سبق رؤساء لبنانيون عون إلى البيت الأبيض بين عامي 1982 و2009 (اندبندنت عربية) عرب وعالم سوسن مهنا في “اندبندنت عربية”: عون أمام الاختبار الأميركي… هل تتكرر تجربة أمين الجميل؟ by admin 20 يوليو، 2026 written by admin 20 يوليو، 2026 21 الاختبار الحقيقي لزيارة الرئيس اللبناني ليس حجم الاستقبال في البيت الأبيض، بل الأجوبة التي سيعود بها اندبندنت عربية / سوسن مهنا صحافية @SawsanaMehanna تأتي زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، التي بدأت نهار السبت الـ18 من يوليو (تموز) الجاري، في لحظة لا تشبه الزيارات البروتوكولية التقليدية. فهي أول زيارة يقوم بها رئيس لبناني إلى الولايات المتحدة منذ عام 2009، وتأتي بعد توقيع اتفاق الإطار اللبناني -الإسرائيلي برعاية أميركية، وفيما انتقلت المفاوضات التنفيذية إلى روما، لا تزال قضايا الانسحاب الإسرائيلي، وحصرية السلاح، وانتشار الجيش، والضمانات الأمنية بلا حلول نهائية واضحة. لبنان ساحة تتقاطع فيها ملفات إقليمية كثيرة تكتسب الزيارة أهميتها من حقيقة تاريخية أساسية، بأن الولايات المتحدة لم تتعامل مع لبنان يوماً باعتباره أولوية مستقلة ودائمة، بل باعتباره ساحة تتقاطع فيها ملفات أكبر، الصراع العربي -الإسرائيلي، والفلسطينيون، والنفوذ السوري، والأمن الإسرائيلي، وإيران، ومكافحة الإرهاب، ثم ملف “حزب الله”. والجدير الإشارة إليه، أنه لم يقم أي رئيس أميركي وهو في منصبه بزيارة رسمية إلى لبنان حتى اليوم، فيما زار بيروت وزراء خارجية أميركيون ومسؤولون كبار، وزارها نائب الرئيس ليندون جونسون عام 1962 في عهد الرئيس جون كينيدي، ونائب الرئيس جو بايدن (الرئيس السابق) عام 2009 في عهد الرئيس باراك أوباما. في المقابل، زار ثلاثة رؤساء لبنانيين واشنطن بين 1982 و2009، والتقوا رؤساء أميركيين، وإن تفاوت مستوى هذه الزيارات بين زيارة عمل رسمية، ولقاء في البيت الأبيض، ولقاء على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا الغياب ليس تفصيلاً بروتوكولياً فحسب، فهو يعكس موقع لبنان في سلم الأولويات الأميركية، بلد مهم استخباراتياً وسياسياً وأمنياً، لكن ليس شريكاً استراتيجياً من مستوى دول كبرى في المنطقة، مثل إسرائيل أو مصر أو السعودية. لذلك غالباً ما يأتي المسؤولون الأميركيون إلى لبنان لإدارة أزمة، بينما يدعى المسؤول اللبناني إلى واشنطن عندما تريد الولايات المتحدة تثبيت التزام، أو انتزاع موقف، أو إدخال لبنان في ترتيب إقليمي. الرئيس أمين الجميل في البيت الأبيض (أرشبف الرئيس رونالد ريغان) أبرز زيارات الرؤساء والمسؤولين اللبنانيين إلى الولايات المتحدة يظهر السجل الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية أن الزيارات الرئاسية اللبنانية إلى واشنطن كانت محدودة ومتباعدة، وكان الرئيس أمين الجميل قام بثلاث زيارات بارزة خلال الحرب الأهلية، في أكتوبر (تشرين الأول) 1982، ويوليو 1983، وبين الـ30 من نوفمبر (تشرين الثاني) والثالث من ديسمبر (كانون الأول) 1983. والتقى الرئيس إلياس الهراوي الرئيس جورج بوش الأب في نيويورك عام 1991، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك بعد انتهاء الحرب الأهلية (1975 – 1990) وتطبيق اتفاق الطائف، ثم التقى الرئيس بيل كلينتون خلال زيارة خاصة عام 1996. وقام الرئيس ميشال سليمان بزيارة عمل في