نسوة فلسطينيات بريشة هيا الكعابنة (صفحة الرسامة - فيسبوك) ثقافة و فنون صراع السردية الفلسطينية والإسرائيلية في “أرض الحب والغياب” by admin 30 مايو، 2026 written by admin 30 مايو، 2026 19 الروائية سامية عيسى تخوض إشكالية الهوية المفتوحة بين ثلاثة أجيال نسائية اندبندنت عربية / شهلا العجيلي أكاديميّة وروائيّة @ShahlaUjayli يبدو مسلك سامية عيسى في روايتها “أرض الحب والغياب”، صادماً للمتلقي الذي يعيش خارج فلسطين، وخارج أسوار 1948 تحديداً، حيث وهم الشعارات، وحيث التنظير المجرد لا يزال فاعلاً، في حين تعمل في الداخل أيديولوجيا ما بعد الحداثة بفاعلية. ويقدم النص من خلالها عدة رؤى ينطلق السرد منها، لا سيما ما يتعلق بما بعد النسوية، وما بعد اليسار السياسي، وتغول اليمين، ومواجهة صراع السرديات بثنائية “الصادق والعادل”، التي أبرزتها تنظيرات ما بعد الحداثة عبر مقولات ليوتار، بحيث لا يمكن الكلام على المفهومين ببلاغة تقليدية. فهما لا يمكن اختزالهما في معايير واضحة، أو التعامل معهما بوصفهما جزءاً من سردية كبرى. هما لم يعودا مطلقين، بل يجب فهمهما في سياق تعدد الخطابات، والتعبير عنهما بألعاب لغوية، تستند إلى اختلاف السياقات، حيث العادل ضد الصادق. لذلك فالعدالة ليست عند منظري ما بعد الحداثة في الوصول إلى اتفاق شامل، بل في إتاحة المجال لتعايش الخطابات المتباينة. يخدم طرح ليوتار وغيره “صهيونية ما بعد الحداثة”، أو كما سماها الليبراليون “ما بعد إسرائيل”، التي يدعون أنها ستحقق العدالة للطرفين، لكنها من وجهة نظرنا، نظري على الأقل، لا تمثل سوى خدمة لإسرائيل ذاتها، وتثبيت حق مدعى لها في فلسطين التاريخية. رواية سامية عيسى (المؤسسة العربية) تكمن خطورة الخطاب الروائي في كونه ينتج خارج المؤسسة بحسب ميشال فوكو، الذي يشير إلى أن استقلال الخطاب عن المؤسسة، يوقعه في فخ مؤسسة أخرى، كما تكمن خطورة الخطاب الذي يتصدى لتمثيل الحياة داخل حدود 1948 في تمثيله لهذه الثنائية (الصادق والعادل)، عبر تمثيلة الحياة اليومية من التعايش اليومي، الصعب. لكنه قائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وعلى خلاف نظرتنا المثالية المتخيلة بوصفنا متلقين من الخارج. لعل مصدر الخطورة المقصودة هو أنسنة العدو، وذلك من خلال العلاقات التي تعود إلى عام النكبة. ويخلص الخطاب نفسه من هذه التعقيدات الأخلاقية والسياسية كلها، التي بسطها عبر أحداث النص، بالعودة إلى لحظة النكبة والاحتكام إليها، لتحديد الحقوق. يميل النص أحياناً إلى المساواة بين الضحية والجلاد، عبر نظر كل طرف إلى الآخر على أنه ضحية: عطاف من تلة غزالة في الجليل الأعلى، التي لم تعد موجودة اليوم، وراحيل التي جاءت من مكناس مخدوعة بدعاوى بدء حياة جديدة في أرض الميعاد، لكنه يعود بين حدث وآخر أو حوار وآخر، ليعدل ميزان الحقوق. فالنص يطلعنا عبر كل من خطابه، وبنائه، على وهم الشخصيات، وعلى ما يفكر به الآخر، وعلى حياته السرية، ومعتقداته. وهو بالتأكيد ليس شهادة مثالية، أو أيديولوجية تنطق بما نريد، وبما نعتقد، وبما