الإستشراق في الفن التشكيلي (متحف الإستشراق) ثقافة و فنون ياسين عدنان يفتح السجال حول الاستشراق الجديد بالنقد والتوثيق by admin 16 مارس، 2026 written by admin 16 مارس، 2026 16 الهوة بين الشرق والغرب لا تردم بالسياسة بل بفهم البنى الفكرية اندبندنت عربية / لنا عبد الرحمن في هذا السياق يبرز مشروع “في الاستشراق”، الذي يقدمه الشاعر والروائي المغربي ياسين عدنان بوصفه تجربة لافتة في المشهد الثقافي العربي المعاصر، إذ يحاول أن يعيد فتح هذا الملف الشائك من زاوية معرفية هادئة تتجاوز السجال الأيديولوجي المباشر. لا يكتفي هذا المشروع باستضافة باحثين متخصصين في تاريخ الاستشراق أو نقده، بل يوسع النقاش ليشمل مجالات متعددة تمتد من الفيلولوجيا والتاريخ إلى الفنون والسينما والأنثروبولوجيا، ومن أسئلة الترجمة إلى تحولات الخطاب الثقافي في زمن الإعلام الرقمي. ومن خلال هذا التنوع يسعى البرنامج إلى بناء مساحة حوارية تتيح إعادة النظر في الصور المتبادلة بين الشرق والغرب، وفي الخلفيات الفكرية التي أسهمت في تشكيلها عبر القرون. وما يلفت في تجربة “في الاستشراق”، هو سعيها إلى الجمع بين الصرامة المعرفية وروح الحوار المفتوح، فالحلقات لا تتجه إلى إصدار أحكام جاهزة، بل تنشغل بتفكيك المفاهيم وتتبع جذورها التاريخية وتحولاتها الفكرية، في محاولة لإعادة طرح الأسئلة القديمة بلغة جديدة تناسب تحولات العالم المعاصر. وربما يعود ذلك، في جزء منه، إلى الخلفية الأدبية لمقدم البرنامج، إذ يأتي هذا المشروع من شاعر وروائي اعتاد الإنصات إلى التفاصيل الدقيقة في اللغة والخطاب، وهو ما يضفي على النقاش فسحة تأملية تتجاوز الإطار الأكاديمي الصارم. نحو الاستشراق الشاعر والروائي ياسين عدنان ومشروع الإستشراق (صفحة الكاتب – فيسبوك) في هذا الحوار يتحدث ياسين عدنان عن الدوافع التي قادته إلى الاشتغال على موضوع الاستشراق، وعن رؤيته لتحولات هذا المفهوم بين الماضي والحاضر، ويتوقف عند ظاهرة البودكاست الفكري في العالم العربي، وعند الدور الذي لعبته الترجمة والسوق الثقافية العالمية في تشكيل صورة الشرق داخل المخيال الغربي. ويطرح أسئلة نقدية حول الاستشراق المعاصر، وحدود المفهوم نفسه، وإمكان استخدامه اليوم أداة للنقد المزدوج الذي يطاول الغرب كما يطاول الذات. في حديثه عن البدايات، يوضح عدنان أن التوجه نحو الاشتغال على الاستشراق لم يكن نتيجة فضول معرفي محض، بل جاء من قلق ثقافي حقيقي تعمق بعد أحداث السابع من أكتوبر. فقد بدا له، كما يقول، أن الهوة بين العالمين العربي والغربي لا يمكن ردمها بالخطاب السياسي المتشنج أو بالردود الانفعالية، بل بالحفر في البنى الفكرية العميقة التي تشكل تمثلات كل طرف عن الآخر. ومن هذا المنظور يرى أن الاستشراق يشكل إحدى أهم هذه البنى المؤسسة التي ينبغي تفكيكها وفهمها. ومن هنا جاء حرصه على أن يكون بودكاست “في الاستشراق”، مشروعاً مفتوحاً على آفاق متعددة. فهو لم يكتف بالحديث عن الاستشراق الاستعماري البريطاني والفرنسي، بل خصص حلقات للاستشراق الألماني الذي يوصف غالباً بالاستشراق المعرفي، وكذلك للاستشراق الهولندي والاستعراب الإسباني. ويكشف عدنان أن هناك مشاريع لحلقات مقبلة قد تتناول الاستشراق الروسي والسويدي والإيطالي إذا استمرت تجربة البرنامج. اتساع الدائرة الكتاب الأساس لإدوارد سعيد (دار الآداب) ولا يقف النقاش، في تصوره، عند المجالات الكلاسيكية التي ارتبطت بالدراسات الاستشراقية مثل الفيلولوجيا والتاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلوم القرآن والفقه، بل يسعى إلى توسيع الدائرة لتشمل مجالات أخرى مثل الاستشراق الفني والتشكيلي والسينمائي والموسيقي، بل وحتى ما يسميه “الاستشراق الوبائي”، حيث يظهر التداخل العميق بين المعرفة والسلطة في السياق الصحي العالمي. ويشير عدنان إلى أن تكوينه الأدبي بوصفه شاعراً وروائياً منحه زاوية نظر مختلفة في تناول هذا الموضوع. فالشاعر، في رأيه، يتعلم الإصغاء إلى ما تخفيه الكلمات لا إلى ما تعلنه فحسب، بينما يعتاد الروائي قراءة الخطابات داخل البنى والأنساق التي تولدها. وهذا النوع من القراءة بين السطور، كما يرى، هو بالضبط ما يحتاج إليه خطاب الاستشراق. وليس من قبيل المصادفة في نظره أن يكون المرجع الأبرز في هذا المجال، Edward Said، ناقداً أدبياً في الأصل. وفي سياق آخر يتوقف عدنان عند ظاهرة البودكاست الفكري التي تشهد انتشاراً متزايداً في المشهد الرقمي العربي. ويرى أن هذا الشكل من المحتوى يعكس حاجة ملحة لدى جمهور واسع متعطش للمعرفة، حتى وإن كان أقل ميلاً إلى القراءة المنهجية. فكثير من الناس، كما يقول، يعوضون عزوفهم عن الكتاب بالاستماع، مستفيدين من مرونة هذا الوسيط الذي يسمح بالإنصات في أي وقت. ويضيف أن البودكاست يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تبسيط الأفكار المعقدة التي قد ينفر منها القارئ بسبب ثقل اللغة الأكاديمية أو تعقيد الطروحات. فالصيغة الحوارية تتيح تحويل المفاهيم المجردة إلى نقاشات حية وقريبة من المتلقي. ومع ذلك يحذر عدنان من بعض التجارب التي تحولت إلى مجرد شكل إعلامي مكرر يطرح أسئلة فضفاضة ويقدم أجوبة عامة جاهزة، بل ويعيد تدوير الكليشيهات ويعرض معلومات منزوعة من سياقها التاريخي والفلسفي. وفي مثل هذه الحالات، كما يقول، ينزلق الخطاب الثقافي نحو الشعبوية والسعي وراء المشاهدات، فيتحول الفكر إلى مادة استهلاكية ويختزل السؤال العميق في شعار جذاب، لكنه فارغ. ومن هنا يرى أن التحدي مزدوج: مسؤولية معرفية وأخلاقية على صناع المحتوى، وقدرة نقدية لدى الجمهور على التمييز بين ما يغذي العقل وما يزجي الوقت. أكثر من تأريخ كتاب المفكر صادق جلال العظم (نيل وفرات) وعند العودة إلى مفهوم الاستشراق نفسه، يشدد عدنان على أن الظاهرة لا يمكن ردها إلى لحظة تأسيس واحدة. فحتى إدوارد سعيد، الذي يعد المرجع الأبرز في هذا المجال، يقدم أكثر من تأريخ لبداية الاستشراق. فهو يؤرخ له أحياناً بكتابة إسخيلوس لمسرحية “الفرس” في القرن الخامس قبل الميلاد، أي قبل المؤرخ هيرودوتس وقبل الإسكندر المقدوني. وفي موضع آخر يشير إلى تأسيس مجمع كنائس فيينا عام 1312 لسلسلة من الكراسي الأكاديمية في اللغات العربية واليونانية والسريانية. وفي مواضع أخرى يعطي الانطباع بأن حملة نابليون على مصر في أواخر القرن الـ18 تمثل نقطة الانطلاق الفعلية للاستشراق. ويرى عدنان أن هذا التعدد في التأريخ لا يعكس اضطراباً في التحليل بقدر ما يكشف عن تعقد الظاهرة وتعدد أبعادها. كما يلفت إلى أن بعض الباحثين يعيدون جذور الاستشراق إلى الحروب الصليبية، حيث كان اللقاء بين الغرب والشرق صادماً. بل إن أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية في القرن الـ12، المرتبطة باسم بطرس المبجل، يمكن قراءتها في سياق لاهوتي جدلي متصل بتلك المرحلة. وفي نظر عدنان، يبقى الاستشراق في الوقت نفسه نظاماً معرفياً يمرر الشرق إلى الوعي الغربي، وعلامة على هيمنة أوروبية – أطلسية، وأداة وظفها المشروع الاستعماري. والعلاقة بين هذه الأبعاد ليست علاقة تعاقب زمني بسيط، بل تكامل