اكتسب قيمته من قدرته على تقديم صورة اجتماعية واقعية لبغداد وسجل بصري لحياة الناس في تلك المرحلة (مواقع التواصل) ثقافة و فنون الذاكرة السينمائية تستعيد أفندي الخمسينيات في العراق by admin 20 يوليو، 2026 written by admin 20 يوليو، 2026 18 مشروع يهدف إلى ترميم ورقمنة 100 فيلم روائي طويل ضمن خطة لحماية التراث الوطني من البداية وحتى توقف الإنتاج قبل 2003 اندبندنت عربية / شذى العاملي صحافية عراقية @ShadhaAlamili يُعد فيلم “سعيد أفندي” واحداً من أهم العلامات في تاريخ السينما العراقية، ليس فقط لكونه من أوائل الأفلام الروائية الطويلة، بل لأنه أصبح لاحقاً نموذجاً بارزاً للسينما الواقعية العراقية، وصورة حية لبغداد ومجتمعها الشعبي في خمسينيات القرن الماضي. وقد ترك الفيلم أثراً واضحاً في مسار الإنتاج السينمائي العراقي، وأسهم في ترسيخ توجه سينمائي انشغل بحياة الناس اليومية وقضاياهم الاجتماعية، بعيداً من الأنماط التقليدية في السرد. استطاع الفيلم أن يوثق العلاقات الاجتماعية داخل المحلة البغدادية، ويرصد طبيعة التفاعل بين سكانها، بما يحمله من تقاطعات بين المظاهر الاجتماعية والواقع المعاش. فالمكان لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل أصبح عنصراً فاعلاً في بناء المعنى، يعكس طبيعة العلاقات الإنسانية والتوترات الكامنة داخل المجتمع. يأتي فيلم “سعيد أفندي” ضمن مشروع المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية لحفظ وترميم ورقمنة التراث السينمائي العراقي. ويهدف المشروع إلى ترميم ورقمنة 100 فيلم روائي عراقي طويل، ضمن خطة تهدف إلى حماية الإنتاج السينمائي الوطني منذ بداياته الأولى وحتى توقف الإنتاج السينمائي قبل عام 2003، فضلاً عن توثيق الأعمال التي أُنجزت بعد ذلك ضمن مشروع “سينماتيك العراق” بمراحله المختلفة. يرى الناقد السينمائي علاء المفرجي، أن فيلم “سعيد أفندي، الذي أُنتج بين عامي 1956 و1957، جاء في ظروف إنتاجية محدودة، لكنها كانت محفزة لإنجاز تجربة سينمائية مهمة تصدى لها المخرج كاميران حسني، لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز المحطات في تاريخ السينما العراقية. ويشير المفرجي إلى أن أهمية الفيلم ترتبط بكونه صُوّر في بغداد الخمسينيات، داخل أزقة وبيوت حي الدرخانة القديم، الأمر الذي منحه طابعاً واقعياً نابعاً من البيئة المحلية، بعيداً من الديكورات المصطنعة. كما استعان المخرج بفريق فني ضم الفنانين يوسف العاني وجعفر السعدي، بينما كُتب السيناريو عن قصة “شجار” للأديب آدمون صبري. وقد اعتمد الفيلم على التصوير في مواقع حقيقية، مستفيداً من الإمكانات المتاحة آنذاك، في ظل غياب الأستوديوهات المتخصصة ومستلزمات الإنتاج المتطورة. وبعد خضوعه للرقابة، عُرض للمرة الأولى في بغداد بسينما “ميامي” يوم السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 1957، ثم رُشح للمشاركة في “مهرجان ستوكهولم” السينمائي عام 1959. ويؤكد المفرجي أن الفيلم اكتسب قيمته