روبرت شومان وزوجته كلارا (غيتي) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: ساعة غيظ وإحباط ألهمت شومان سيمفونيته الرابعة by admin 19 يوليو، 2026 written by admin 19 يوليو، 2026 27 الرومانسية وعناد كلارا… سببان غامضان وراء ولادة بدعة في الفن الموسيقي الألماني اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كانت بدايات روبرت شومان في عالم التأليف الموسيقي عام 1830، كما نعرف، وكان هو في ذلك الحين بالكاد تجاوز الـ20 من عمره. وهو خلال العقد الأول من مساره الإبداعي، اكتفى بكتابة المقطوعات الصغيرة والتنويعات وما شابه ذلك. ولن يكون هذا مدهشاً إذا علمنا أن أول مرة خطرت في باله فكرة أن ينصرف بقية سنوات حياته إلى التأليف الموسيقي، كانت حين استمع، في عيد الفصح، إلى أعمال لباغانيني تعزف في فرانكفورت، وشاهد هذا الأستاذ الكبير بأم عينيه يعزف مقطوعاته الخاصة. يومها، على الفور، كتب إلى أمه رسالة يؤكد فيها أنه حسم أمره أخيراً. وهكذا انفتح شومان الشاب على عالم الموسيقى من خلال باغانيني، وظل أعواماً طويلة بعيداً من التفكير في أن يكتب سيمفونيات. إذاً ما الذي حركه عام 1841 ليبدأ في كتابة هذا النوع الصعب والمعقد؟ الحب والزواج بالأحرى، أو – بحسب بعض كاتبي سيرته – ما يرتبط بزواجه في شكل غير مباشر، إذ إن هؤلاء يروون أنه كان ذات يوم يزور روسيا مع حبيبته وزوجته كلارا، إحدى السيدات النادرات اللاتي عرفهن فن الموسيقى مؤلفات، فقدم النقاد والمعنيون لتحية السيدة التي كانت ذائعة الصيت. وحين قدمت لهم هي زوجها، التفت إليه واحد من المستقبلين سائلاً إياه، من دون اهتمام كبير، “هل أنت موسيقي أيضاً يا سيد شومان؟”. هذه الحكاية حدثت بالفعل، حتى وإن كانت كلارا لم تروها في مذكراتها. غير أن ما هو غير مؤكد ربط تأليف روبرت شومان لسيمفونيته بتلك الحكاية. المنطقي أكثر هو أن زواجه من كلارا، وسط حكاية حب عاصفة، كان هو ما حركه في ذلك الحين ليكتب نوعاً، ربما كان يخيل إليه أول الأمر، أنه عصي عليه. تحفة بنسختين مهما يكن من أمر، من المؤكد أن شومان لم يكن مصيباً في اعتقاده ذاك. إذ، على قلة أعماله السيمفونية الكاملة، من الواضح أن أجملها لا يقل عن جمال أعماله الأخرى، ولا قوتها عن قوة السيمفونيات التي وضعها كثر من كبار الموسيقيين في ذلك الحين. ويصدق هذا بصورة خاصة على السيمفونية الرابعة، حتى وإن كانت الأولى أكثر شهرة، إذ إنها ارتبطت لدى النقاد والمؤرخين بكلارا، لتبدو إذا اكتملت واحدة من أكثر سيمفونيات ذلك الزمن حيوية واحتفالاً بالحياة والبهجة. من هنا لم يكن غريباً أن يطلق عليها شومان اسم “سيمفونية الربيع”. السيمفونية الرابعة لشومان في إصدار جديد (أمازون) أما السيمفونية الرابعة فإنها أكثر قوة وتعبيراً عن عبقرية شومان الخلاقة. أو هذا – في الأقل – ما يمكن قوله عن نسختها الأولى. ذلك أن لهذه السيمفونية نفسها نسختين. أولاهما كتبت عام 1841 فور انتهاء شومان من كتابة سيمفونيته الأولى، والثانية كتبت عام 1851، وهي النسخة التي بقيت معتمدة