ثقافة و فنونعربي الروائي نيكولاي ليسكوف مدحه دوستويفسكي وطواه العصر البلشفي by admin 13 فبراير، 2022 written by admin 13 فبراير، 2022 153 “صراع مفتوح” جدارية روائية مجهولة تنبّأت بتحولات القرن العشرين اندبندنت عربية \ انطوان جوكي من منّا قرأ، أو حتى سمع، بكاتب روسي معاصر لدوستويفسكي ومضارع له في قيمة أعماله الأدبية، يدعى نيكولاي ليسكوف (1831 ــ 1895)؟ الجواب البديهي عن هذا السؤال يبرر اهتمامنا بروايته الضخمة “صراع مفتوح” (980 صفحة) التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار “سيرت” السويسرية، ولا تشكل فقط بورتريه نادر الدقة للمجتمع الروسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتنبئ بالثورات التي سيشهدها القرن العشرون، بل تحافظ أيضاً على راهنية مدهشة، على الرغم من مرور 151 عاماً على صدورها. لتكوين فكرة عن قيمة هذا العمل وصاحبه، نستشهد أولاً بدوستويفسكي الذي كتب لصديقه الشاعر أبولون مايكوف حوله: “هل قرأت رواية ليسكوف؟ (…) يا لشخصية فانسكوف فيها! حتى في أعمال غوغول لن نجد شخصية أكثر تجسيداً وحقيقةً منها. كما لو أنني رأيتها، كما لو أنني أصغيت إليها، كما لو أنني لمستها! شخصية مبلبلة بشكل مطلق! إن كان قدر عدمية حقبة الستينيات أن تموت، فإن هذه الشخصية ستبقى أبداً في الذاكرة. وبأي إتقان رسم كهنتنا! ذلك الكاهن “إنجيل”، لم أرَ مثله في أي عمل آخر. يا لقدر هذا الكاتب في أدبنا. إنه ظاهرة تتوجب دراستها بجدية أكبر، وبكل الحماسة الضرورية”. أكثر الكلاسيكيين حداثة بالنسبة إلى غوغول، ليسكوف هو “أكثر الكلاسيكيين حداثةً”، وبالنسبة إلى غوركي، إنه “ساحر الكلمات”، لكن هذا العملاق الذي غالباً ما مدح نقاد عصره قدراته التأملية وإتقانه الفريد للغة الروسية، أسيء فهمه في زمنه بسبب قدرته المدهشة على استباق الأحداث، ودفع ثمناً باهظاً لمعارضته الشرسة للأفكار الثورية التي كانت رائجة في وطنه في ستينيات القرن التاسع عشر. ومع نجاح الثورة البلشفية، رمي في الظل مع جميع أعماله التي تضم سبع روايات ضخمة، وخمس روايات قصيرة وست قصص. الرواية الروسية في الترجمة الفرنسية (دار سيرت) “صراع مفتوح” التي أصدرتها للمرة الأولى مجلة “المرسال” الروسية، فصلاً تلو آخر، خلال عامي 1870 و1871، هي، مثل “الشياطين” (1896) لدوستويفسكي، رواية مناهضة للعدمية بامتياز، نتابع فيها مغامرات مجموعة من العدميين السابقين الذين باتوا كائنات كريهة تسعى إلى الإثراء الشخصي على حساب الآخرين. ومن خلالهم، كما من خلال شخصيات أخرى غنية بالألوان، يصور ليسكوف بعمق وحدة بصرية نادرين، مجتمعاً عفناً وفاسداً أخلاقياً لم يعد يكن أي احترام لمؤسساته وأفراده. من بين هذه الشخصيات، لدينا تلك السيئة، مثل الإقطاعي غوردانوف الذي حرم من ممتلكاته، وكان عدمياً قبل أن يصبح فوضوياً انتهازياً، والثوري المثالي فيسيلنيف الذي فقد مثله، والمرابي المجرد من الأخلاق، وزوجة الجنرال الماكيافيلية التي تعيش محاطة دائماً برهط من المعجبين بها. ولدينا شخصيات فاضلة تعزز باستقامتها وطيبتها ثقتنا بالبشرية، مثل الرائد فوروف، الثوري في ظاهره، والقاسي والبارد مع زوجته، لكن المحب والعطوف في العمق. وكذلك الكاهن “إنجيل” الذي يرمز إلى البساطة ومحبة الآخر، وتتحلى كل كلمة ينطق بها برمزية عالية وطابع مثالي، والشابة ساشا سينتيانينا الرقيقة والكتومة التي تتمتع بقوة داخلية كبيرة وتشكل نموذجاً للفضيلة والتضحية بالذات، بالتالي، لا شيء ينقص في هذه الجدارية السياسية والاجتماعية المذهلة التي نلتهمها مثل رواية مغامرات معجونة بالخارق، وتأسرنا قصتها بمدى ثرائها بالتطورات المشوقة. الطبعة الروسية الأولى من الرواية (دار سيرت) قصة يصعب تلخيصها نظراً إلى تعقيدها الكبير، وتدور معظم أحداثها في قرية نائية نتعرف فيها إلى معظم شخصيات الرواية، وفي مقدمها الشاب فيسيلنيف الذي، بعد إقامة في بطرسبرغ افتتن خلالها بأطروحات الحركة الفوضوية، يعود إلى مسقط رأسه بصحبة صديقه الشاب غوردانوف الذي، بعد أن قرأ وهضم جميع الكتاب العدميين، تبنى الانتهازية كعقيدة وانتقل من نفي المثل (الدينية والوطنية والعائلية) إلى “نفي النفي”. شاب لا يلبث أن يحيك بدهاء مؤامرة تؤدي إلى انقسام