من قدرته على تقديم صورة اجتماعية واقعية لبغداد، ليصبح بمثابة سجل بصري لحياة الناس في تلك المرحلة، وأحد الأعمال المؤسسة للاتجاه الواقعي في السينما العراقية. فلم يكتفِ الفيلم بسرد حكاية اجتماعية، بل نقل السينما العراقية نحو الاهتمام بالإنسان العادي وتفاصيل حياته اليومية. من القصة إلى الفيلم يوضح كاتب السيناريو والروائي والأكاديمي ماهر مجيد إبراهيم، أن أحداث القصة القصيرة “شجار” للأديب آدمون صبري تدور حول موظف حكومي بسيط يدعى سعيد أفندي، ينتقل إلى منزل جديد بحثاً عن الاستقرار، لكنه يجد نفسه وسط بيئة اجتماعية تتسم بالتوترات اليومية وسوء الفهم بين الجيران. ويضيف “تبدأ الحكاية بخلاف بسيط بين الأطفال، سرعان ما يتطور إلى شجار يتدخل فيه الكبار، لتكشف الأحداث طبيعة العلاقات داخل المحلة البغدادية، بما فيها من اختلافات اجتماعية وتباين في مستويات الوعي والثقافة”. وقال إبراهيم إن القصة صدرت ضمن مجموعة للأديب آدمون صبري عام 1957، ومع محدودية التوثيق الخاص بتاريخ النشر الأدبي في العراق يصعب تحديد ما إذا كانت قد نُشرت قبل ذلك في الصحف، لكن تزامن إنتاج الفيلم مع تاريخ صدور المجموعة يشير إلى اطلاع المخرج كاميران حسني عليها واستثماره لها في بناء تجربته السينمائية. اعتمد الفيلم على التصوير في مواقع حقيقية مستفيداً من الإمكانات المتاحة آنذاك (مواقع التواصل) يلفت الكاتب والروائي ماهر مجيد الانتباه إلى أن القصة امتلكت مقومات جعلتها قابلة للتحويل إلى عمل سينمائي، قائلاً إنها تقدم واقعة اجتماعية بسيطة ولكنها غنية درامياً، ويمكن أن تحدث في أي حي بغدادي قديم. كما أن بناء الشخصيات يقوم على التباين الاجتماعي، فسعيد أفندي يمثل الشخصية المتعلمة والمثقفة، في مقابل شخصيات شعبية تنتمي إلى طبقات اجتماعية محدودة الإمكانات، مما أتاح بناء صراع درامي قائم على اختلاف الرؤى والتجارب. وشكّل المكان أحد عناصر الجذب الأساسية في القصة، فالأزقة البغدادية لم تكن مجرد إطار للأحداث، بل حملت هوية اجتماعية وبصرية واضحة. وطرحت القصة قضايا إنسانية مثل التعايش، وقبول الآخر، والتسامح، وهي موضوعات منحتها قابلية للمعالجة السينمائية ضمن إمكانات إنتاجية محدودة. يوضح السيناريست والروائي ماهر مجيد إبراهيم، أنه “عند كتابة السيناريو لم يتعامل كاميران حسني مع قصة (شجار) بوصفها نصاً مغلقاً، بل اتخذ منها نقطة انطلاق لبناء رؤية سينمائية خاصة. لذلك جاء الاقتباس متحرراً من النقل الحرفي، وأدخل السيناريو تحولات مهمة في البناء الدرامي والشخصيات. فقد ابتعد الفيلم عن بعض السمات الأدبية المرتبطة بالوصف والتأمل الداخلي، ومنح الصورة والمكان دوراً مركزياً في السرد. وأصبحت الأزقة والبيوت وحركة السكان وتفاصيل الحياة اليومية عناصر أساسية في تشكيل العالم السينمائي، بما ينسجم مع مبادئ الواقعية التي تعتمد على تصوير البيئة الحقيقية والاقتراب من الإنسان في محيطه الطبيعي. ويضيف “عمل السيناريو على تطوير شخصية سعيد أفندي وتعميق حضورها، حتى أصبحت