سبتمبر (أيلول) 2008، شارك فيها في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وزيارة رسمية إلى واشنطن في ديسمبر 2009، حيث التقى الرئيس أوباما حينها. وبين هذه المراحل، كان رؤساء الحكومات، خصوصاً رفيق الحريري وفؤاد السنيورة، أكثر حضوراً في واشنطن من رؤساء الجمهورية. ومنذ نهاية الحرب الأهلية تحول جانب كبير من العلاقة الأميركية – اللبنانية من الرئاسة إلى رئاسة الحكومة، ولا سيما في عهد رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، بسبب طبيعة النظام بعد الطائف، وبسبب النفوذ السوري على رئاسة الجمهورية، ثم بسبب ارتباط الملفات الاقتصادية والإعمارية والدبلوماسية بالحكومات. وعليه تعيد زيارة الرئيس عون، ومن هذه الزاوية، مقام رئاسة الجمهورية إلى مركز العلاقة المباشرة مع البيت الأبيض، وتأتي بعد 17 عاماً على آخر لقاء رئاسي لبناني – أميركي بهذا المستوى. متى وقفت أميركا إلى جانب النظام اللبناني لم تكن العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة يوماً علاقة مستقرة تسير في خط واحد، بل عرفت صولات وجولات تراوحت ما بين الدعم السياسي والعسكري، والاحتواء الدبلوماسي، ثم التراجع عند أول تبدل في الأولويات الإقليمية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، حضر لبنان في الحسابات الأميركية بوصفه مساحة توازن دقيقة بين الشرق والغرب، ثم تحول خلال الحرب الأهلية إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية والسورية والفلسطينية وأيضاً المصالح الإيرانية. وقفت واشنطن إلى جانب الدولة اللبنانية في محطات مفصلية، من إنزال قواتها في بيروت عام 1958 فيما عرف بـ”إنزال المارينز” دعماً للرئيس السابق كميل شمعون، إلى دعم المؤسسات والجيش، والمساهمة في إنهاء الحرب عبر اتفاق الطائف، ثم الضغط لإخراج جيش النظام السوري عام 2005. لكنها في محطات أخرى تركت لبنان في منتصف الطريق، عندما قبلت بالوصاية السورية، أو انسحبت عسكرياً بعد تفجير مقر المارينز عام 1983، أو قدمت الأمن الإسرائيلي والتسويات الإقليمية على السيادة اللبنانية. لذلك لا يمكن قراءة أية زيارة رئاسية لبنانية إلى واشنطن بمعزل عن هذا التاريخ المتقلب، تاريخ لم تكن فيه أميركا حليفاً دائماً ولا خصماً بالتأكيد، بل قوة كبرى اقتربت من لبنان كلما احتاجت إلى دوره، وابتعدت عنه كلما ارتفعت كلفة حمايته أو تبدلت أولوياتها في المنطقة. القوات الأميركية في بيروت عام 1958 (ا ف ب) عام 1958 أول اختبار عسكري كانت أزمة 1958 أول اختبار عسكري مباشر للعلاقة، عندما طلب الرئيس كميل شمعون مساعدة الولايات المتحدة في مواجهة اضطرابات داخلية متصلة بالصراع بين المعسكر الغربي والمد الناصري (نسبة إلى الرئيس المصري السابق جمال عبدالناصر). وفي الـ15 من يوليو من ذلك العام، أنزلت إدارة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور قوات من المارينز على شاطئ العاصمة بيروت. وكانت المهمة الأميركية المعلنة دعم الحكومة اللبنانية، وحماية استقلال الدولة وسلامتها، وحماية المواطنين والمصالح الأميركية. وتظهر الوثائق الأميركية أن التدخل جاء بطلب من الحكومة اللبنانية وبعد قرار رسمي، وأن واشنطن كانت تخشى انتقال تداعيات الثورة العراقية والنفوذ الناصري إلى لبنان. لكن الولايات المتحدة لم تدخل المعركة إلى جانب شمعون حتى النهاية، ولم تفرض