إذ حول هذا النموذج الجسد إلى شبكة من الإشارات والرسائل، لم يعد التركيز فيها على ما يدخل الجسم أو يخرج منه، بل على ما “يقوله” من خلال أعراضه وإشاراته البيولوجية، لذا بدت الصحة وكأنها تعني القدرة على الإصغاء إلى هذه الإشارات وفهمها في سياق يتأثر بالتطور التكنولوجي والرقمي. بعبارة أخرى، يرصد فيغاريللو في هذا الكتاب التحول التدريجي في تمثل الجسد من نموذج أخلاطي قديم فسره كتوازن بين السوائل، إلى نموذج ليفي قائم على شبكة مشدودة من الخيوط والعضلات، فطاقي ركز على القوى والحركات الداخلية، وصولاً إلى نموذج معاصر يقوم على فكرة المعلومة والترميز البيولوجي، مقارباً الجسد كشبكة من الإشارات والبيانات القابلة للفك والتحليل. ولعل هذا الانتقال لا يعكس فقط تطور العلوم، بل يعبر في رأيه عن تغير جذري في نظرتنا إلى الحياة والإنسان، لذا حدد المؤلف ثلاثة تحولات تاريخية كبرى شكلت هذا المسار، أولها تحرر الجسد من التأثيرات الخارجية التي كانت تؤطره، سواء تعلق الأمر بالنجوم أو بالتفسيرات الدينية الصارمة، وثانيها بروز الهوية الفردية، إذ لم يعد الجسد مجرد عنصر ضمن نظام كوني أو اجتماعي بقدر ما أصبح حاملاً لخصوصية الشخص وتفرده، أما التحول الثالث فيتمثل في تعميق الحساسية الذاتية، أي في ازدياد وعي الفرد بتجاربه الجسدية ومشاعره الداخلية. ضمن هذا الإطار يعالج جورج فيغاريللو مسألة الزمن من زاوية جديدة، إذ يرى في الجسد مرآة للتحولات الزمنية، فطريقة إدراكنا طول الزمن أو قصره، لاستمراريته أو انقطاعه، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكيفية فهمنا جسدنا ووظائفه. هكذا يصبح الجسد أداة لفهم “المدى الطويل” والتغير، لا مجرد موضوع بيولوجي. لوحة للرسام كيس فان دونجي (صفحة الرسام – فيسبوك) وأخيراً، يبين الكتاب كيف أن هذه التحولات أثرت في تصورنا للقوة والهشاشة، فالجسد، في آن، صلب وضعيف، وهو أيضاً نقطة التقاء بين الفردي والاجتماعي، بين التجربة الشخصية والبنى الثقافية التي تمنح التجربة الخاصة معناها، لذا كانت إعادة التفكير في كيفية علاقتنا به ضرورية. الذات والعالم لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في هذا العرض التاريخي لنماذج تصورات الجسد، إنما في الطريقة التي يربط فيغاريللو بينها وبين تحولات أعمق في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. من هذه الزاوية نفهم تمييزه بين نوعين من نماذج تمثلات الجسد: “وظيفية” و”وجودية”. النماذج الوظيفية تشرح كيف يعمل الجسد في كل عصر، بينما النماذج الوجودية تعبر عن الطريقة التي يمنح بها الأفراد معنى لوظائف أجسادهم، أي كيف يعيشون هذه النماذج ويختبرونها. ومن خلال هذا التمييز يطرح المؤلف فكرة أساسية مفادها أن تاريخ الجسد لا يخضع لزمن واحد، بل لزمنين متداخلين: زمن الانقطاعات الذي يميز النماذج الوظيفية، وزمن الاستمرارية الذي يميز النماذج الوجودية، ففي حين تتغير تصورات الجسد بشكل فجائي نسبياً من “الأخلاط” إلى “الألياف”، “فالطاقة” و”المعلوماتية”، فإن العلاقة الذاتية بالجسد تتطور بشكل تدرجي عبر ثلاث حركات أساسية: التحرر، والتفرد، وتعميق الحساسية. تشير حركة التحرر، كما سبق وأشرت، إلى تراجع القيود الخارجية التي كانت تفرض على الجسد، سواء من قبل الدين أو الكون أو التقاليد، أما التفرد فيعني بروز الفرد كذات مستقلة لها خصوصيتها الجسدية والنفسية، في حين تشير الحساسية إلى تعاظم الانتباه إلى الأحاسيس الداخلية، وإلى تعقيد التجربة الشعورية المرتبطة بالجسد. هذه الحركات الثلاث تتداخل وتعزز بعضها بعضاً، فكلما تحرر الفرد من القيود ازداد تفرده، وكلما ازداد تفرده تعمقت حساسيته. غير أن هذا التطور لا يخلو من مفارقات، إذ يمكن أن تؤدي الحساسية المفرطة إلى نوع من الهشاشة، بحيث يصبح الفرد أقل قدرة على تحمل الصدمات أو القيود. هنا، يقدم فيغاريللو قراءة دقيقة للمجتمع المعاصر الذي يضع الجسد في قلب اهتماماته، سواء تعلق الأمر بالصحة أو الجمال أو الهوية أو الأداء، فالجسد لم يعد مجرد موضوع للسيطرة أو الانضباط، كما كان ينظر إليه في بعض التحليلات الفوكوية، بل أصبح أيضاً فضاءً للتعبير عن الذات وتحقيق الحرية. الجسد الإغريقي (متحف الفن الإغريقي) ويلفت