الروائية الإيطالية باولا كابريولو (دار بومبياني) ثقافة و فنون “الملاح”يصل إلى ضفاف اللايقين في رواية إيطالية by admin 19 يوليو، 2026 written by admin 19 يوليو، 2026 19 باولا كابريولو تقود بطلها إلى الهلاك في رحلة البحث عن الحقيقة اندبندنت عربية / عبد الكريم الحجراوي تكتنف رواية «الملاح» للروائية الإيطالية باولا كابريولو، (دار بعد البحر- 2026 القاهرة) بترجمة روحية عبد العزيز عن الإيطالية، جانباً كبيراً من الغموض، نابعاً من طابعها الفلسفي الرمزي الذي يتجسد على مستويات عدة داخل الرواية. وأولها التعبير عن ازدواجية الذات وانقسامها بين العقل والقلب. فبطل الرواية يعمل رباناً في إحدى شركات الشحن، يحمل الاسم نفسه الذي يحمله صديقاه “والتر” أحدهما عالم فيزياء، والثاني ساحر، ويدور بينهما صراع دائم حول رؤيتهما للعالم، بين رؤية مادية وأخرى ميتافيزيقية. ويمكن اعتبار هاتين الشخصيتين تجليين للشخص نفسه. ملاح حائر يظهر الجانب الرمزي ثانياً في النهر فنرى الملاح، الذي يعمل في وظيفة أقل من طموحاته، يستمر في أداء عمله غير قادر على الخروج من هذه الدوامة. يخرج كل ليلة بالمركب ليصل إلى الجزيرة، من دون أن يسأل عما يحمله القارب، مما يحيلنا إلى أسطورة سيزيف. وتأخذ الجزيرة الغامضة المحرمة، بعداً فلسفياً، يتمثل في الشجرة المحرمة التي يمنع المرء من الاقتراب منها. وكل ما يعرف الملاح أن فيها فيلا عاش في أرجائها كونت، ثم استولت عليها الشركة وحولتها إلى ما يشبه المخزن. أغلقت منافذها بالطوب، ومنعت الناس من الاقتراب منها، من دون أن يعرف أحد ما الذي يجري بداخلها. الرواية بالترجمة العربية (دار ما بعد البحر) تأخذ الشركة، هي الأخرى هذا البعد الغامض، لكونها تتحكم في مصائر الناس، تمنح العاملين فيها شيئاً من الوجاهة الاجتماعية، من دون أن نعرف ما الذي تقوم به الشركة من الأساس. يقول الراوي في تفسيره لوجودها “خمن لأول مرة ضرورة وجود نظام أعلى مقاماً أو عدالة أعلى مقاماً، استنبط كل شيء يطيع قوانينه الخاصة، وحيثما توجد طاعة لا يمكن أن يوجد ذنب”. فدور الشركة يقتصر في التحكم في مصائر الناس، وإخضاعهم لمنطق الطاعة، حتى وإن كانوا لا يعرفون سبب هذه الطاعة أو الغاية منها. حبكة فلسفية حتى حبكة الرواية لا تخلو من البعد الفلسفي، وبخاصة في استخدامها للعلامة وسيلة للتعرف على البطل أو على الشخصيات. فالبطل والتر ينجذب إلى امرأة يراها من خلف زجاج مقهى في فندق فخم، ولا يميز منها سوى سوار ذهبي على هيئة ثعبان. يعجب بها ويقرر التعرف إليها، لكنها تتوقف عن القدوم إلى المقهى. فيظل يترقب حضورها لمدة من الزمن، يسأل عنها النادل، يمنحه البقشيش كي يفصح له بمزيد من المعلومات عنها… إلى أن يعرف أن اسمها «كارمن»، وأنها نصف أجنبية، وكانت تأتي برفقة رجل، ثم انقطعت عن الحضور. ثم يأتي اليوم الذي يرى فيه امرأة تحمل السوار نفسه، فيتقدم للتعرف إليها، فتخبره أن اسمها «ليندا» وليس «كارمن». يبحث عن النادل الذي كان يمده بالمعلومات، فيكتشف أنه هجر المدينة وافتتح مقهى خاصاً به بعد أن استطاع جمع المال اللازم. فتكتمل سخرية القدر بأنه أسهم من دون أن يدري، بالأموال التي كان يمنحها للنادل، في حرمان نفسه من الشخص الوحيد الذي كان يمكنه التحقق من هوية المرأة التي أحبها: هل هي نفسها أم امرأة أخرى فعلاً كما تدعي؟ يقين غائب الرواية بالأصل الإيطالي (أمازون) يقرر في النهاية الزواج من ليندا، من دون أن يتيقن تماماً أنها المرأة نفسها التي سحرته، في إشارة إلى عجز الإنسان عن الإمساك بالحقيقة كاملة. وتستمر حالة عدم اليقين حتى نهاية الرواية، عندما يظهر الرجل الذي يظنه رفيقها القديم ويدعوه إلى الغداء في منزله، رغبة في التأكد مما إذا كانت ليندا هي كارمن أم لا. لكنه لا يصل إلى نتيجة حاسمة، ويظل الشك قائماً حتى الصفحة الأخيرة. تدفع هذه العلاقة المشوبة بعدم اليقين ولتر إلى إعادة التساؤل عما يحمله يومياً في جوف مركبه بعدما أقنع نفسه طويلاً بأن حمولته لا تتعدى مواشي تنقل إلى تلك الجزيرة المجهولة المحرمة. فيدنو من عنبر الشحن تتناهى إليه «أصوات أكثر غلظة وحدّة، ثيران وماعز، وربما رجال أو نساء. كانت هناك أصوات ممتدة ومركبة تشبه جملاً، وأخرى قصيرة تشبه صياحاً مفاجئاً، فيها النبرة المتألمة المستسلمة نفسها. لم تكن هناك استغاثات ولا صرخات تمرد تصدر من الجزء المغمور في المياه من السفينة، فقط تأوهات مكتومة يائسة، تبدو أنها تأتي من منطقة خارج الحياة، من حيز تتلاشى فيه الحواجز بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني» (ص140). وكما يظهر في هذا المقطع السردي، فحتى أوصاف الحمولة التي يجهد في التحقق من هويتها، تتبدد في شكل تهويمات لا تحيل إلى شيء محدد. فالرواية تتعمد مقاومة أي محاولة للإمساك بالحقيقة مهما حاول. يطفئ والتر للمرة الأولى المحرك مخترقاً الحظر، فيأتيه صوت امرأة تصرخ بلغة مبهمة من فتحة العنبر. ومع اقترابه، تتحول الصرخات إلى غناء شجيّ تمتزج فيه بقية الأصوات، لينبثق له من عتمة القاع إحساس بحركة مضطربة. يُخيل إليه أنه يرى “كارمن” تخاطبه بنبرة تجمع نقيضين، العذوبة واليأس، متداخلة إلى حد يعجز معه عن تمييز بدايتها من نهايتها. يسألها عما يمكنه فعله، وينساق مدفوعاً بفضوله نحو الفتحة، فيجثو على ركبتيه أمام الباب ذي القضبان الحديدية، مستقبلاً أصواتاً آدمية وجُملاً مفصلة بلغة غريبة. عندئذ، يمد يده بالسكين التي في جيبه ظاناً أنه يسلمها لكارمن. اقرأ المزيد الروائية الإيطالية المجهولة إيلينا فيرانتي تكشف آراءها للقراء إلى أمبرتو إيكو: بصدد حمقى وسائل التواصل الاجتماعي هنا ينقطع السرد فجأة، لنصطدم في الفقرة التالية بخبر وفاة والتر، مستخدماً السكين ذاتها، وهي لحظة فاصلة تحجب الرواية يقينها عنها. فلا ندرك إن كان قد لقي حتفه مقتولاً على يد من هم في العنبر، وهل كان هناك أناس بالفعل في العنبر كي يقتل على يدهم، أم إنه قضى انتحاراً. كل ما يتبقى هو ذلك الغموض المطبق الذي أحاط بالأحداث منذ مستهلها. في نهاية مأسوية تستدعي التراجيديا الإغريقية، يدفع السعي خلف الحقيقة بالبطل إلى الهلاك، تماماً كما حدث مع أوديب الذي فقأ عينيه فور انكشاف الحقيقة له. غير أن باولا كابريولو تذهب أبعد من ذلك، فبطلها لا يصل إلى اليقين أصلاً، بل يهلك في مرحلة السعي والاقتراب منه، في زمن اللايقين الذي يصعب فيه الإمساك بالحقيقة. سرد آسر يمتاز السرد عند باولا كابريولو بقدرة كبيرة على الإمساك بتلابيب القارئ رغم البعد الفلسفي العميق الذي تطرحه الرواية. تجيد غرس المحفزات وطرح الأسئلة التي تحث على مواصلة القراءة، حول طبيعة تلك الشحنة الغامضة. من تكون تلك المرأة التي يلتف السوار الثعباني حول معصمها؟ هل “ليندا” هي ذاتها “كارمن” أم إنها امرأة أخرى؟ ليندا تلمح لزوجها بأنها سمعت عنه أموراً، ثم تغادر مخلفة وراءها حيرة البطل والقارئ معاً من دون إجابة. وينسحب الغموض على تدهور حالتها، وشحوبها المفاجئ، وانعزالها التام عن العالم بلا تفسير جلي. وحتى رجل الأعمال الذي يرتاد الفندق ويحدق في والتر يدفع القارئ للتساؤل حول هويته. نكتشف لاحقاً صلة قرابته بأصحاب الفيلا المصادرة، ليظهر تساؤل جديد هل هو ذاته الرجل الذي رافق ليندا؟ تتساوى القرائن التي تنفي وتؤكد. وتتواصل الأسئلة حول ما الذي يحدث خلف أسوار تلك الفيلا؟ ما طبيعة تلك الأصوات المتصاعدة من جوف عنبر الشحن؟ شبكة معقدة من الأسئلة تثيرها الرواية دون أن تمنحنا إجابة واحدة عنها، تاركة للقارئ فراغات عليه عبء ملأها وتأويلها. علاوة على ذلك، تحسن كابريولو توظيف أدواتها السردية محققة “مبدأ مسدس تشيخوف”، فالأداة التي تظهر في البداية لا بد أن تؤدي وظيفتها في النهاية. يتجلى هذا بوضوح في «السكين» التي أهدتها ليندا لزوجها، فظل والتر محتفظاً بها طوال الأحداث، لتكون في الخاتمة الأداة التي وضعت حداً لحياته. وفي السياق ذاته، يبتعد الوصف في الرواية عن المجانية، مثل وصف رجال الأعمال في مقهى الفندق الفاخر: «من النادر أن يرفع هذا النوع من العملاء بصرهم نحو النافذة ليتأملوا المنظر الطبيعي، والأكثر ندرة كذلك…». وصف يفصح عن نزعتهم المادية وجفافهم الإنساني. باولا كابريولو كاتبة ومترجمة وناقدة إيطالية، وُلدت في ميلانو عام 1962. تترجم عن الألمانية إلى الإيطالية كلاسيكيات الأدب الألماني، مثل أعمال غوته وكافكا وكليست وتوماس مان. حصلت على عديد من الجوائز، منها جائزة سيليتسيوني كامبييلو عن رواية “الملاح” عام 1989، وجائزة غرينزان كافور عن رواية “المملكة المزدوجة” عام 1992. ومن أعمالها: “إولاليا العظيمة” (1988)، و”المشاهدة” (1995)، و”واحدة منهن” (2001)، و”شيء ما في الليل” (2003)، و”ضوء مظلم جداً” (2005)، و”كاينو” (2012)، و”ترتيب الأشياء” (2013)، و”المحارب ريتا” (2016). كما كتبت للأطفال واليافعين، ومن أعمالها في هذا المجال: “لا” (2010)، و”أنا أمثلك” (2012). وأصدرت كذلك عدداً من كتب السير الشخصيات عالمية، من بينها إنديرا غاندي، وماريا كالاس، وروزا باركس. المزيد عن: روائية إيطالية رواية الملاح السفينة الجزيرة اللايقين الفلسفة البحث عن الحقيقة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post في “اندبندنت عربية”: موجة أميركية ثامنة من قصف إيران بعد مقتل جنديين next post مصطفى رستم في “اندبندنت عربية”: طرق إمداد “حزب الله” تتعثر بسوريا والوكلاء في مأزق You may also like على خُطى «فلوبير»… في أحضان منطقة الـ«نورماندي» 19 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: “متروبوليس” مغامرة سينمائية بين... 19 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: نصوص جاك دريدا... 19 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: ساعة غيظ وإحباط... 19 يوليو، 2026 ظافر يوسف يصهر الجاز بالموسيقى العربية والنفس الصوفي 18 يوليو، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: هل ظلمت رابطة... 18 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: عندما “يتحرر” أراغون... 18 يوليو، 2026 هل حجبت جائزة “الملتقى” للقصة العربية القصيرة؟ 18 يوليو، 2026 محمد رُضا في “الشرق الاوسط”: 3 أفلام هوليوودية... 18 يوليو، 2026 فيلم «الأوديسة» تجسيد مذهل لسينما لا تعرف الحدود 18 يوليو، 2026