جدلي، فالمعرفة الاستشراقية ما كانت لتترسخ لولا الدعم المباشر لحكومات الدول الغربية وشركاتها العاملة في الشرق، كما أن المشروع الاستعماري ما كان ليحقق هذه القوة لولا الأرضية المعرفية التي أرسى دعائمها المستشرقون. مستشرق اليوم وعند الحديث عن صورة المستشرق في الزمن الراهن، يشير عدنان إلى أن التحول الأكبر وقع حين انتقل مركز الاستشراق من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركية. فهذا التحول لم يكن جغرافياً فحسب، بل معرفياً أيضاً، إذ جرى الانتقال من التبحر الفيلولوجي والتاريخي إلى هيمنة العلوم السياسية والإعلام. ولم يعد المستشرق هو الأكاديمي العارف باللغات الشرقية والمنكب على المخطوطات، بل المتخصص والمستشار وكاتب التقارير. قصص “ألف ليلة وليلة” جذبت المستشرقين (متحف الإستشراق) وفي هذا السياق يستحضر عدنان اسم Bernard Lewis بوصفه أحد رموز هذا التحول، إذ اختزل الإسلام في كثير من أطروحاته إلى جوهر صدامي، وانتقل النقاش من تحليل الأسباب التاريخية والسياسية لظواهر عديدة في التاريخ والمجتمع الإسلاميين إلى تعميمات ثقافوية حادة. وهكذا، كما يرى، تحول حوار الأفكار إلى تبادل للصور النمطية. يشير عدنان أيضاً إلى نموذج آخر أكثر مراوغة يتمثل في “الشرقي” الذي يتبنى الخطاب الاستشراقي من داخل ثقافته. وقد وصف Frantz Fanon هذا النمط بتعبير “عبدالبيت”. وخطورة هذا النموذج، في رأي عدنان، تكمن في أنه يضفي على الخطاب الاستشراقي شرعية داخلية مستمدة من “الأصالة” المفترضة للمتحدث، وهو ما يمنحه صدقية زائفة لأنه يبدو وكأنه صادر من الداخل. بين الشكل والجوهر وفي ما يتعلق بتأثير العولمة ووسائل التواصل في الخطاب الاستشراقي، يرى عدنان أن ما تغير هو الشكل أكثر من الجوهر. فالاستشراق الكلاسيكي كان يحتاج إلى مؤسسة أكاديمية ثقيلة تنتج خطابه وتسوغه، بينما قد تكفي اليوم منصة إعلامية واسعة الانتشار ومصطلح رائج لصناعة سردية تبدو راسخة. ويشير إلى أن السلطة القديمة كانت تنتج معرفة، ملتبسة أو منحازة لكنها معرفة، في حين تميل السلطة الجديدة إلى إنتاج الصورة وإعادة تدويرها بنمطية. ومع ذلك يلاحظ أن وسائل التواصل لم تكسر هذه السلطة بقدر ما ضاعفتها من جهة، وأتاحت في الوقت نفسه إمكان ظهور خطاب مضاد من جهة أخرى. أما مراكز الدراسات الغربية المعاصرة فيراها امتداداً ناعماً للاستشراق الكلاسيكي، لكنها أكثر التصاقاً بالقرار السياسي وأقل حرجاً في إعلان اشتغالها وفق أجندات محددة. الترجمة وعلوم العرب ويتوقف عدنان أيضاً عند مسألة الترجمة، موضحاً أن الاستشراق كان في جانب مهم منه صنيعة للترجمة. فعندما بدأ الأوروبيون يتلقون علوم العرب وآدابهم في القرن الثامن الميلادي عبر المراكز العلمية في صقلية والأندلس، لم يكن ثمة استشراق بمعناه الاستعماري الحديث، بل رغبة حقيقية في الانفتاح على علوم العصر. وقد تجاوز عدد الكتب الأساسية في الثقافة العربية التي ترجمت إلى اللاتينية حتى القرن الـ17 (100 كتاب)، وكانت تلك الترجمات من البذور التي أسهمت في إنضاج عصر النهضة الأوروبي. لكن الترجمة، في نظره، لا تكون دائماً بريئة من السياق الذي تنتج فيه. فأول ترجمة للقرآن إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، التي أنجزها بطرس المبجل داخل دير، كانت لها خلفية لاهوتية سجالية واضحة. وهنا يظهر الفرق بين الترجمة بوصفها جسراً في سياق الانفتاح، والترجمة بوصفها أداة هيمنة محملة برؤية ثقافية مسبقة تعيد تشكيل الآخر وفق ما يتوقعه منتجو الترجمة وقراؤها. عين غريبة وفي