فيغاريللو انتباه قرائه إلى التوترات التي ترافق هذا التحول، فبينما يزداد اهتمامنا بالجسد تزداد أيضاً الضغوط عليه، سواء من خلال المعايير الجمالية أو متطلبات الأداء أو هوس الصحة، كذلك فإن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في فهم الجسد قد يفتح آفاقاً جديدة، لكنه يطرح في الوقت عينه أسئلة أخلاقية وفلسفية عميقة. ويظهر فيغاريللو كذلك أن استمرار بعض الممارسات لا يعني بقاء النموذج الجسدي نفسه، إذ يمكن إعادة تبرير هذه الممارسات على أسس جديدة، قد تسهم بدورها في إنتاج أطر تفسيرية أخرى، فعلى سبيل المثال قد تبدو “النزعة نحو إفراغ الجسد” التي راجت منذ أواخر القرن الـ20 وشعارها “اشربوا، تخلصوا” وكأنها استعادة للنموذج الأخلاطي، إلا أن حمية “الديتوكس” المعاصرة، وإن بدت في ظاهرها شبيهة بالنموذج الأخلاطي فهي تخفي في طياتها دلالة مختلفة، ذلك أن إنسان اليوم يسعى من خلالها إلى تخليص نفسه من السموم ومنغصات الحياة اليومية. اقرأ المزيد فلسفة الجسد وفنونه في زمن الحرب التي تشوه صورته العابرون جنسيا في مصر… تغريبة الجسد الموصوم على مستوى المبنى يتميز كتاب جورج فيغاريللو كما قلت بمنهجيته الغنية واعتماده على مصادر ومراجع متنوعة تشمل النصوص العلمية والفلسفية والدينية، فضلاً عن النصوص الأدبية والأعمال الفنية التي تظهر أن تصور الجسد يتشكل في تقاطع هذه المجالات، وأن فهمه يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد. ويتسم بتنوع الأمثلة التي يقدمها، والممتدة من تخلي ماري أنطوانيت عن “الكورسيه” إلى انتشار الدراجة الهوائية، بغية إظهار كيف أصبح الجسد مجالاً لامتلاك الذات، أو تحليله لكيفية إعادة الابتكارات التقنية، كالآلة البخارية والهاتف الذكي، تشكيل إدراكنا العضوي والنفسي، مبرزاً، على رغم استمرار بعض الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالمظهر، أن تاريخ الجسد هو تاريخ انتصار للاستقلال الشخصي وللحساسية الداخلية. ختاماً، تتجلى قيمة كتاب جورج فيغاريللو في قدرته على الكشف عن أن كل مرحلة تاريخية قد صاغت حول الجسد شبكة من الخطابات والممارسات التي تبدو، في ظاهرها، متباينة، لكن إعادة وصل هذه العناصر بالنموذج الضمني للجسد الذي يؤسسها، تظهر وجود “منطق جسدي” داخلي يحكمها جميعاً، فالطبخ، والطب، والموضة، والنظافة، وصور الهيئة الجسدية، والحركات اليومية، وأنماط العيش والسكن، وحتى التقنيات المختلفة، لا تعود ظواهر منفصلة، بل تغدو أجزاء من نسق واحد متى أمكن الكشف عن “المنظومة الجسدية” التي تضبطها. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب، إذ يواجه النزعة التفكيكية التي طبعت الدراسات المتخصصة حول الجسد، فيعيد جمع شتات الظواهر داخل رؤية موحدة تكشف علاقات الانسجام والترابط بينها، وهكذا يبدو العمل أشبه بإعادة تركيب فسيفساء تاريخية للجسد، تعكس في كل عصر صورة الإنسان عن ذاته وعن العالم الذي ينتمي إليه. وبما أن كل حقبة تنتج تمثلاتها الخاصة للجسد، وما يتفرع عنها من ممارسات وأنماط سلوك، فإن الكتاب يشيد، عبر تتبع هذه التحولات، بما يمكن وصفه بـ”أركيولوجيا حرية” الإنسان بالمعنى الفوكوي للكلمة. المزيد عن: الجسد فلسفة البيولوجيا الجماليات الزمن الفكر التاريخ علم النفس الفرد الذات الجماعة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “كوكوروجو”… يعيد كتابة أسطورة الساموراي next post أين هم أنصار “حركة النهضة” التونسية؟ You may also like شراسة ما بعد الحرب في إيران تخيف السينمائيين 23 مايو، 2026 “كوكوروجو”… يعيد كتابة أسطورة الساموراي 23 مايو، 2026 مخرج وابنته الممثلة يصوران حياتهما المضطربة في “كان” 23 مايو، 2026 الفرنسي برنانوس يحاور الموت مع راهبة تحت المقصلة 23 مايو، 2026 عبده وازن يكتب عن: كتاب “تفسير الأحلام” ليس... 21 مايو، 2026 التنوير الفائق أو كيف يستخدم الإنسان فكره بحكمة 21 مايو، 2026 زفياغينتسف الذي أنهكه “كورونا” يعود بقوة إلى كان 21 مايو، 2026 مونتسكيو يسخر من أحوال بلاده بـ”رسائل فارسية” 21 مايو، 2026 “فيورد” يكشف طغيان الأيديولوجيا على الطفولة في كان 21 مايو، 2026 “الاستشراف الأدبي” أو حين يسبق الخيال الواقع بأشواط 21 مايو، 2026