نستنكره. لذلك فهو يسقط وهمنا المعرفي والأخلاقي، وعلينا أن نكون حذرين أثناء القراءة، كي لا نقع في حالة اللبس بين معتقدنا، ورؤيتنا، وقناعاتنا، وبين الكشف الذي يقدمه النص، ليس لإقناعنا بصحته، بل لتعريفنا بما هو غائب عنا. تناقضات العلاقات نمشي مع النص من غير مشاهد تعم للتعذيب، والدماء، والاعتقال، بل نتابع تصوير الحياة بين البيوت وفي الجامعة والمقاهي. ونتابع العلاقات بين الفلسطيني والإسرائيلي، ونرى نقصها، وتعاستها، وتناقضاتها، حيث لا شيء عادي. إذ ستكون التفاصيل كلها استثنائية، ما دام الناس يفكرون بهويتهم، ويبحثون عن أية وسيلة للتمسك بها، كي لا يذوبوا. وضمن هذه الحوارية بين الطرفين تتمثل بعض التسويغات الموضوعية التي يفرضها السياق، ولا بد من الحذر منها، كي لا تبدو كأنها تبرئ الطرف الآخر، أو تصنع حالة من التعاطف مع الجلاد، بتصويره ضحية. إذ ثمة خيط رفيع يفصل بين الموضوعية في التصوير، وبين صناعة التعاطف، التي كان النص بخطابه ينبهنا لها بين مشهد وآخر. جاءت راحيل من مكناس عام 1948، وتعرضت للاغتصاب من مسؤول التموين الذي كان يوزع المعونات على القادمين في المخيمات عند “المعبروت” على تخوم المدن الفلسطينية أثناء غياب زوجها في التجنيد: “كان معظم المهاجرين اليهود الأوائل فقراء ومسنين أو مرضى أو ناجين من المحرقة، أو مدمني مخدرات، ومومسات تورطن بالدعارة بسبب سوء الأوضاع المعيشية في العديد من هذه المعبروت”. الروائية سامية عيسى (صفحة الكاتبة – فيسبوك) يبحث الجيل الأول، ضمن هذا التعايش المجبول بالذنب، عن مسوغات الظرف، فراحيل وهيلدا “كانتا بالنسبة إلى عطاف الاتصال الوحيد الذي أقامته مع دولة الاحتلال. لكنهما بنظرها لم تكن لهما أي علاقة بالاحتلال، فهما ضحيتان له”. ظلت راحيل تحمل عقد الإسرائيليين الأوائل التي يحاول الجيل الثالث تفنيدها والتخلص منها: “آبيجيل لم تتمكن من التعاطف مع جدتها. لم تفهم أصلاً من أين أتى كل هذا العبث الذي أتى بجديها من المغرب، ورماها هي في هذه الأرض، لتحصد الخوف من الطعن أو من الصواريخ، كلما تمادت الحكومة الإسرائيلية بانتهاك حياة الفلسطينيين، إن في داخل إسرائيل أو في الأراضي التي احتلتها عام 1967. كانت تفضل لو بقيا في مكناس، وولدت هناك لتكون مغربية. لا تضطر أن تعيش قلق البقاء فوق أرض مهتزة تحيط بها أشباح الغياب والأكاذيب”. لعل المراوحة بين سرد الوقائع التي أنتجت الرؤيتين المتضادتين والمكونتين لسرديتين مختلفتين، هو الذي يجعل النص من أكثر النصوص التي قدمت هذه الإشكالية جرأة، وحيوية بلا ادعاء، أو مبالغات، وبلا خوف. ولعله الأكثر جرأة في تقديم نصفي الحقيقة أيضاً. ولكن مهما كان النص يمثل الصادق من وجهة نظر ما بعد الحداثة، فهو لا يمثل العادل بالنسبة إلينا، بوصفنا متلقين خارج 1948، ولعله ليس الرواية المثالية التي نريدها عن فلسطين. فنحن الذين عشنا في البلاد العربية وخلقت النكبة تصوراتنا عن فلسطين، وتوقفنا عندها، لا نتصور سوى أن تنتهي إسرائيل، وتعود فلسطين التاريخية للفلسطينيين. وهذا التصور العفوي للهوية البيضاء هو