شخصية محورية يحمل الفيلم اسمها، ومن شخصية داخل القصة إلى مركز درامي تتقاطع حوله الأحداث والعلاقات. كذا عزز السيناريو بمواقف وتفاصيل جديدة طورت الحبكة ورفعت من مستوى الصراع، ليمنح الفيلم قدرة أكبر على التأثير والتواصل مع الجمهور. وهكذا أصبح (سعيد أفندي) تجربة سينمائية أسست لعلاقة جديدة بين الفيلم والواقع العراقي، وجعلت من الحياة اليومية والمكان والإنسان العادي مادة أساسية لصناعة الصورة السينمائية”. ماذا لو أُنتج الآن؟ يرى المخرج السينمائي طارق الجبوري، أن إعادة إنتاج فيلم “سعيد أفندي” لا تعني استبدال الملابس القديمة بأخرى حديثة أو تحويل البيت البغدادي ذي الشناشيل إلى شقة معاصرة، بل تعني قبل كل شيء إعادة اكتشاف التحول العميق الذي أصاب الإنسان العراقي نفسه. ويؤكد أن “سعيد أفندي” لم يكن بطلاً فردياً بقدر ما كان تعبيراً عن الطبقة الوسطى العراقية في أواخر خمسينيات القرن الماضي؛ تلك الطبقة التي كانت ترى في التعليم والعمل والسمعة والكرامة رأس مال الإنسان الحقيقي، وتتعامل مع الوظيفة العامة بوصفها مسؤولية أخلاقية ومكانة اجتماعية، لا مجرد مصدر للعيش. ولهذا لم يكن الصراع في الفيلم بين الفقر والغنى، بل بين الكرامة والاحتياج، وبين الحفاظ على المبادئ وضغوط الواقع، داخل مجتمع كان محتفظاً ولا يزال بمنظومة قيم واضحة ومتماسكة. اقرأ المزيد السينما العراقية تتحدى الظروف وتبحث عن طريقها إلى العالمية عنقاء السينما العراقية تنهض من الدمار وتحلق عاليا سينما الثورة ومسرحها… في قلب ساحة التحرير البغدادية ساعة “القشلة” البغدادية… يديرها الزمن العراقي ويوقفها أما لو أُعيد إنتاج الفيلم اليوم، فإن الجبوري يرى أنه لن يكون عملاً درامياً هادئاً كما كان في نسخته الأولى بل سينما مشبعة بالتوتر النفسي، فـ”سعيد أفندي” المعاصر لن يكون الموظف المستقر الواثق من مكانته الاجتماعية، بل إنساناً يواجه ضغوط الحياة اليومية ويحاول الحفاظ على كرامته وسط ظروف اقتصادية واجتماعية متغيرة. وقد يكون معلماً يعمل خلال النهار، ويقود سيارة أجرة أو “توكتوك” في المساء لتأمين متطلبات الحياة، في صورة تعكس التحولات التي أصابت الطبقة الوسطى وتبدل موقعها داخل المجتمع. وعلى المستوى البصري، يقترح الجبوري الانتقال من واقعية الخمسينيات الهادئة إلى لغة سينمائية أكثر كثافة، تقوم على تصوير القلق الحضري الذي يعيشه الإنسان المعاصر، فبدلاً من التركيز على هدوء الأزقة القديمة تصبح الصورة مشغولة بملامح المدينة الحديثة، بوجوه مثقلة بالتعب، وأضواء الشوارع، وأصوات المولدات والمحركات التي تتحول إلى خلفية صوتية تعكس اختناق المدينة وسكانها. ويرى أن طبيعة الصراع الدرامي ستتغير، ففي فيلم 1957 كانت الأزمة تنشأ من احتكاك مباشر بين الجيران، ويمكن حلها بالحوار والمواجهة داخل المحلة، أما اليوم فقد أصبح الخصم أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، فقد يكون بيروقراطية إدارية، أو إشاعة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو مشكلة إلكترونية تعطل حياة الإنسان. لذلك لن تنتهي الحكاية بالمصالحة التقليدية بين سكان الحي، بل بصورة مفتوحة لـ”سعيد أفندي” وهو يقف أمام مدينة تغيرت ملامحها، محاطاً بأبراج الاتصالات وصحون الأقمار الصناعية، مدركاً أنه يواجه منظومة أكبر من قدرته على المواجهة المباشرة. لم يكتفِ بسرد حكاية اجتماعية، بل نقل السينما العراقية نحو الاهتمام بالإنسان العادي (السينما دوت كوم) ويتابع “أما التحول الأكبر فيظهر في صورة بغداد نفسها؛ فالمدينة التي ظهرت في الفيلم القديم بهويتها الاجتماعية والبصرية، فقدت كثيراً من ملامحها. اختفت رموز الأناقة التقليدية مثل السدارة والبدلة التي كانت تعبر عن الوقار والتمدن، وحلت محلها أنماط استهلاكية جديدة. كذا تغير الفضاء العمراني؛ فبغداد الخمسينيات كانت مدينة مفتوحة تتخللها الحدائق والبيوت ذات الشناشيل التي تسمح بدخول الضوء والهواء، بينما أصبحت المدينة المعاصرة أكثر ازدحاماً بالخرسانة، وتراجعت مساحات الحوار الاجتماعي مع انكماش الفضاءات المشتركة”. ويخلص الجبوري إلى أن الفيلم الأصلي كان يرصد فقراً مادياً داخل مجتمع غني بالقيم، أما النسخة المعاصرة فستكشف فقراً من نوع آخر؛ فقراً في المعنى داخل مجتمع يمتلك وسائل استهلاك كثيرة، لكنه فقد جانباً من الروابط التي كانت تمنح الحياة تماسكها. ولهذا فإن إعادة إنتاج “سعيد أفندي” لن تكون استعادة للماضي، بل قراءة للحاضر؛ فالفيلم في جوهره لم يكن عن موظف حكومي فقط، وإنما عن علاقة الإنسان بالمدينة، والفرد بالمجتمع، والقيم بالتحولات الزمنية. الذي ولد من جديد لا تمثل عملية ترميم الأفلام العراقية القديمة مجرد معالجة تقنية لشريط سينمائي تعرض للتلف، بل هي مشروع لاستعادة الذاكرة الثقافية والحضارية للعراق. فالفيلم ليس مادة ترفيهية فقط، وإنما وثيقة بصرية تختزن تفاصيل الحياة اليومية، وتقدم صورة عن الإنسان والمكان والتحولات الاجتماعية التي قد لا تستطيع الوثائق المكتوبة نقلها بالوضوح نفسه. ويؤكد مدير المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية حسن السوداني، أن الدراسات الحديثة في مجالات الأرشيف والسينما والذاكرة الجماعية تنظر إلى الفيلم بوصفه وعاء للذاكرة الثقافية، قادراً على حفظ تفاصيل المجتمعات عبر الصورة والصوت والحركة. ويستند السوداني إلى مفهوم «أماكن الذاكرة» (Les Lieux de Mémoire) للمؤرخ الفرنسي بيير نورا، الذي يرى أن المجتمعات الحديثة تحافظ على ذاكرتها من خلال وسائط مادية ورمزية، من بينها الصور والأفلام التي تتحول إلى خزائن تحفظ الماضي عندما يتراجع الاعتماد على الذاكرة الشفوية. ويلخص المخرج العالمي أورسون ويلز هذه الفكرة بقوله “الفيلم شريط يحتفظ بالزمن”، وهي عبارة تختصر قدرة السينما على تثبيت لحظة تاريخية وإبقائها متاحة للأجيال اللاحقة. ويؤكد السوداني أن فقدان فيلم بسبب الإهمال أو التلف لا يعني ضياع عمل فني فقط، بل فقدان جزء من تاريخ المجتمع وذاكرته؛ لأن الفيلم يحمل في مشاهده تفاصيل الإنسان والمكان والزمن، ويشكل