القديس الجزائري أغسطينوس (موسوعة الفنون الكلاسيكية) ثقافة و فنون “شرائط مصورة” إيطالية تروي سيرة قديس جزائري by admin 27 مايو، 2026 written by admin 27 مايو، 2026 12 أغسطينوس ابن سوق أهراس حيث تتبعت محطات حياته جداريات متتالية نادرة في تاريخ الفن إاندبندنت عربية / براهيم العريس باحث وكاتب تُرى ما الذي قد يخطر في بال المرء وهو يقف في أعلى منطقة مرتفعة على تخوم برية رائعة الجمال في مدينة عنابة الجزائرية الشرقية غير بعيد من الحدود التونسية، بل بشكل أكثر إبهاراً غير بعيد من المنطقة التي انطلق منها عدد من المناضلين الجزائريين ليعبروا بجثمان فرانتز فانون بعدما مات في الجانب التونسي من الحدود ليدفنوه بحسب وصيته في التراب الجزائري؟ بالنسبة إلى كاتب هذه السطور كل تلك الحكاية وأهمية المكان وسحره، ولكن كذلك، ذكر القديس أغسطينوس أحد كبار آباء الكنيسة المفكرين، وابن المنطقة الذي ولد في سوق أهراس، لكن قبره قائم هنا، حيث نقف تماماً على خطوات من تلك الكاتدرائية رائعة البناء التي تحمل اسمه وتطل على واحدة من أجمل المناطق الخضراء والساحلية في الشمال الأفريقي، والكاتدرائية نفسها هي واحدة من أجمل المعابد المسيحية التي لا تزال قائمة في الشمال الأفريقي بأسره. كل هذا يدفع إلى الصمت والخشوع، غير أنه في الوقت نفسه، وعلى رغم أن هذا كله في مدينة عنابة الجزائرية الفاتنة، يبتعد بنا مسافات شاسعة إلى الشمال وبعض الشمال الشرقي عبر البحر الأبيض المتوسط، لنجدنا ذهنياً نتوجه إلى كنيسة أخرى لها علاقة مباشرة بالقديس الجزائري نفسه، لكنها توجد من ناحيتها في ريف إيطالي لتضعنا أمام بعد أكثر فنية وجمالاً هذه المرة. من رسوم شرائط غوتزولي المصورة: القديس أمام جثمان أمه (موسوعة الفنون الكلاسيكية) شرائط مصورة وهذا البعد يمكن إجماله عبر سؤال بسيط: هل يعرف أحد أن ثمة مجموعة من رسوم الشرائط المصورة تحكي في نحو من 17 لوحة، حياة هذا القديس نفسه، الذي كان من أول رجال الدين الذين صاغوا “اعترافات” بالغة الأهمية، وشاركوا بنص بالغ الروعة ينتمي إلى ذلك النوع الأدبي الذي يعرف باسم “المدن الفاضلة”. ونتحدث هنا بالتأكيد عن كتابه العمدة “مدينة الله” الذي، على رغم طابعه الديني “الواقعي”، يكاد يبدو منتمياً إلى تلك “اليوتوبيات” التي أنتجت بخاصة بأقلام الفلاسفة النهضويين مهتمة بفتح آفاق حكم وسياسة جديدة وتفكير متجدد أمام الإنسان الجديد. حسناً لن نمعن أكثر من هذا في الاستفاضة بالحديث عن القديس الجزائري الذي أنجبته أم مؤمنة من أب وثني، لكنه هو ما لبث، كما يروي لنا في “الاعترافات”، أن عرف الطريق الذي سيسير فيه، فاتبع دين أمه ما أوصله وأوصلها إلى القداسة، بادئاً من تلقي العلوم المدنية والدينية في سوق أهراس ثم التوجه إلى إيطاليا الباباوية ليصبح واحداً من كبار أصحاب الشأن في فضاءاتها الدينية. لن نستفيض أكثر في هذه الحكاية وعلى أية حال، لأن موضوعنا هنا ليس عن القديس، بل