الذي لا نزال نحمله، والذي يأتي النص ليصدمنا تجاهه بوقائع وتصورات مختلفة تماماً، لعلنا نعرفها ولكننا نتجاهلها. ولكن تدور في القدس حوارات مختلفة، تشبه الحوارات في الأفلام ذات الإنتاج المشترك التي تُقدم عن داخل أراضي 1948، ومنها الحوار بين راحيل وآبجيل: “ها أنتم أورثتمونا أرض الخوف، ووطناً من الزيف والقلق. لم أفهم ولن أفهم لماذا كان على والدي أن يطلق النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي. ألم يكفه ما فعله باروخ غولدشتاين داخل المسجد حين قتل 29 فلسطينياً. لا أفهم. ألم تكوني أنت أمه؟ ممن تشرب كل هذه الكراهية؟ تزعمين الصداقة مع عطاف جدة وفاء، وتنتخبين جماعة كاخ في الكنيست، وتستنكرين العمليات الانتحارية، وتستمتعين ببيت ليس بيتك. لا، لا، نحن لصوص، لنعترف بذلك علناً”. تعيدنا هذه الموضوعية الصادرة عن فنانة ومثقفة مثل آبيجيل إلى خطاب اليسار الإسرائيلي في السبعينيات، ونعود إلى التنبيه إلى الخطر من أنسنة العدو الذي يعيشنا النص فيه بسبب واقعيته، وهو رؤية الجيل الجديد من الإسرائيليين، الجيل الثالث، الذي يحاول التأثير في القرار السياسي على أرض الواقع. وتنقل لنا الرواية جو الجدل والصراعات الإسرائيلية- الإسرائيلية، التي يتحدث عنها أيضاً المنظرون السياسيون، الذين يجدون مصلحة إسرائيل هي في التراجع عن اليمينية، لكن ليس من أجل الفلسطينيين، بل من أجل إسرائيل: “لم تكن أرضاً بلا شعب… لا أستطيع أن أكون مثلك ومثل الباقين ممن يتنافسون على قتل الفلسطينيين. لا أستطيع أن أبقى هنا وأدفع ثمن أكاذيبكم وجرائمكم… سأهاجر”. المفكر إدوار سعيد (المؤسسة الفلسطينية) تتحدث آبيجيل عن والدها يعقوب: “هو أيضاً لديه صديق سري من بيت نعيم. أظن اسمه صالح. أخبرني ذات مرة أنه تعرف إليه حين كان يخدم في الحرم. كان يحضر له أحياناً طعاماً خليلياً… بس بعد مجزرة الحرم لم يعد يراه. بتعرفي ليه؟ لأنو مات بالمجزرة. عرفتي ليه كان يبكي؟ عشان هيك. وعشان إشيا هوي مش عارف يفهمها. هاي دولة بتصيب ولادها بالفصام”. تنتقل بنا آبيجيل إلى الراهن، حيث تتكرر أفعال العنف بطريقة لا نهائية، بحسب نيتشه، كما تشير الراوية في النص: “لا تدافعي عن يعقوب وتقولي مقدسات. هو والدي وأحبه. لكن قتل الناس حتى في هلوساته الدينية جريمة… ابنك بعد ثلاثين سنة على مجزرة الحرم الإبراهيمي لم يتعلم. صار يرافق إيتمار بن غفير الذي لا يترك فرصة إلا ويمعن فيها في قتل الفلسطينيين وتسليح المستوطنين”. يربط النص ثيمات متعددة، كما تطرحها حقبة المابعديات، ويركز على التشابك بين ما بعد الاستعمار وما بعد النسوية، وقضية الذاكرة ودورها في صناعة الهوية، وقضية الاستبدال والإزاحة. ولعل الأكثر إلحاحاً هو الهجنة الثقافية، وهي التعبير الثقافي للعلاقة السياسية الاجتماعية بين الاحتلال الصهيوني والفلسطينيين أهل الأرض. استعادة الذاكرة استعادة الهوية تنتج الذاكرة الجزء الأكبر من أحداث النص بوصفها حدثاً ومرجعية معاً، وتمثل الطرف في الصراع مع الراهن، وتشكل المرتكز في صناعة الهوية الثقافية لكل من الفلسطيني