مصدراً بصرياً لا يمكن تعويضه. ولا تقتصر أهمية السينما على حفظ صورة المكان، بل تمتد إلى تخليد وجوه السينمائيين والممثلين والفنيين الذين أسهموا في بناء التجربة السينمائية العراقية. فكثير من رواد السينما العراقية رحلوا من دون توثيق كاف لتجاربهم، إلا أن أعمالهم بقيت شاهداً على عطائهم وإسهاماتهم. ويذكر السوداني أن “كثيراً من أرشيفنا الفيلمي محفوظ في العالم، وهناك تعاون دولي مع بريطانيا وروسيا وأميركا وفرنسا لاسترداد هذا الأرشيف، ولدينا خطة للذهاب إلى السينماتك الفرنسي لاسترداد عدد من الأفلام المحفوظة في الأرشيف الفرنسي، على أن ترمم بعد إعادتها صورة وصوتاً، لنحتفظ بعد ذلك بنسخة رقمية من الفيلم وأخرى أرشيفية لضمان عدم ضياع الفيلم مستقبلاً”. في حفل الافتتاح، كاميران حسني (الثالث من اليسار) إلى جانب زوجته الأميركية والممثلة في الفيلم (السينما دوت كوم) لم يكن مشروع ترميم الأفلام العراقية مجرد مبادرة تقنية، بل جاء بوصفه خطوة ثقافية تهدف إلى إنقاذ جزء مهم من الذاكرة السينمائية الوطنية. فالأفلام التي أنتجها العراق عبر عقود طويلة تعرضت لعوامل التلف والإهمال، مما جعل الحفاظ عليها ضرورة تتجاوز الجانب الفني لتصل إلى حماية التاريخ الثقافي للبلاد. ويذكر السوداني، أنه في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 تم توقيع مذكرة تفاهم مع السفير الفرنسي باتريك دوريل، تضمنت إسهام الجانب الفرنسي في دعم مشروع ترميم الأفلام العراقية القديمة، من خلال تدريب كوادر عراقية متخصصة وتوفير الأجهزة اللازمة لاستمرار العمل. موضحاً أن المشروع نُفذ بالشراكة مع مركز خبراء فرنسا وبالتعاون مع مؤسسة INA للفنون السمعية والبصرية، بهدف بناء فريق عراقي يمتلك الخبرة التقنية في مجال ترميم الأفلام، ليكون قادراً على إدارة هذا الملف مستقبلاً. وفي هذا السياق، تم اختيار مجموعة من الشباب العراقيين، من بينهم وارث كويش وأحمد الديوان وحيدر العابدي وأحمد السامر، لتلقي التدريب داخل العراق وفرنسا، بهدف تشكيل نواة أول فريق وطني متخصص في ترميم الأفلام، ثم توسيع دائرة المشاركة بإشراك كوادر أخرى لتعزيز الخبرات المحلية، وفق السوداني الذي يشير إلى أن المشروع لا يزال مستمراً، ومن المقرر أن يصل إلى مرحلته النهائية في مارس (آذار) 2027، حيث ستُعلن الحصيلة النهائية للأفلام التي شملها الترميم. وأورد مدير المشروع أن الترميم يمر بثلاث مراحل رئيسة؛ الأولى تبدأ بجرد الأفلام وتصنيفها وتقييم حالتها الفنية، وقد أُنجزت بالكامل. أما الثانية فتتضمن تنظيف الأفلام وفحصها يدوياً وتجهيزها للمسح الضوئي، وهي المرحلة التي يجري العمل عليها حالياً. وتشمل الثالثة المسح الضوئي وتحويل الأفلام إلى نسخ رقمية، وهي المرحلة التي ستقدم هذه الأعمال للأجيال الجديدة وتحميها من التلف المستقبلي. أبعد من إصلاح الصورة الأستاذ في قسم السينما صباح الموسوي، يوضح أنه لا يمكن النظر إلى ترميم الأفلام بوصفه عملية تقنية تهدف إلى تحسين جودة الصورة والصوت