عن الرسام النهضوي بينوتزو غوتزولي (1420 – 1497)، الذي حقق مؤثرة فنية، من الغريب أنها لم تحظَ حتى اليوم بشهرة تستحقها، مؤثرة هي تلك الحكاية “المكتوبة” بأسلوب الشرائط المصورة، ولكن ليس على الورق ولا بين ضفتي كتاب، ولا بأية وسيلة من الوسائل المشابهة، بل بالتحديد على ثلاثة جدران فسيحة تشكل جانباً من كنيسة متوسطة المساحة تدعى كنيسة “سان أغسطينو – الكورال”، وتقع في منطقة جبلية تدعى من ناحيتها سان جيمينيانو. رحلة حياة متكاملة ولعل في إمكاننا هنا أن نبهر القارئ أكثر، إن نحن ذكرنا أن اللوحات الـ17 التي تتألف منها هذه “الشرائط”، تشغل في مجموع مساحاتها، ما لا يقل عن 70 متراً مربعاً حافلة بالمشاهد التي لا موضوع لها سوى رحلة الجزائري من العتمة إلى النور، من الطفولة إلى الموت، وباختصار، من الشك إلى اليقين، وذلك عبر ترتيب لمشاهد رئيسة من حياته تتضمن وقفات عند مراحل تلك الحياة. أما الغريب حقاً في هذا المشروع الذي أجراه الرسام مع عدد من مساعدين له، عثر عليهم محلياً في ما كان بعضهم من أصحابه، الغريب أنه تم بفعل الصدفة ومن دون أي تخطيط مسبق، إذ إن ما قاد غوتزولي إلى ذلك المكان الجبلي، لم يكن سوى وباء الطاعون، معتقداً، وربما عن صواب على أية حال، أن الطاعون لا يمكنه أن يصل إلى ذلك النوع من المناطق النائية. ولقد حدث ذلك عام 1464 بعد وصول الرسام إلى المنطقة بأشهر قليلة، وبتواصل العمل نحو ثلاث سنوات، تمكن غوتزولي من إنجاز تلك المؤثرة الفنية الفريدة من نوعها، أو تقريباً الفريدة من نوعها، حيث لم يسبق إلى إنجاز مشروع مشابه، سوى أستاذ كبير من نهضوي تلك المرحلة هو غيرلاندايو. أما من بعد شرائط القديس أغسطينوس، فلقد باتت هناك مشاريع كثيرة من النوع نفسه وصولاً، طبعاً، إلى الهولندي روبنس الذي حقق في السياق نفسه، ولكن على لوحات ضخمة، موجودة اليوم في المتحف البريطاني، تلك “الشرائط المصورة” الرائعة عن حياة ماريا دي ميديشي التي تعد في تاريخ الفن، الأقرب إلى ما حققه غوتزولي عن حياة قديسنا الجزائري. اقرأ المزيد فلسفة ألمانية تستلهم القدس في عهد صلاح الدين صاحب “السمفونية الخيالية” يسير على خطى أصحاب المدن الفاضلة فيلم “نوة” يتساءل بغضب: من الذي صنع الثورة الجزائرية؟ عندما وظف فرانتز ليست شعر هوغو في سيمفونياته من أسفل إلى أعلى، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تلك “الشرائط المصورة”، وكما هو الأمر عليه حتى في يومنا هذه، تقوم أصلاً على نصوص كتبت قبل تحقيق الرسوم، وكتبها هناك الراهب فرا دومينغو سترامبي الذي كان من الباحثين المتابعين لسيرة أغسطينوس وأفكاره، وهو اشتغل جنباً إلى جنب مع الرسام بعدما حصر المحطات الرئيسة في حياة القديس بـ12 محطة تمثل كل منها حدثاً معيناً، وتم ترتيب الأحداث، واللوحات بالتالي، من أسفل إلى أعلى على خطين أفقيين تتم قراءتها من اليسار إلى اليمين. ففي الخط الأول، سنوات التعليم في سوق أهراس ثم