والإسرائيلي. إذ تتحدد ذاكرة الطرفين على أرض فلسطين بالنكبة، وتستمر شخصيات النص بالرجوع إليها لا سيما في لحظات احتدام المواجهات العسكرية، أو لحظة تسويغ الوجود الثنائي. وهي تستمر بتوليد الأحداث في النص، كما تستمر بتوليد الخطاب خارج النص. هي ليست ذاكرة أدبية بل ذاكرة حياتية واجتماعية، وفردية وجماعية، وهي ذاتها الذاكرة التي أشار إليها إدوارد سعيد في كلامه على الانتقاء، واختراع التقاليد، والتلاعب بالذاكرة الجماعية (الذاكرة البرغماتية). ومن قبله شرحها محمود درويش بوضوح في “يوميات الحزن العادي”: “الذاكرة اليهودية تشكل إحدى الدعاوى الأساسية لادعاء الحق في فلسطين، ولكنها عاجزة عن الاعتراف بحق الآخرين في التمتع بحاسة الذكريات. والإسرائيلي يرفض التعايش مع الذاكرة الفلسطينية، ويرفض الاعتراف بهذه الذاكرة” . الشاعر محمود درويش (مؤسسة الشاعر) ستظل هذه الذاكرة مصدراً رئيساً لصناعة هويتين متضادتين، وسرديتين متواجهتين، انطلاقاً من اللحظة التاريخية ذاتها. وقد أشار إليها درويش أيضاً في “يوميات الحزن العادي”: “في الخامس عشر من مايو (أيار)، وفي ساعة محددة في الصباح، تنطلق صفارات الإنذار في كل أنحاء إسرائيل لتعلن الوقوف حداداً على الذين سقطوا في حرب التحرير. السائر يتسمر أينما كان، والسيارات تقف، والأعمال والماكينات تتوقف إعلاناً عن الحداد الذي يسبق الاحتفالات والفرح. وماذا يفعل العربي؟ يبكي في القلب أو ينفجر من الضغط. إن إعلان ميلاد إسرائيل هو في الوقت ذاته إعلان عن وفاة الوطن الفلسطيني/ هذه اللحظة إذن هي الزمن الفاصل بين حالتين. ولكنه ممنوع من التذكر والذكرى. تكون محاربة الذاكرة الفلسطينية إذاً هدفاً صهيونياً ومطلباً قومياً من الدرجة الأولى. لا ليست صهيونية عربية أن تذكر اغتيال وطنك. وفي هذه اللحظة المفارقة تلتقي دموع الأضداد. أن تبكي على وطن ضاع، وهم يبكون على من ضاعوا بحثاً عن وطن ولد”. لعل واحداً من أهم تكنيكات صراع السرديتين هو صراع الذاكرتين، والذي تشير الأحداث في معظمها إليه في “أرض الحب والغياب”: “كان موسم الزيتون وفيراً ذلك العام، على غير عادته في الأعوام التي سبقته. قالت عطاف تحدث حفيدتها وفاء عن ظروف لقائها براحيل جدة أبيجيل، صديقة وفاء في الجامعة. كانت وفاء تنصت باهتمام إلى حكايات جدتها عطاف، كما كانت تفعل مذ كانت طفلة. كانت تستحوذ حكايات الجدة عن الأيام الأولى للنكبة على معظم حكاياها، وتشكل لوفاء المصدر الوحيد للمتعة والمعرفة”. لا بد من القول إنه حين تأتي ذاكرة الفلسطيني منذ النكبة مفردة، فهي تضمر بطريقة طباقية ذاكرة الإسرائيلي، وكذلك حين تحضر خسارة أحد الطرفين، ستحضر خسارة الآخر. ويشير ذلك إلى خطاب ما بعد الصهيونية: “نخسر معاً أو نربح معاً”، وهنا يجب أن تبقى الحاسة النقدية يقظة، حتى لا نقع في تأويلات خطيرة للخطاب. إلى أن تأتي الأحداث بالتباين، فتشير إلى أن مصيري ومصير الآخر مختلفان، وهجرتي وهجرته مختلفتان، وكذلك ذاكرتي ما قبل 1948 وذاكرته. ويجب أن نحافظ على هذا الاختلاف، إذ تقول وفاء لراحيل بعد أن اتفقتا على الهجرة، ثم عدلت وفاء عنها: “إنها أرضي ولا أستطيع تركها، بخاصة في ظل هذه الظروف حيث تتقدم جدتي في السن… جدتي عطاف عانت الكثير كي تبقى وتحرس الأرض إلى أن يعود أهلها من الغياب. وأنا سأفعل. سأجد طريقي هنا. وربما لن أظل لاجئة. هل فهمت؟ ثم من يترك هذه البلاد الجميلة؟ هل فعلوا لأنهم حمقى؟ سذج؟ أم هرباً من القصف والمجازر والإبادات الجماعية”. وإذا كان الجيل الأول يستطيع أن يصرح بعفوية حول موقف الفلسطيني من أرضه: “آبيجيل من السهل أن تفرط بما لا تملكه أصلاً، أو أنه أعطي لها من غير حق”، فإن الجيل الثالث يحول هذه التصريحات إلى خطاب معرفي، بمنطلقات نظرية، كما ترد وفاء على آبيجيل التي تطلب إليها أن تهاجر معها كحل أخير لحياة أفضل: “هجرتي هروب، وهجرتك تحرر”. بورتريه للهوية ضمن صراع السرديتين تختار سامية عيسى مفتتحاً لروايتها اقتباساً من جبران خليل جبران، يحكي تعقيدات الهوية، إذ تطرح العبارة القصيرة السؤال الأصعب حول الموضوع الأكثر خصوصية، وهو سؤال الهوية: من أنت، ومن أين؟ ولعله سؤال يتلقاه، بعفوية وبساطة، أولئك الذين لم يضطروا إلى مغادرة أوطانهم، أو الذين لم تتغير حدود أوطانهم، ولا يعرفون سوى هوية واحدة وجدوا أنفسهم عليها، وورثوها من أجدادهم فآبائهم، ولعلهم لم يغيروا حتى بيوتهم. إنها الهوية الثابتة التي يصفها فكتور هوغو بالهوية الساذجة في الأوطان الحديثة، وقد استطاع اكتشاف سذاجتها فقط عندما عاش في المنفى. يقول المفتتح: “ما اخترت الصمت جواباً إلا لمن سألني: من أنت؟”، إذ ليس من حق أحد أن يسأل آخر من أنت؟ ما دام لم يعش ظروفه أو تجربته مع الوطن، فالجواب طويل ومعقد، إنه سيرورة. يمكن القول إن النص تمثيل لصراع السرديتين، الفلسطينية والإسرائيلية، وتتحقق كل منهما بحكايات الحب والفرح والعطاء والتحقق والفشل، وبالتعاسة التي تصبغ تفاصيل السرديتين كلتيهما. ولكن لا تتجلى إحداهما إلا بوجود الأخرى، ولا معنى لإحداهما إلا بوجود الأخرى. وهذه إحدى أهم طروحات نظرية ما بعد الاستعمار، والتي عبر عنها إدوارد سعيد بالطباقية. تظهر في الأحداث ثلاثة أجيال من النساء لدى كل طرف: الجدة، والابنة، والحفيدة، لكن العلاقات الفاعلة والحوارية تقتصر على ثنائية الجدة/ الحفيدة: عطاف ووفاء، وراحيل وآبيجيل. أي بين بداية الحدث التاريخي والتروما، والرد بالوعي والمقاومة، مع تغييب متعمد للجيل الثاني (أم آبيجيل، ومهيبة أم وفاء)، الذي شكل جيل الأسرلة. وهي وصمة عار كما يبديها النص، لجيل تأثر بالخطاب الثقافي المدني الإسرائيلي المزيف، الذي يتضمن شعارات الاندماج والمساواة وحرية التعبير. ويعيش حالة اغتراب بسبب التمييز الهوياتي ضده داخل مجتمع الاحتلال: “بدأت تتكلم العبرية، وتنحو نحو الأسرلة في ما تقول وتفعل، وتظن نفسها أنها بذلك تتكيف مع الواقع. ظلت تتشاجر مع زوجها علناً، وتهدده بالاشتكاء عليه للشرطة حين تمتد يده بالضرب والركل”. يظهر الراهن نتيجة لممارسات الاحتلال التاريخية، فما يحدث في غزة من حرب إبادة، ورغبة الأفراد بالهجرة، والفصام النفسي والسياسي الذي يحدث في الضفة الغربية ورام