فقط، بل يعد فعلاً ثقافياً يحافظ على أحد مصادر المعرفة والتاريخ. فالأفلام الروائية، حتى عندما لا تكون مهمتها تسجيل الأحداث التاريخية بصورة مباشرة، فهي توثق واقع عصرها بصورة غير مباشرة من خلال الشخصيات والأمكنة واللغة والعادات وأنماط التفكير، لذا أصبحت صيانة الأفلام والحفاظ عليها جزءاً من اهتمام المؤسسات الثقافية العالمية منذ وقت مبكر. وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول أرشيف للأفلام أُنشئ في باريس عام 1919 بهدف حفظ الأفلام الوثائقية القديمة، ثم شهدت ثلاثينيات القرن الـ20 إنشاء مؤسسات متخصصة مثل الأرشيف الوطني للأفلام في لندن ونيويورك، لتتبعها مؤسسات أخرى في باريس وبرلين وموسكو. ويضيف الموسوي “تأسس الاتحاد الدولي لأرشيفات الأفلام (FIAF) عام 1938، وأصبح لاحقاً إحدى أهم المؤسسات العالمية المعنية بحماية التراث السينمائي وصيانة الأفلام. وتنبع أهمية الترميم من كون الفيلم جزءاً من التراث الثقافي للمجتمع؛ فهو حلقة وصل بين الماضي والحاضر، ويساعد الأجيال على فهم تاريخها واستعادة علاقتها بجذورها. فالماضي لا يمثل زمناً منقطعاً، بل عنصراً أساساً في بناء الهوية واستمرار الوعي الجماعي. ومن هنا يصبح الحفاظ على الأفلام العراقية القديمة حفاظاً على الذاكرة الوطنية نفسها؛ لأن كل مشهد يحمل أثراً من حياة الناس، وكل صورة تختزن جانباً من تاريخ المجتمع، وكل فيلم محفوظ يمثل جسراً يصل بين أجيال لم تعش تلك المرحلة وأخرى كانت شاهدة عليها. بهذا المعنى، فإن ترميم “سعيد أفندي” لا يعيد فيلماً قديماً إلى الحياة فقط، بل يعيد زمناً كاملاً إلى الذاكرة؛ بغداد بأحيائها وأناسها ولغتها وتفاصيلها، ويؤكد أن السينما ليست فناً عابراً، بل وثيقة إنسانية تحفظ ما قد يفقده الزمن. المزيد عن: السينما العراقية التراث السينمائي ترميم الأفلام الذاكرة السينمائية فيلم سعيد أفندي آدمون صبري 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post رحيل الموسيقار المصري هاني شنودة… مُكتشف النجوم ورائد التجديد next post حمامات السباحة في مصر… بيزنس خارج الرقابة You may also like رحيل الموسيقار المصري هاني شنودة… مُكتشف النجوم ورائد... 20 يوليو، 2026 على خُطى «فلوبير»… في أحضان منطقة الـ«نورماندي» 19 يوليو، 2026 “الملاح”يصل إلى ضفاف اللايقين في رواية إيطالية 19 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: “متروبوليس” مغامرة سينمائية بين... 19 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: نصوص جاك دريدا... 19 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: ساعة غيظ وإحباط... 19 يوليو، 2026 ظافر يوسف يصهر الجاز بالموسيقى العربية والنفس الصوفي 18 يوليو، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: هل ظلمت رابطة... 18 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: عندما “يتحرر” أراغون... 18 يوليو، 2026 هل حجبت جائزة “الملتقى” للقصة العربية القصيرة؟ 18 يوليو، 2026