لزمن طويل، بعدما اختفت مسودات الأولى. ولهذا الاختفاء حكاية يجب أن تروى. معركة كلارا ولا بأس في بدء هذه الحكاية من نهايتها، أي من عام 1882، حين نشرت السيمفونية ضمن أعمال شومان الكاملة، تحت إشراف أرملته كلارا، وكان هو راحلاً قبل ذلك بربع قرن. يومها، على الصفحة الأولى من تلك الطبعة، كتبت كلارا بخط يدها أن هذا النص – وتعني به نص عام 1851 – هو الأساس، أما نص نسخة عام 1841 فإنه لم يكن أكثر من مسودة واسكتشات أولية، لا يجدر الاهتمام بها، مضيفة أن روبرت لم يكتب التوزيع الكامل والنهائي للعمل إلا عام 1851. غير أن هذا لم يكن صحيحاً، وذلك بشهادة كثر من المؤرخين والنقاد، ولا سيما بشهادة يوهان شتراوس، الذي لم يقل هذا فحسب، بل أكد أن النسخة الأولى (1841) أخف وأجمل وأروع. وقد عمد شتراوس إلى نشر نسخة عام 1841 خلال عام 1891، على رغم اعتراضات كلارا شومان. طبعاً يصعب على أي كان أن يفهم دوافع كلارا شومان الحقيقية وسر عنادها، ولكن في المقابل، يسهل على أي ذواقة للموسيقى إدراك أنها على خطأ تام، من خلال استماع مقارن للنسختين معاً. وهذا الأمر ممكن منذ أعوام طويلة، إذ صارت النسختان متوافرتين، بل إن جون إليوت غاردنر نشر منذ سنوات النسختين معاً، مصداقاً على ما قاله كاتب سيرة شومان، بيتر أوستوالد، من أن النسخة الأولى “أكثر شفافية في نسيجها، على رغم أن كلارا ظلت حتى وفاتها ترفض النسخة الأولى”. والحقيقة أن ثمة، على أي حال، فروقاً كبيرة وأساسية بين العملين، إذ إن النسخة الثانية تتألف من خمس حركات، فيما تتألف الأولى من أربع حركات، ناهيك بأن الأولى تستخدم الإيقاع المسمى الإيقاع الإيطالي، مقابل استخدام النسخة النهائية “الإيقاع الألماني”. وقد حددت حركات النسخة الأولى كما يأتي: “أندانتي كون موتو – أليغرو دي مولتو من مقام ري صغير إلى ري كبير، في حركة انتقالية بارعة – رومانزا أندانتي – سكيرزو سريع – ثم لارغو فينالي ذو إيقاع أليغرو شديد الحيوية”. حب يغير الموسيقى وهنا لا بد من العودة إلى شومان، الذي، كما ذكرنا، أنهى حياته السيمفونية قبل خمسة أعوام من رحيله، بوضع ما سمي يومها “النسخة النهائية” لتلك السيمفونية. فشومان كان، في وقت كتب “الرابعة” عام 1841، يعيش أكثر أعوام حياته فرحاً وإنتاجاً بالتالي. وخلال عام 1840 كان أحب كلارا وتزوجها. وقد فتحت له تلك العلاقة التي بدأت مغرقة في الرومانسية الباب واسعاً أمام تجديد طاول، ليس حياته فحسب، وليس أساليبه الموسيقية، بل كذلك أمام رغبة في الإنتاج أكثر وأكثر، وفي خوض مغامرات إبداعية، مثل خوض التأليف السيمفوني. اقرأ المزيد “كرنفال” شومان… احتفاء بصدق الموسيقى ورومانسيّتها كلارا شومان “تعدم” كونشرتو زوجها وتندد بفاغنر شومان “يوثق” تحياته إلى زملائه وسابقيه الكبار عندما كانت كلارا شومان حدثا نادرا في الموسيقى كمؤلفة وعازفة وامرأة ولعل في وسعنا أن ندلل على إقبال شومان على الفن والحب والحياة خلال العام نفسه الذي تزوج فيه عام 1840 من خلال التذكير بأنه لحن خلال العام نفسه 168 أغنية، بعضها يعد من