الله، إنما نتيجة للممارسات الإسرائيلية منذ لحظة النكبة. ويخرج بنا السرد إلى تحليل ظواهر الطغيان خارج فلسطين، في سورية ولبنان، ليس لملاحقة حياة فلسطينيي الشتات فحسب، بل للموازاة بين صورة المحتل وصورة المستبد. ولعل الفكرة المثيرة للتساؤل هي أن الإسرائيليين الليبراليين من جيل آبيجيل، ينظرون إلى ممارسات سلطتهم الممثلة باليمين الإسرائيلي، وتحديداً بممارسات بن غفير ممارسات داعشية، وكأن “داعش” وجدت قبل الصهيونية. وهذا ما يشير إليه الحوار بين آبيجيل وراحيل أكثر من مرة، في مغالطة يقنع الإسرائيليون أنفسهم بها، لإظهار ديمقراطية إسرائيل في مراحل سابقة، كأنها لم تكن عنصرية وقاتلة في كل مرحلة: “بن غفير ومن هم معه أو يشبهونه لا يكفيهم قتل الفلسطينيين. سيأتي الدور علينا حتى تتحول أرض الميعاد جهنم تسفك فيها دماء كثيرة، حتى دماؤنا. حين يستبدون بنا أيضاً أو بكل من يخالفهم الرأي. يسجنونه أو يقتلونه… أنا منذ الآن صرت أخاف أن أحكي عن مخاوفي. أخاف كي لا يتهمونني بالتعاون مع الفلسطينيين… خصوصاً أنهم باتوا أقرب ما يكونون إلى داعش”، أو كما تقول آبيجيل: “ربما آن الأوان لكي نسميهم علناً تنظيم الدولة اليهودية، تيمناً بتنظيم الدولة الإسلامية داعش وأخواته”. يسير السرد خلال الصفحات القليلة، بالنسبة للزمن التاريخي خارجه، على أحداث لمفاصل سياسية، لكننا نراها بصورة اجتماعية عبر آبيجيل وراحيل ووفاء وعطاف: “اغتيل إسحق رابين بوصفه خائناً… دنس آرييل شارون المسجد الأقصى بمداهماته، فأشعل فتيل الانتفاضة الثانية، وقتل محمد الدرة في حضن والده. وككل حدث جلل، سواء أكان الحدث انفجار عبوة ناسفة، أو قتل فلسطينيين بالرصاص الحي، أو حوادث طعن أو دهس للمستوطنين، تتعرض علاقات الصداقة أو الزمالة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الأراضي المحتلة عام 1948 إلى امتحان شديد القسوة، إذ تصمت الهواتف، وتتوقف المكالمات، ويتجنب الواحد منهم الآخر إلى حين تخمد حدة الحدث”. نتابع في ما بعد، مع حياتهما الجامعية، مجموعة من المفاصل التاريخية، ويؤرخ لها بالعمليات الانتحارية، “عملية العفولة”، وبيروت، وصبرا وشاتيلا، وغزة، وسورية. نتوقف أيضاً عند وهم أوسلو وتأثيره على حياة الأفراد: “وزادت هذه الرغبة في زمن الانتفاضة حين بدأت تتكشف حقيقة إسرائيل الإجرامية العنصرية أمام العالم. لكنها تريثت قليلاً حين بدأ الحديث عن مفاوضات تجري في العاصمة النرويجية أوسلو. تحمست للبقاء، وعدلت عن الهجرة حتى أُبرم اتفاق أوسلو وظنت، كما الكثير من أترابها، أن السلام قادم. سحبت تسجيلها من جامعة بنسلفانيا لدراسة العلوم السياسية، وقررت البقاء في جامعتها…”. هوية الجسد ما بعد الاستعماري لعل إحدى الإشكاليات التاريخية الصعبة في نظرية ما بعد الاستعمار هي النظر إلى هذه التحولات في الهوية، وعقابيلها، بوصفها تاريخاً مشتركاً، ليصل إلى أشد اللقاءات حميمية عبر المتعة الجسدية: “حين التصق جسدها العاري بجسد آبيجيل. لا تعرف كيف حدث ذلك؟ فجأة شعرت كلتاهما بانجذاب تدرج على سلم القلق الذي باحت كل منهما عنه للأخرى.