إرنست يونغر (1895 - 1998) (غيتي) ثقافة و فنون يونغر النازي فتن الفرنسيين حتى حين كان غازيا by admin 15 مايو، 2026 written by admin 15 مايو، 2026 9 انتهت الحرب وعاد إلى بلاده ليكتب أطروحة محيرة حول “السلام” وضرورته اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب ما من كاتب شارك في الحرب العالمية الثانية كعسكري في قوات الاحتلال الألمانية الغازية فرنسا، عرف مثل إرنست يونغر كيف يفتن الطبقة المثقفة الفرنسية ولا سيما منها المعادون للنازية، ويجعلهم “يغفرون” له ما فعله طوال أعوام الاحتلال. فإرنست يونغر، الذي كان منذ نصوصه عن الحرب العالمية الأولى قد عرف كيف يضع نفسه في منأى من اللوم، لم يكن في نهاية الأمر نازياً، ولم يشارك في أي من الحربين العالميتين في صفوف جنود بلاده عن قناعة، ولا مارس شخصياً أياً من موبقات الحرب وضروب عنفها. كان أرستقراطياً غير مؤدلج، وكان من وجهة نظر ما، داعية للإخاء بين الشعوب ولنبذ الحروب. ومع ذلك كان من الضباط الألمان البارزين الذين عاشوا في باريس سلطة وتسلطاً، لكن الفرنسيين تعاطفوا معه كما يبدو إلى درجة أنهم لا يزالون حتى اليوم يترجمون نصوصه ولا سيما ما تعلق منها بأعوامه الفرنسية – الباريسية ويجدون له شفعة. غير أن هناك من بينهم من يتهمه بالنفاق والكذب لكنها على أية حال تهمة تكذبها كتاباته التي لعل أول ما تقوله هو أنه كان يعتبر نفسه من نوع مكره أخاك لا بطل، وأن الحرب فرضت عليه. وهذا الفرض نجده في ثنايا الأجزاء الكثيرة التي تتكون منها مذكراته عن أعوام خدمته في باريس أيام احتلال بلاده لها، ولكن فصاحته في هذا المجال تتجلى بشكل أفضل في واحد من أهم كتبه وهو المعنون “السلام” der freide الذي أصدره عام 1946 أي بعد عامين من انهزام بلاده الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وفي وقت كان فيه الفرنسيون يحاكمون الذين تعاونوا منهم مع المحتل الألماني، وكأنه هو مجرد مراقب من الخارج يمكنه أن يحكم بكل حياد على ما حدث. طبعة مبكرة من كتاب يونغر ” السلام” (أمازون) صوت العقل وجنون الحرب والحقيقة أن الرجل كان إلى حد ما، كذلك بالفعل، كان دائماً خارج الحرب حتى وهو في معمعانها، كان يقف موقف النقد الحاد لكل حرب ولكل ما يثير الكراهية بين الشعوب. ومن المؤكد أنه ما وضع كتابه “السلام” إلا للتعبير عن ذلك، من دون أن يبدو فيه وكأنه يحاول تبرير مشاركته في الحرب. ومهما يكن من أمره سيقول الفرنسيون الذين عرفوه في باريس حيث كان جزءاً من سلطة الاحتلال، إنه لم يكن أبداً جزءاً من تسلط تلك السلطة ولم يخض حتى أي نقاش إبان ذلك، يدافع فيه عما تقترفه بلاده في فرنسا المحتلة، أو حتى في أي جزء من أجزاء أوروبا. ولعل تفحصنا ما في كتاب “السلام” يضعنا بشكل أفضل في قلب حكاية إرنست يونغر، ولكن، منذ البداية لا بد من أن نوضح بأن في مقدورنا، أسوة بكثر ممن عرفوا كتابات يونغر ولا سيما كتاباته الباريسية، واطلعوا باكراً على كتابه “السلام”، حيث يمكننا أن ننظر بجدية إلى الشروحات الواردة في هذا الكتاب، بعيداً من النيات السيئة ومحاكمات الضمير، ولكن، وكما يقول كثر، بشرط أساس وهو أن نقرأ النص بوصفه وثيقة فكرية أخلاقية نابعة من نظرة صادقة إلى أزمة الحضارة الأوروبية كما تجلت بعد كارثة الحربين العالميتين، لا بوصفه، وكما يحب البعض أن يعتبروه، برنامجاً سياسياً عملياً متكاملاً. إرنست يونغر في الجيش النازي (غيتي) لحظة تحول عميق إن أول ما يمكننا قوله حول هذا الكتاب الذي من الواضح أن يونغر كتب صفحاته أثناء الحرب، قبل أن ينشره بعد انهيار ألمانيا النازية، هو أنه – أي الكتاب – يمثل لحظة تحول عميق في فكر الرجل، فمن يعرف يونغر من خلال كتاباته المبكرة مثل “عاصفة من فولاذ” الذي مجد فيه تجربة الحرب والخطر والانضباط العسكري، خلال الحرب العالمية الأولى، قد يفاجأ إذ يجد أن كتاب “السلام” يحمل نبرة بالغة الاختلاف: هي، في رأي النقاد “نبرة تأملية شبه ميتافيزيقية تبحث في قضية تتعلق بإمكان إعادة تأسيس أوروبا أخلاقياً وروحياً بعد الخراب”. غير