في قرطاج، يتلوها مشهد وداع الفتى لأمه متوجهاً إلى روما، ومن ثم نزوله من السفينة في ميناء أوستيا لنلتقيه بعد ذلك مدرساً في روما التي انتقل منها إلى ميلانو. أما في الخط الأعلى فنواكبه في وصوله إلى ميلانو، ثم في لوحة ذات دلالة وهو يصغي إلى كاهن أمبرواز الذي يدفعه إلى إعادة قراءة رسائل القديس بولس التي سيعتمد عليها في بحوثه الدينية. والغريب في الأمر هنا أن اللوحة التالية سترينا أغسطينوس وهو يتلقى العماد وقد اقترب من الكهولة، وذلك قبل فترة يسيرة من موت أمه التي باتت تعرف بالقديسة دومينيك. وهكذا، في اختصار لدينا هنا عمل فني بديع لعل أغرب ما فيه أنه إنما وُلد بالصدفة وفي مكان غير مطروق. ولعل هذا الأمر هو الذي حرر الرسام من قيود كان يمكن أن تكبله، لا سيما من جانب الكهنوت المحافظ، وكانت النتيجة أن هذا الأثر الفني حافظ لانعزاله جغرافياً، على قدر لا بأس به من حرية التعبير لا سيما من التمسك بالطبع الإنساني لذلك الفتى الجزائري الذي بدا هنا متفرداً في سيرته، تماماً كما فعل حين كتب اعترافاته التي لم يجرؤ أي رجل كهنوت من طبقته أن يكتب ما يضاهيها، كما ألبس، متعمداً، كتابه الديني الأكبر، لباس “اليوتوبيا” التي ما قامت أصلاً إلا على البحث عن مكان للإنسان في ملكوت الله. ولا شك أن تلكم هي القيمة الكبرى لهذا المفكر، والتي جعلت الرسام الذي عاش بين عامي 1420 و1497 يبدع في رسم سيرة حياته بطريقة كان على العالم أن ينتظر القرن الـ 19 وما تلاه، قبل أن يعطيها إمكان الانتشار في مشارق الأرض ومغاربها، ونعني بذلك الشرائط المصورة التي قال ناقد أمام استشرائها: إذا كان لوتريامون قد قال إن كل شيء يبدو كأنه حدث لينتهي أمره بين دفتي كتاب، فإن حكاية رسوم غوتزولي هذه، تبدو وكأنها تقول لنا أن كل شيء يبدو بالأحرى وكأنه وجد لينتهي على صيغة شرائط مصورة. المزيد عن: القديس أغسطينوس شرائط مصورة مدينة عنابة الجزائرية فرانتز فانون سوق أهراس المدن الفاضلة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post Le N.-B. va lancer une enquête publique sur le racisme systémique envers les Autochtones next post “الأفروسنتريك”… معركة التاريخ والهوية في مصر You may also like مرصد المجلة للأفلام… جولة على أحدث عروض السينما... 27 مايو، 2026 “أوراق من حياتي” تكشف عن الوجه الصوفي لفيكتور... 27 مايو، 2026 ذكريات توفيق صالح الباريسية: ثرية ومبتورة 27 مايو، 2026 فنون الحج بمصر… تراث في محبة الرحلة 27 مايو، 2026 إصدارات.. نظرة أولى 27 مايو، 2026 كيف يكون الإنسان حراً داخل عالم تحكمه الطبيعة؟ 27 مايو، 2026 “الأفروسنتريك”… معركة التاريخ والهوية في مصر 27 مايو، 2026 “فيورد” الروماني يحصد ذهبية “كان” بقصة العائلة المقتلعة 25 مايو، 2026 غولدوني ومهمة كشف النفاق الاجتماعي في “مدرسة الرقص” 25 مايو، 2026 “أسد” محمد رمضان… ملحمة سينمائية أم أزمة تاريخية؟ 25 مايو، 2026