عاشه المجتمعان على أرض واحدة، وعلى وقع العمليات الانتحارية”. يتحقق التماهي بين الهويتين السياسيتن المتضادتين عبر الهوية النسوية، أي إن لم تكونا في وطن واحد، فهما في جسد واحد: “كأنها تضاجع نفسها، لا جسد آبيجيل”. وهو التحقق الفعلي لرؤية ما بعد النسوية في علاقتها برؤية ما بعد الاستعمار التي أشرنا إليها سابقاً، والتي تجعل النساء ضحايا الممارسات الذكورية السياسية منذ حقبة الاستعمار، مروراً بالاحتلال، ثم بالثورات: “في لحظات العجز القصوى يتركون لنا نحن النساء أن نجد الحلول ونتخذ القرارات”. تطرح وفاء في لحظة من لحظات الوعي الكثيرة في النص سؤالاً من واقع الجيل الثالث لمواطني 1948 عن علاقتها بآبيجيل: “أهو انجذاب الضحية لمثيلتها؟ أم رغبة في تبديد الخوف من القادم؟” نعم، هي تراها من وجهة نظرها ضحية: “في علاقة ملتبسة بين الضحية والضحية انحرفت عن فطرتها”. يتأتى الوعي النسوي الذي يمكننا من قراءة العلاقات من وجهة نظر ما بعد نسوية، من السياق الثقافي الذي تنتمي إليه كل من الشخصيتين: وفاء الفنانة التي درست الفن في جامعة حيفا، وآبيجيل التي “أسست نادياً في جامعة حيفا للمساواة الجندرية، ورفضت الامتثال لقرار التجنيد الإجباري في جيش الدفاع، وأقنعت صديقاتها…”. وهكذا تعرفت إلى وفاء على أرضية قضية المرأة. ليست العلاقة الجسدية بين الطرفين (المحتل والمحتل)، والتي تراها الشخصيتان على أنها بين “ضحيتين”، بجديدة في إطار روايات ما بعد الاستعمار. وتبدو لحظة لقاء الجسد هي لحظة تنوير، وتصفها النسويات على أنها خبرة جديدة بعيدة من الإملاء البطريركي، أو خبرة العدم كما تسميها ماري دالي، وتشير إليها أدريان ريتش في قصيدتها “الحلم بلغة مشتركة”: “نحن نغوص إلى الحصن/ أنا هي/ أو الحنين إلى امرأة إلى أنفسنا/ قطعنا من امرأة/ من النساء/ من أنفسنا/ في وقت مبكر جداً”. اقرأ المزيد ليانة بدر تطل من شرفة رام الله على ذكريات بيروت هل سطا فيلم “فلسطين 36” على رواية “زمن الخيول البيضاء”؟ تقدم أحداث النص وحواراته تعقيدات ارتباط قضية المرأة بالاحتلال، وارتباط قضية الذكورة بالاحتلال. فالاحتلال خلال تاريخه، غير طبيعة العلاقات بين أفراد العائلة، وبين الرجال والنساء، وشكلها وفاقاً لما خلقه من أزمات الهوية: “لطالما شهدت وفاء كيف كان ينكل جدها بجدتها وهي صغيرة، وكذا كان يفعل والدها بأمها: كل ينكل بامرأته لتنصاع لكل النزوات اليومية والأمزجة ما فوق ذكورية، التي تضاعفت بسبب الاحتلال والتستر وراء التقاليد كذريعة للحفاظ على الهوية. هكذا كان الجميع يردد. قالت لها أمها ذات يوم، وهي تروي كيف أحرق جدها ذراع جدتها بملقط الفحم المشتعل بعد بضعة أشهر من النكبة. التهب الحرق وطال شفاؤه، ولم تتمكن من الذهاب إلى الطبيب لمداواته. لم تتمكن من الاشتكاء عليه. لمن تشتكي؟ للسلطات الإسرائيلية؟”