أن النبرة الجدية لا تعني بالضرورة هنا التسليم بكل ما يقوله يونغر، فهناك في عمق الأمور مستويات عدة ينبغي التفريق بينها لدى معالجة ما يعالجه هذا النص: هناك أولاً أن يونغ نفسه لم يكن ديمقراطياً ليبرالياً بالمعنى التقليدي للكلمة، ولم يتحول فجأة إلى ما يمكننا أن نصفه بالمفكر الإنساني على الطريقة التي سادت مفكري الغرب بعد عام 1945. لقد بقي الرجل محافظاً على نزعته الأرستقراطية وروحه المحافظة، بل حتى النخبوية بحسب ما أفتى عدد كبير من منتقديه في بلاده، ولكن ليس في فرنسا على أية حال. ومن هنا فلا شك أنهم على حق أولئك الذين رأوا أن حديثه عن السلام، لا يشير إلى دور المؤسسات أو الاقتصاد أو القانون الدولي، بقدر ما يركز على فكرة “التحول الروحي الداخلي” الذي “ينبغي أن يطاول الفرد الأوروبي”. صحيح أن هذا البعد يضفي على الكتاب عمقاً روحياً فلسفياً، لكنه في الوقت نفسه يجعله غامضاً مغلفاً بضبابية التجريد. اقرأ المزيد “عواصف من فولاذ” لإرنست يونغر: الحرب في سبيل الحرب “الأشعة والظلال” يفضح متعاونين فرنسيين مع النازية قيمة الكتاب الحقيقية بيد أن هذا لا يمنع الكتاب من أن يعتبر مهماً بوصفه واحداً من النصوص الألمانية النادرة التي حاولت تفكير الهزيمة “لا كحدث عسكري ضخم فحسب، بل بوصفها أزمة حضارية راديكالية”. وفي هذا المجال يقترب يونغر بالتأكيد من تيار أوروبي واسع من المفكرين ظهر بعد الحرب يتساءل عن كيف أمكن لقارة أنجبت غوته وبيتهوفن، أن تنجب أدولف هتلر ومعسكرات الإبادة؟ والواقع أن هذا المستوى الثاني سرعان ما يقودنا إلى المستوى الثالث ويتعلق بالمفارقة الأساسية التي تتجلى في تلقي يونغ نفسه: فهو لم يكن نازياً بالمعنى التنظيمي بل احتفظ دائماً بمسافة ما، تفصله عن النظام الهتلري، لكن كثراً رأوا أن تمجيده المبكر للعنف والحرب القومية قد أسهم ثقافياً في المناخ الذي صعدت الفاشية منه، ولذلك يرون أن قراءة كتابه “السلام” لا يمكنها أن تبرئه هو نفسه من ذلك التاريخ. صحيح أن البعض يرى الكتاب بوصفه مراجعة فكرية شجاعة، لكن البعض الآخر يراه “محاولة لتجاوز المسؤولية التاريخية عبر اللجوء إلى لغة فلسفية سامية”. ومع ذلك، يرى حتى هؤلاء أن “السلام” يستحق القراءة لسبب إضافي هو أنه يرينا كيف أن يونغر أدرك مبكراً أن الحروب الحديثة لم تعد مجرد صراع جيوش، بل أصبحت تعبئة تقنية شاملة للإنسان والعالم. وهي الفكرة نفسها التي تظهر أيضاً في كتاب آخر للكاتب نفسه هو “العامل”، لكنها في “السلام” ترتدي طابعاً أكثر تشاؤماً بالنظر إلى ما يعبر عنه من أن التكنولوجيا الحديثة تبدو اليوم أكثر قدرة على تحويل البشرية جمعاء إلى مادة تلتهمها الحروب الشاملة، ومن هنا تأتي حاجة العالم إلى “سلام” لا يكون مجرد هدنة سياسية، بل إعادة تعريف لعلاقة الإنسان نفسه بالقوة والتقنية. ولعل هذا ما يجعل قراءة هذا الكتاب ضرورية في سياق الفكر الأوروبي المحافظ ومن منظور فلسفة الحرب وأدب ما بعد الكارثة. المزيد عن: الحرب العالمية الثانية الجيش النازي إرنست يونغر غوته بيتهوفن أدولف هتلر اقرأها واسمعها 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هل فقد الإنسان قدرته على السكينة في العصر الرقمي؟ next post عبده وازن يكتب عن: نيويورك تعيد جبران ومواطنيه إلى الزمن العثماني وتسميهم “سوريين” You may also like التفلسف على الحضارات 15 مايو، 2026 الصدفة خير من التنقيب… آثار مصر تمنح نفسها... 15 مايو، 2026 عبده وازن يكتب عن: نيويورك تعيد جبران ومواطنيه... 15 مايو، 2026 هل فقد الإنسان قدرته على السكينة في العصر... 15 مايو، 2026 إريك شميت يقرأ موزارت من بوابة الأبوة والبنوة 15 مايو، 2026 الروسي المعارض بالاغوف يكتشف معنى البطولة في “كان” 15 مايو، 2026 الثقافة الخليجية كتلة متعددة الملامح والهوية الأدبية 14 مايو، 2026 جدران الرسام الإسباني غويا تصرخ بأزمته النفسية 14 مايو، 2026 “الماكينغ أوف”… أو الولع بالكواليس وحدها 14 مايو، 2026 العرافة الفرنسية فينوس “تكهرب” جمهور مهرجان كان 14 مايو، 2026