تمديد ولايته، بل أسهمت في إنتاج تسوية انتهت بانتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً، ثم بدأت سحب قواتها، بحلول أكتوبر من العام نفسه. هنا يتضح المسار الذي سيتكرر لاحقاً، إذ إن أميركا وقفت إلى جانب استمرار الدولة والنظام، لكنها لم تقف بالضرورة إلى جانب المشروع السياسي الكامل للرئيس شمعون. أنقذت التوازن، ثم دفعت إلى تسوية داخلية، وبمعنى آخر دعمت لبنان كي لا يسقط، لكنها لم تمنح طرفاً لبنانياً تفويضاً مفتوحاً للانتصار على خصومه. وهذا النموذج سيتكرر، أي التدخل الأميركي يكون قوياً عندما يكون الهدف منع الانهيار، لكنه يصبح أكثر حذراً عندما يتطلب الأمر إعادة تشكيل النظام الداخلي بالقوة. عندما قبلت واشنطن بالوصاية السورية مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، لم تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً لإنقاذ الدولة اللبنانية. والأهم أن الوثائق الأميركية تكشف عن أن إدارة الرئيس جيرالد فورد، فيما كان وزير الخارجية حينها هنري كيسنجر، تعاملت ببراغماتية شديدة مع التدخل السوري عام 1976، مرتكزة على المصالح الجيوسياسية. كان كيسنجر يرى أن التدخل السوري يمكن أن يمنع انتصار الحركة الوطنية اللبنانية (بقيادة الزعيم الدرزي كمال جنبلاط) والفصائل الفلسطينية، وأن يضبط التوازن بما يخدم الاستقرار الإقليمي وأمن إسرائيل، وهو الذي قال في أحد تصريحاته إن التدخل السوري في لبنان قد يكون مفيداً “لعام أو عامين” لقدرته على كبح الفصائل المتشددة وتحقيق الاستقرار في المنطقة، إلا أنه حذر من أن استمرار هذا التدخل فترة أطول سيؤدي إلى تضخم النفوذ السوري ويخلق “مشكلة ضخمة” للولايات المتحدة. ونسقت واشنطن مع إسرائيل في شأن الخطوط التي لا ينبغي للجيش السوري تجاوزها، وذلك بحسب مقالات صادرة عن جامعة أكسفورد. هنا يمكن القول إن الولايات المتحدة تركت لبنان في منتصف الطريق، بل أسهمت عملياً في قبول صيغة جعلت سوريا القوة المهيمنة عليه. لم يكن الهدف الأميركي حماية السيادة اللبنانية بمعناها الكامل، بل منع انتصار معسكر اعتبرته واشنطن أكثر خطراً، وضمان ألا يتحول لبنان إلى قاعدة فلسطينية – يسارية تهدد إسرائيل. وهذه إحدى أهم الشوائب التاريخية في العلاقة، عندما تعارضت سيادة لبنان مع الحاجة الأميركية إلى ضبط الحرب، اختارت واشنطن “الاستقرار السوري” على استقلال القرار اللبناني. أميركا تخرج “منظمة التحرير” بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحصار بيروت، لعب المبعوث الأميركي فيليب حبيب دوراً محورياً في التوصل إلى اتفاق خروج “منظمة التحرير الفلسطينية” من بيروت، وشاركت قوة متعددة الجنسيات، تضم قوات أميركية، في الإشراف على عملية الإجلاء. لكن القوات الأميركية انسحبت في الـ10 من سبتمبر، بعد وقت قصير من اكتمال خروج المنظمة، على رغم أن وجود القوة الدولية كان جزءاً من الضمانات السياسية والأمنية المرتبطة بحماية المدنيين. وبعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل في الـ14 من سبتمبر، دخل الجيش الإسرائيلي “بيروت الغربية”، ووقعت مجزرة مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين بين الـ16 والـ18 من ذلك الشهر، إثر ذلك عادت القوات الأميركية إلى بيروت ضمن قوة متعددة الجنسيات جديدة، وبمشاركة وحدات فرنسية وإيطالية، وبناءً على طلب من