. تفند آبيجيل، برؤية الجيل الثالث، النسوية موقف الجيلين السابقين من النساء، من العلاقات مع الرجال الذين صاغوا برؤيتهم الذكورية الدينية الأحداث المتكررة إلى ما لانهاية للحرب، مع ما يوازيها من العنف العائلي. وهي تواجه جدتها راحيل بأخطاء النساء ودورهن في استمرار ذلك العنف. فجدتها لم تستطع الدفاع عن نفسها، وعانت عذاباً نفسيا بسبب الاغتصاب الذي جعلها ذليلة مكسورة أمام زوجها. في حين يقلب الوعي الجديد الطاولة على الوعي القديم، ويصر على التوقف عن لوم الضحية، ليس الجندرية فحسب، بل التاريخية: “ألم يتركها هو في مواجهة الجوع وإيلان ورجال لا يعرف لهم أصل أو فصل في بلاد غريبة مع غرباء؟ تركها في مواجهة العراء، وكان له قدر من الوقاحة أن يعايرها”. تظهر مواجهات الذكورة والأنوثة لدى الجيل الثالث أكثر جرأة، لا شك، لكنها صادرة عن هيمنة الاحتلال، وتشكيله للهويات بشكل أصعب من أي تطور آخر خارج وجوده. وهو ما تصوره وفاء في علاقتها بزوجها المهندس المعماري: “يومها تخانق معي إياد كمان وصار يهتني ويقول: شفتي؟ الفن ما بيطعمي خبز. لو درست هندسة معمارية متلي مش كان أحسن؟ يومها ضربني وانجن ليش قلتله لأ مش أحسن. عالقليلة مش مضطرة أعمرلهن بيوتهن حتى آكل خبز! زعلت من حالي لأني جرحته، وعقدت الإشيا بيناتنا أكتر ما هي معقدة. إفهميني يا ستي: برا مش مضطرة أعيش كل هالتعقيدات. الاحتلال فايت على كل حياتنا. عأكلنا وشربنا وعلاقاتنا. فايت معنا حتى على السرير. خجلت أن تخبرها أن إياد كان يردد كلمة (بسيدر، بسيدر) حين يضاجعها ويقترب من بلوغ الذروة”. تشكل وفاء برؤيتها بداية للخلاص الذي تفترضه السردية التاريخية: “أن يتوقف الجميع عن لعب دور الضحية، أن يتمسك الجميع بزمن النكبة كذاكرة للبدء بالاعتراف بزمن الجريمة الأولى- النكبة- حين لم تكن هنالك كاميرات تصور الفظائع، ولا مواقع للتواصل الاجتماعي تظهر مشاهد الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، ومن يلتف حولها من غالبية أحفاد الناجين من المحرقة”، لذلك تقرر البقاء في فلسطين، بعد أن تقرأ الأحداث ملياً وتنقلها لنا، وبعد أن تستمر الجدة في ثنيها عن الهجرة، ملخصة تاريخ أجيال ثلاثة من النساء في فلسطين منذ النكبة: “أنا بكرة بموت، وإمك تأسرلت خلص، فش منها أمل. كنت متأملة فيكي”. المزيد عن: رواية فلسطين الهوبة المفتوحة الذاكرة السردية الفلسطينية السردية الإسرائيلية ثلاثة اجيال إدوارد سعيد 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي You may also like ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي 30 مايو، 2026 الروائي جاك لندن: أفضل أن أكون رمادا لا... 29 مايو، 2026 حين تقرر الخوارزمية من يموت ومن يعيش… في... 29 مايو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: مجسّمات كلاسيكية أموية 29 مايو، 2026 “فلاسفة مقاومون” يبددون القلق الوجودي في زمن العنف 28 مايو، 2026 عندما نأى إميل زولا عن تياره الأدبي “الطبيعي” 28 مايو، 2026 “الكهل الذي نسي” يكتب سيرة متخيّلة لسمير قسيمي 28 مايو، 2026 قرية النبي صموئيل… هكذا تنسف إسرائيل هوية فلسطينية... 27 مايو، 2026 … وفي هوليوود ثورة قادها أصحاب اللحى 27 مايو، 2026 ليلى مراكشي تلاحق أصوات العاملات المنسيات في “توت... 27 مايو، 2026