أروع إنتاجاته في هذا المجال. أما من ناحية الموسيقى الخالصة، فإنه لم يكن كتب سوى أعمال قصيرة أو متوسطة الطول للبيانو، لكنه الآن، أمام الحال الجديدة التي راحت تعتريه، وأمام عواطف جديدة لديه راحت تتفتح على الحب والشك، وعلى الرغبة والأمل واليأس في وقت واحد، وأمام إحساسه بأن المنعطف الجديد في حياته لا بد من أن ينتج منعطفاً جديداً في فنه، انطلق انطلاقة قوية، كان أبرز ما فيها إحساسه بالتناقض بين الحب الغامر الذي وجده لدى كلارا، وأحزان العالم الخارجي. وهكذا، إذا كان الحب أعطاه مذاق الربيع، فعبر عنه في “سيمفونية الربيع” الأولى، سرعان ما نراه في “الرابعة” التي هي أصلاً الثانية، يعبر عن تمزقه بين عالم الحب الجواني والعالم الخارجي الذي أشعره الحب أكثر بافتقاره إلى الحنان. عبقري تأخر إنصافه وعلى هذا النحو حملت السيمفونية الجديدة، التي ستصبح الرابعة بعد 10 سنوات، كل ذلك التمزق الحقيقي الذي راح يعيشه فنان نعرف أنه لم يفهم كثيراً – على أي حال – خلال حياته القصيرة. ذلك أن روبرت شومان (1810 – 1856) لم يعش طويلاً. وفي اعتقادنا أنه لو عاش أكثر لكان في إمكان العالم أن يفهمه أبكر. لكن شومان، الذي غطت حكايات حياته على حكايات فنه، سيعرف ويقدر لاحقاً، ولسنوات طويلة بعد رحيله، ليعد واحداً من كبار المؤسسين للفن الرومنطيقي الموسيقي الألماني الملتفت إلى داخل الذات. وروبرت شومان كان موسيقياً وناقداً وأديباً. وإلى السيمفونيات التي تحدثنا عنها، أبدع في مجالات الكونشرتو، والأغاني، وموسيقى الحجرة، وترك نصوصاً في النقد الموسيقي ونصوصاً عن الرومنطيقية، أسعفت على الدوام في ترسيخ صورته بوصفه الفنان الرومنطيقي الحالم، وهي الصورة التي زاد من إشراقها حبه لكلارا، التي عاش معها أعنف قصة حب بين موسيقيين في ذلك الزمن. المزيد عن: ألمانيا روسيا روبرت شومان موسيقى الحب سيمفونية الربيع 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الرجال يتفوقون على النساء في مفاوضات زيادة الرواتب next post مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: نصوص جاك دريدا عن الأوغاد والهالكين و”قوة القانون” You may also like الذاكرة السينمائية تستعيد أفندي الخمسينيات في العراق 20 يوليو، 2026 رحيل الموسيقار المصري هاني شنودة… مُكتشف النجوم ورائد... 20 يوليو، 2026 على خُطى «فلوبير»… في أحضان منطقة الـ«نورماندي» 19 يوليو، 2026 “الملاح”يصل إلى ضفاف اللايقين في رواية إيطالية 19 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: “متروبوليس” مغامرة سينمائية بين... 19 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: نصوص جاك دريدا... 19 يوليو، 2026 ظافر يوسف يصهر الجاز بالموسيقى العربية والنفس الصوفي 18 يوليو، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: هل ظلمت رابطة... 18 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: عندما “يتحرر” أراغون... 18 يوليو، 2026 هل حجبت جائزة “الملتقى” للقصة العربية القصيرة؟ 18 يوليو، 2026