الحكومة اللبنانية لمساعدة السلطة الشرعية على بسط سيطرتها. هذه المحطة رسخت فكرة أن واشنطن تستطيع أن ترعى اتفاقاً وتقدم ضمانات سياسية، لكنها قد تنسحب قبل بناء الآلية القادرة على حماية هذه الضمانات. أمين الجميل والبيت الأبيض لم يحظ رئيس لبناني في زمن الحرب بما حظي به أمين الجميل من لقاءات ودعم معلن في واشنطن، وزار الولايات المتحدة ثلاث مرات خلال نحو 14 شهراً، والتقى رونالد ريغان الذي أعلن أن سياسة بلاده تقوم على انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان، ودعم حكومة مركزية قوية، وتأمين الحدود الشمالية لإسرائيل. دعمت واشنطن عهد الجميل سياسياً وعسكرياً، وأسهمت في تدريب الجيش اللبناني، وأرسلت المارينز، ورعت اتفاق الـ17 من (مايو) أيار 1983 بين لبنان وإسرائيل، الذي كان يفترض أن ينظم الانسحاب الإسرائيلي ويعيد ترتيب العلاقات الأمنية بين البلدين، لكن الاتفاق اصطدم بالرفض السوري وبانقسام لبناني واسع، وعندما انسحبت إسرائيل من منطقة الجبل في سبتمبر 1983 من دون ترتيبات انتقالية متماسكة، انفجرت حرب الجبل، وانفجرت فيها المواجهات بين الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط والجيش اللبناني والقوات اللبنانية. اقرأ المزيد روبيو يلتقى عون ويشيد بشجاعة لبنان وجهوده الحازمة لاستعادة السيادة عون في أميركا… هل تجاوز لبنان أخيرا العقدة الإيرانية؟ 17 مايو 1983… اتفاق سلام منسي فهل ظلم التاريخ أمين الجميل؟ هل شوه تفجير موقع المارينز العلاقات اللبنانية – الأميركية؟ نعم، وبصورة معقدة، في الـ18 من أبريل (نيسان) 1983، استهدفت السفارة الأميركية لدى بيروت بتفجير أدى إلى مقتل عشرات الأشخاص، بينهم دبلوماسيون وموظفون أميركيون، ثم في الـ23 من أكتوبر من العام نفسه، استهدف مقر المارينز قرب مطار بيروت بشاحنة مفخخة، فقتل نحو 250 أميركياً، و90 فرنسياً، حيث اقتحمت شاحنة ملغمة مقر وحدات مشاة البحرية الأميركية في بيروت، وأخرى مقراً للقوات الفرنسية وأوقعت بهما انفجارين هائلين، ووجهت أصابع الاتهام فوراً إلى التنظيمات المسلحة التي تعمل لمصلحة إيران، بعد تبنيها رسمياً من قبل فصيل مغمور أطلق على نفسه اسم “حركة الجهاد الإسلامي”. وكان ذلك من أكبر الخسائر التي تعرضت لها القوات الأميركية في هجوم واحد منذ الحرب العالمية الثانية. وبعد التفجير قالت واشنطن إن العناصر الإيرانية في لبنان تعمل من “خلف الخطوط” السورية “وهم متحالفون معها، ويجب أن تتحمل سوريا قسطاً من المسؤولية عن أي أعمال إيرانية في لبنان”. لكن التفجير لم يؤد إلى قطع العلاقات مع الدولة اللبنانية، ولم تعتبر واشنطن لبنان الرسمي مسؤولاً عنه. وبعد أسابيع من وقوعه، استقبل ريغان أمين الجميل في البيت الأبيض في ديسمبر 1983، وأكد استمرار الدعم للبنان. تداعيات التفجير مع ذلك، تركت الحادثة ثلاث نتائج عميقة، إذ تحول لبنان في الوعي الأمني الأميركي من بلد صديق إلى بيئة عالية الأخطار، وأصبحت السفارة، والجنود، والرهائن، والتنظيمات المسلحة، جزءاً مركزياً من صورة لبنان داخل المؤسسات الأميركية. ونشأ ما يمكن تسميته “عقدة بيروت” في السياسة الأميركية، أي الخوف من إرسال قوات برية إلى نزاع داخلي غامض، من دون مهمة عسكرية محددة، أو حلفاء موحدين، أو مخرج واضح. وأثبت الانسحاب العسكري الأميركي من لبنان أن الضربة العسكرية الكبرى يمكن أن تغير