في صفوف الدوائر التحررية. قضية سياسية قاتمة ومقارنة بصديقه، يتحلى فيسيلنيف بكل مميزات الشاب غير الناضج. فبعد تورطه في قضية سياسية قاتمة، تضطر حبيبته ساشا إلى التخلي عن مشروع اقترانها به والزواج من قاض من أجل إنقاذه من السجن. وفي معرض وصفها له، تقول ببصيرة: “إنه الكائن الأول الذي عرفته، ويمثل ذلك النموذج من الشخصيات المنتشرة اليوم الذي يرى أن من الضروري الانخراط في شيء جديد وعصري، في حين أنه يفتقد لكل شيء داخله”. الروائي الروسي الكبير الذي طمسه النظام الشيوعي (دار سيرت) وفعلاً، على خلاف رفيقته في النضال، فانسكوف، التي تبقى وحدها وفية لعدميتها داخل محيطهما الثوري، ينخرط فيسلينيف بسذاجة في جميع مخططات غوردانوف، على الرغم من مثاليته. ومن بين هذه المخططات، واحد يقتضي بقتلهما زوج رفيقتهما الجميلة غلافيرا، بالتواطؤ معها، بهدف اقتران أحد منهما بها، ووضع اليد على إرث زوجها الثري، لكن ما لم يحسبا حسابه هو غرام غلافيرا، المعدومة الضمير، بشاب عدمي نقي هو بودوزيروف. مخطط جهنمي يمنحنا فكرة عن الأجواء المروعة التي تنتظرنا داخل الرواية، والتي جعلت أحد النقاد يرى “شيطاناً يحوم داخل كل واحدة من صفحاتها”. وكما في روايات دوستويفسكي، يعتمد ليسكوف فيها على ثنائية ناجعة لتحريك خيوط حبكتها وتمرير رسائله. وفي هذا السياق، يضع مقابل العدميين المنحرفين، فوضويين متشبثين بقناعاتهم، ومقابل المتآمرين وروحهم الزائفة، شخصية بودوزيروف المستقيمة وتقاليد القرويين الأصيلة. وأحياناً، تحضر هذه الازدواجية داخل شخصية واحدة، كما هو الحال مع الإرهابي الفوضوي آزيف الذي هو أيضاً عميل لشرطة القيصر السرية الـ”أوخرانا”، أو مع الصحافي العدمي كيشينسكي الذي يكتب في ثلاث صحف و”يدين بيده اليمنى ما يخطط له بيده اليسرى”. نقد العدميين لكن بخلاف مواطنه الكاتب تورغونييف، لا يستسلم ليسكوف في روايته للتأمل في خلفيات سلوك أولئك الذين يمقتهم، ونقصد العدميين الجدد، بل يصورهم كما يراهم، أي كلصوص ومحتالين يسعون خلف الكسب المادي ويخونون بلا تردد القيم التي يرفعونها، ولا يخلصون إذا إلا لأبشع نزواتهم، وبالنتيجة، يدنسون نفوس من حولهم ويفسدون عقولهم. وكما في “شياطين” دوستويفسكي، تقودهم نياتهم السيئة حتماً إلى نهاية تعيسة. تصوير يستمد كل قوته من أسلوب ليسكوف الفريد الذي يجمع بين نثر كلاسيكي مدهش في جمالياته، وذلك الشكل السردي الشفهي القريب من المحكية الروسية الذي يعرف تحت تسمية “سكاز” (skaz). لكن قيمة “صراع مفتوح” لا تقتصر على ذلك فقط، بل تكمن أيضاً في المهارات النادرة التي يُبديها صاحبها في سرد قصتها، وفي استثماره الحاذق لعنصر التشويق داخلها، وفي وصفه البصير لتصدعات مجتمع يقف على حافة كارثة. تكمن قيمة الرواية، خصوصاً في كونها رواية عن روسيا خلال الفترة التي استبقت الثورة البلشفية، وفي الوقت نفسه، رواية شاملة في أبعادها واستعاراتها، يتمكن ليسكوف داخلها من التوجه إلينا جميعاً من دون استثناء: الشاب والعجوز، المرأة والرجل، الفقير المحروم والثري الوصولي، المحتال والفاضل. وبالنتيجة، يتمكن من جعل كل واحد منّا يعثر فيها على بورتريه له، بحسناته وسيئاته، وأيضاً على طريق يقوده إلى الخلاص، وآخر يقوده إلى الهلاك. وفي حال أضفنا تفجيره داخل هذه الرواية جميع العقائد البورجوازية، بعد كشف عنه سطحيتها، ومدافعته عما يعتبره الجوهر، أي الشعب، وخصوصاً أبناء الريف وتقاليدهم السرمدية، لفهمنا لماذا، على مدى قرن ونيف، اعتبر هذا العملاق كاتباً محافظاً ورجعياً في وطنه، وبقيت تحفته الأدبية هذه في الظل مع سائر أعماله الأدبية. المزيد عن: روائي روسي \ القرن التاسع عشر \ رواية \ موسكو \ شخصيات \ صراع داخلي \ أدب 20 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عندما كتب بيتهوفن سيمفونيته الثالثة وهو غاضب من الجنرال الفرنسي next post صراع الهوية… حكاية طرابلس اللبنانية مع وصمة التطرف You may also like لاسلو نمش يسترجع صفحة حالكة من ماضي المجر 29 أبريل، 2026 سيمفونية “جوبيتر”… ذروة الإبداع الموزارتي 29 أبريل، 2026 الحياة الانسانية ليست سلعة في سوق المقاولات الربحية 29 أبريل، 2026 ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