سياق متصل يتحدث عدنان عما يسميه “الاستشراق الذاتي” لدى بعض الروائيين العرب. فهذا الاحتمال قائم، كما يقول، حين يكتب الروائي بعين السوق الغربية فيبرز ما يعزز الصورة النمطية عن الشرق ويهمل تعقيد الواقع. وفي هذه الحالة يسهم الكاتب، ربما من غير قصد، في إعادة إنتاج تلك الصورة. ويضيف أن السوق العالمية لا تزال تميل إلى مكافأة من يقدم لها الشرق الغريب والعجيب أكثر مما تكافئ من يرسم صورة مركبة وحية لهذا الشرق. وفي ختام حديثه يتوقف عدنان عند مفارقة لافتة تتعلق بالمصطلح نفسه. فمصطلح الاستشراق، كما يذكر، رمي رسمياً في “مزبلة التاريخ”، على حد تعبير برنار لويس ساخراً، منذ مؤتمر باريس عام 1973 حين صوتت منظمة المستشرقين على إلغاء التسمية. ومع ذلك عاد المصطلح بقوة بعد كتاب إدوارد سعيد، بل وربما أصبح اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى، لأن المسألة لا تتعلق بمجرد تسمية أكاديمية، بل بوصف علاقة قوة لا تزال قائمة وتتجذر باستمرار. ويرى عدنان أن الحاجة إلى هذا المفهوم لا تزال قائمة ما دامت العلاقة بين الشرق والغرب مستمرة في التأرجح بين السياسي والمعرفي. لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة إخضاع المصطلح لتدقيق دائم حتى لا يتحول بدوره إلى قيد أيديولوجي، بل يظل أداة للنقد المزدوج: نقد الغرب ونقد الذات في آن واحد. وهذه، كما يقول، هي الروح التي يحاول بودكاست “في الاستشراق” أن يشتغل عليها، بناء سردية نقدية متوازنة لها خلفيتها الثقافية والتاريخية، وتعمل في الوقت نفسه على تفكيك السرديات المهيمنة وكشف المغالطات التي تقوم عليها. فبناء أي سردية نقدية يقتضي تفكيك السرديات التي تحجبها وفضح الروايات الاختزالية التي تكرسها. ويشير عدنان إلى أن منطق الكيل بمكيالين الذي كان يظن أنه حكر على السياسيين البراغماتيين، بات يتسلل في السنوات الأخيرة حتى إلى أوساط بعض المثقفين الغربيين الذين يفترض أنهم يشتغلون على القيم والمبادئ لا على المصالح الضيقة. ولذلك يرى أن من الضروري مناظرة هذا المنطق ومحاججته بجدية ومن دون تحامل، ومن دون الوقوع في الفخ نفسه الذي ينتقده. ولهذا السبب، كما يوضح، حرص البرنامج في عدد من حلقاته على مقارعة خطاب التزوير والتبرير الذي يصدر عن بعض السياسيين والإعلاميين الغربيين، عبر مقاربات نقدية تمارس فحصاً بلاغياً لمقولاتهم، وتكشف مغالطاتها المنطقية وتفككها بهدوء وحذر، ولكن من دون تشنج أو انفعال. المزيد عن: الإستشراق ملف المستشرقين السجال الثقافي الشرق والغرب النقد التوثيق البنى الفكرية السياسة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post كتب شهر مارس: حكايات هوليوود والهوية والخيانة next post يورغن هابرماس رائد النظرية النقدية في زمن الاضطراب You may also like الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 “مفجر البارثينون” رواية يونانية تفكك قداسة الماضي 16 مارس، 2026 تولستوي ينصر الإنسان ضد آلة الحرب في “حاجي... 16 مارس، 2026 ماهلر حذف ثلث مغناته “أنشودة النحيب” ثم ندم 16 مارس، 2026 يورغن هابرماس رائد النظرية النقدية في زمن الاضطراب 16 مارس، 2026 كتب شهر مارس: حكايات هوليوود والهوية والخيانة 16 مارس، 2026 “العربية السعيدة” رحلة الإنجليزي برترام توماس في الربع... 16 مارس، 2026 “سا أوزير” حكاية عن الماوراء سبقت دانتي والمعري 13 مارس، 2026 كوجو الغاني وتوني الكندي صديقان في البحث عن... 13 مارس، 2026 “حامل الشمعدان” لبرونو: مسرحية هزلية لفيلسوف جدي 13 مارس، 2026