القرار الأميركي، فعلى رغم إعلان ريغان أن الولايات المتحدة لن تتراجع، قررت إدارته في فبراير (شباط) 1984 سحب قوات المارينز من مواقعهم البرية في مطار بيروت إلى متنزه السفن الحربية قبالة الشاطئ. وظل الأسطول البحري الأميركي متمركزاً قبالة السواحل اللبنانية كقوة ردع وتقديم للدعم، قبل أن تنهي واشنطن مشاركتها رسمياً في قوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في أواخر مارس (آذار) 1984. إذاً، لم تفسد حادثة المارينز العلاقة الدبلوماسية مع لبنان، لكنها غيرت طبيعة الالتزام الأميركي به. وبعد 1984، بقي الدعم السياسي ممكناً، والمساعدات العسكرية ممكنة، لكن نشر قوات أميركية للدفاع عن الدولة اللبنانية أصبح غير ممكن. لم تستطع حماية المشروع الذي رعته لم تكتف الولايات المتحدة بالانسحاب العسكري، فمع انهيار اتفاق الـ17 من مايو وتصاعد الضغط السوري، لم تستطع حماية المشروع الذي رعته، ولم تمنع سقوط مناطق الدولة، ولم تفرض انسحاب القوات السورية أو الإسرائيلية. وكان أمين الجميل قد راهن على دعم أميركي يعيد بناء سلطة الدولة، لكن واشنطن اكتشفت أن تحقيق هذا الهدف يتطلب مواجهة طويلة مع سوريا، وإسرائيل، والقوى اللبنانية المسلحة، وإيران، من دون تأييد داخلي أميركي، فتراجعت. هذه هي ربما أوضح حال تاريخية تنطبق عليها عبارة “أميركا بدأت مشروعاً لبنانياً كبيراً ولم تكمله”، لكن من الضروري الإشارة إلى أن المسؤولية لم تكن أميركية وحدها، فقد كان لبنان منقسماً، والجيش لم يكن موحداً بالكامل، واتفاق الـ17 من مايو لم يحظ بإجماع داخلي، وسوريا امتلكت قدرة عسكرية وسياسية أكبر من قدرة واشنطن على تغييرها من دون حرب واسعة. رؤساء لبنانيون زاروا البيت الأبيض (اندبندنت عربية) دعم إنهاء الحرب مقابل التسليم بالنفوذ السوري دعمت الولايات المتحدة اتفاق الطائف عام 1989، وشاركت، إلى جانب السعودية، في توفير الغطاء الدولي والإقليمي لإنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضغطت سياسياً لإنهاء تمرد قائد الجيش السابق العماد ميشال عون آنذاك، لكن مع اجتياح العراق للكويت عام 1990، احتاجت واشنطن إلى مشاركة سوريا في التحالف الدولي ضد صدام حسين، وهذا ما حصل. وفي مقابل المشاركة السورية، قبلت الولايات المتحدة عملياً ببقاء النفوذ العسكري والسياسي السوري في لبنان، على رغم أن الطائف كان ينص على ترتيبات لإعادة انتشار القوات السورية خلال أعوام قليلة. ثم في الـ13 من أكتوبر 1990، شن الجيش السوري هجوماً أنهى تمرد حكومة العماد ميشال عون العسكرية، ولم تعترض الولايات المتحدة على العملية، بل اعتبرها كثير من الباحثين جزءاً من المناخ السياسي الذي رافق التعاون الأميركي – السوري في حرب الخليج. هنا وقفت أميركا إلى جانب إنهاء الحرب وإعادة المؤسسات، لكنها لم تقف إلى جانب استعادة السيادة كاملة، وبالنسبة إلى واشنطن كان استقرار لبنان تحت المظلة السورية أقل خطراً من عودة الحرب، وأكثر فائدة لترتيب ما بعد غزو الكويت. إعادة الإعمار تحت سقف دمشق خلال عهد إلياس الهراوي وحكومات رفيق الحريري، دعمت الولايات المتحدة إعادة إعمار لبنان، وعقدت لقاءات متكررة مع القيادة اللبنانية، لكنها تعاملت في الوقت نفسه مع سوريا باعتبارها صاحبة النفوذ الحاسم في الملف اللبناني. وزار الهراوي الولايات المتحدة والتقى جورج بوش الأب عام 1991 وبيل كلينتون عام 1996، بينما تكررت زيارات رفيق الحريري إلى واشنطن في أعوام 1993 و1996 و1998 و2001 و2002. كانت واشنطن تريد لبنان مستقراً ومنفتحاً اقتصادياً، وتدعم مؤسساته، لكنها لم تكن مستعدة لكسر الهيمنة السورية ما دامت دمشق شريكاً ضرورياً في عملية السلام العربية – الإسرائيلية. وبعبارة أدق، دعمت أميركا الدولة اللبنانية وظيفياً، لكنها لم تدعم استقلال قرارها كاملاً. الوقوف الأميركي الأوضح مع استقلال لبنان بدأ التحول الحقيقي مع القرار الدولي 1559 عام 2004، الذي طالب بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان وحل الميليشيات ونزع سلاحها. وبعد اغتيال رفيق الحريري في الـ14 من فبراير 2005، مارست إدارة جورج بوش الابن، إلى جانب فرنسا وقوى دولية وعربية، ضغطاً واسعاً أدى إلى انسحاب الجيش النظام السوري السابق في أبريل 2005. كانت هذه من أوضح المحطات التي وقفت فيها الولايات المتحدة إلى جانب مطلب لبناني سيادي مباشر، فقد تلاقت التحركات الشعبية الداخلية مع استراتيجية أميركية تقوم على الضغط على سوريا وعزلها بعد غزو العراق، لكن حتى هذه اللحظة لم تكن خالية من الحسابات، أي إن دعم السيادة اللبنانية جاء أيضاً ضمن صراع أميركي مع نظام بشار الأسد، وليس انطلاقاً من التزام مجرد بلبنان. لبنان تحت النار خلال حرب يوليو بين إسرائيل و”حزب الله” عام 2006، دعمت إدارة جورج بوش حكومة فؤاد السنيورة وقوى “14 آذار”، لكن وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كوندوليزا رايس، رفضت الضغوط الدولية والعربية المبكرة لوقف إطلاق النار، معتبرة أن أي وقف عاجل من دون شروط سياسية يمثل “وعداً كاذباً”، وصرحت حينها بأن العنف الدائر هو “آلام مخاض ولادة شرق أوسط جديد”، وشعر كثير من اللبنانيين حينها بأن واشنطن تركت لبنان يتعرض للتدمير كي تتمكن إسرائيل من إضعاف “حزب الله”. وفي المقابل، أسهمت الولايات المتحدة لاحقاً في إصدار القرار 1701، وتوسيع دور “اليونيفيل”، ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني. وتعتبر هذه المحطة نموذجية للازدواجية الأميركية، إذ دعمت الدولة اللبنانية سياسياً، لكنها أعطت الأولوية للأهداف الأمنية الإسرائيلية خلال الحرب. ومنذ حرب 2006 أصبح دعم الجيش أكثر عناصر السياسة الأميركية استمرارية. تنظر واشنطن إلى الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوطنية الوحيدة القادرة، نظرياً، على احتكار القوة وضبط الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة، لكن هذا الدعم بقي محكوماً بسقفين، ألا يؤدي إلى تهديد التفوق العسكري الإسرائيل، وألا تستفيد منه جهات مرتبطة بـ”حزب الله”. لهذا قدمت الولايات المتحدة مساعدات وتدريباً وتسليحاً للجيش، لكنها لم تزوده بأسلحة استراتيجية من شأنها تعديل موازين القوة مع إسرائيل. ماذا تعني زيارة جوزاف عون مقارنة بالتاريخ؟ تختلف زيارة جوزاف عون عن زيارة أمين الجميل عام 1983، لكنها تحمل بعض أوجه الشبه. ذهب الجميل إلى واشنطن طالباً تثبيت الدولة وانسحاب القوات الأجنبية، فيما كانت الولايات المتحدة ترعى اتفاقاً لبنانياً – إسرائيلياً مرفوضاً من سوريا وقوى لبنانية. ويذهب عون اليوم فيما ترعى واشنطن اتفاق إطار مع إسرائيل، وتطالب بترسيخ سلطة الدولة وحصرية السلاح، وسط رفض “حزب الله” واعتراض إيران، وفي ظل بقاء قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. ويكمن التشابه في أن واشنطن تريد مجدداً بناء ترتيب أمني يقوم على ثلاثة عناصر، انسحاب إسرائيلي مرتبط بشروط أمنية، وتوسيع سلطة الدولة والجيش، وتحييد لبنان عن صراعات القوى الإقليمية. أما الاختلاف فهو أن الولايات المتحدة لا تنشر قواتها في لبنان هذه المرة، ولا تتحمل مباشرة كلفة التنفيذ، بل تطلب من الدولة اللبنانية والجيش تنفيذ الالتزامات، بينما تبقي أدوات الضغط والضمانات والانسحاب الإسرائيلي خاضعة للتفاوض. أسئلة كثيرة ترافق زيارة الرئيس عون في المحصلة، تكمن المعضلة في أن الولايات المتحدة لم تكن دائماً حليفة أو عدوة للبنان، بل دعمته في معظم الأحيان بوصفه وظيفة داخل نظام إقليمي، حاجزاً أمام التوسع الناصري، أو ساحة لضبط الفلسطينيين، أو دولة تحت النفوذ السوري، أو نموذجاً للاستقلال بعد 2005، أو قاعدة لمواجهة نفوذ إيران و”حزب الله”. واليوم يمكن لزيارة الرئيس عون أن تكون فرصة تاريخية، شرط ألا تتحول إلى تكرار لتجربة أمين الجميل، أي التزامات لبنانية فورية في مقابل وعود أميركية غير محددة، وانسحاب إسرائيلي مؤجل، وضمانات قابلة للتبدل مع أول تحول في أولويات واشنطن. والاختبار الحقيقي للزيارة ليس حجم الاستقبال في البيت الأبيض، بل الأجوبة التي سيعود بها الرئيس عون عن أسئلة محددة، هل تضمن الولايات المتحدة جدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب الإسرائيلي؟ وهل يكون نزع السلاح جزءاً من مسار متزامن، أم شرطاً لبنانياً مسبقاً بلا مقابل؟ وهل تلتزم واشنطن تسليح الجيش وتمويله وتمكينه سياسياً، أم تكتفي بتكليفه مهمة تفوق قدراته؟ وهل تمنع إسرائيل من فرض وقائع حدودية جديدة خلال المفاوضات؟ وهل تعتبر الاتفاق التزاماً أميركياً طويل الأمد، أم مجرد ورقة ضمن تفاهماتها المتغيرة مع إسرائيل وإيران؟ يقول تاريخ العلاقات إن الوعود الأميركية تكون قوية بقدر وجود آلية تنفيذ ومصلحة أميركية مستمرة خلفها، أما الاعتماد على الكلام السياسي وحده، فقد جربه لبنان أكثر من مرة، وكانت النتيجة غالباً أن تتغير واشنطن قبل أن تتغير الوقائع على الأرض. المزيد عن: جوزاف عون البيت الأبيض أمين الجميل العلاقات الأميركية اللبنانية تفجير المارينز دونالد ترمب 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post جغرافيا القلق… ما فعله الحاجز الإسرائيلي بالنفسية الفلسطينية next post حامد الكناني في “اندبندنت عربية”: أزمة “جنون البقر” فجّرت خلافا تجاريا بين بريطانيا والأردن You may also like إيران ترفع أسعار البنزين… كلفة الحرب على كاهل... 20 يوليو، 2026 بارو يندد بـ “عمل ترهيبي” إيراني بحق دبلوماسييَن... 20 يوليو، 2026 مصر تتحسب لاضطرابات السد الإثيوبي «غير الشرعي» مع... 20 يوليو، 2026 تصعيد أميركي – إيراني وطهران تواصل اعتداءاتها على... 20 يوليو، 2026 ولي العهد السعودي يؤكد دعم المملكة للبنان وروبيو:... 20 يوليو، 2026 جغرافيا القلق… ما فعله الحاجز الإسرائيلي بالنفسية الفلسطينية 20 يوليو، 2026 سعيد طانيوس في “اندبندنت عربية”: كواليس صراعات السلطة... 20 يوليو، 2026 نشطاء سياسيون من داخل إيران: “لا نريد الحرب” 19 يوليو، 2026 «الشرق الأوسط» تتقصى خلفية تعيينات الشرع الأمنية الجديدة 19 يوليو، 2026 خليل موسى في “اندبندنت عربية”: إسرائيل تقر الفصل... 19 يوليو، 2026