كيف سيتم إطعام البشرية؟ (يونيسف) ثقافة و فنون تاريخ الغذاء ومستقبله: كيف نطعم البشر في القرن الـ21؟ by admin 27 يناير، 2026 written by admin 27 يناير، 2026 62 العالم فاكلاف سميل ينتقد الأوهام الغذائية الكبرى ويفكك مقولات المنظومات العالمية اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN يحاول فاكلاف سميل في هذا الكتاب مواجهة أسئلة العصر الآتية كيف نطعم العالم؟ ولماذا تُعد بعض أكبر الدول المنتجة للغذاء من بين البلدان الأكثر معاناة من سوء التغذية؟ ولماذا تفشل أنظمة التوزيع، وتأتي السياسات الاقتصادية بنتائج عكسية، ولا يصل الغذاء دوماً إلى الذين يحتاجون إليه؟ ولماذا تهدر البشرية كماً هائلاً من الطعام؟ وهل يجب على جميع البشر أن يصبحوا نباتيين؟ وكيف للبشرية مواجهة تبعات إنتاج الغذاء العشوائي على مستوى البيئة ومقدرات الأرض؟ بغية الإجابة عن هذه الأسئلة وسواها، يستهل سميل كتابه باقتباس مستل من مقالة قديمة للباحث السكاني والاقتصادي الإنجليزي الشهير مالتوس يؤكد فيها أن قدرة السكان على الازدياد تفوق إلى ما لا نهاية قدرة الأرض على إنتاج ما يكفي من الغذاء لإطعام البشر. ففي ظل التغير المناخي العالمي وارتفاع درجات الحرارة وتزايد استمرار انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتج من الأنشطة البشرية، وتصاعد حرائق الغابات وانخفاض امتصاص النظم الإيكولوجية على اليابسة وفي المحيطات والتزايد المتسارع في عدد السكان والحروب، تبدو كلمات مالتوس أكثر نبوءة من أي وقت مضى. فلا مفر إذاً من تراجع محاصيل القمح والذرة والرز وغيرها من المحاصيل في آسيا وأميركا اللاتينية وفي بقاع أخرى من العالم. “كيف نطعم العالم؟” بالترجمة الفرنسية (فناك) لكن على رغم استعادته هذا التوصيف الكارثي لمقدرات الأرض كما تبدى لدى بعض العلماء المعاصرين الذين دقوا ناقوس الخطر في شأن انعدام الأمن الغذائي والمجاعات، يصر سميل على التفاؤل مؤكداً أن العالم، ما لم يشهد صراعات واسعة النطاق وانهيارات اجتماعية غير مسبوقة، سيكون قادراً على إطعام سكانه المتزايدين إلى ما بعد منتصف القرن الـ21، مستنداً في تأكيده هذا إلى مقاربة كمية ترتكز على كثير من الدراسات والأرقام الدقيقة التي تتناول الزراعة الحديثة وإنتاج الغذاء. إطعام البشرية وينطلق كتاب سميل من مفارقة أساسية مفادها بأن البشرية لم يسبق لها أن اضطرت إلى إطعام هذا العدد الكبير من الناس، وإلى إنتاج هذا الكم الهائل من الغذاء، ولم يسبق لها في الوقت عينه أن عرفت هذا القدر من الهدر وسوء التوزيع والتغذية. فاليوم ينتج العالم ما يقارب 3 آلاف سعرة حرارية يومياً لكل فرد، وهو مقدار يفوق فعلياً ما يلزم لتأمين الغذاء الكافي لجميع البشر. لكن ثلث هذا الطعام يهدر، وترتفع النسبة في بعض البلدان الغنية إلى ما يقارب النصف. ليست المشكلة إذاً في نقص الإنتاج، بل في ما يحدث بعده. ولعل سميل يبتعد من الخطاب السائد الذي يختزل مسألة الجوع في زيادة الإنتاجية الزراعية من خلال تحسين البذور وتعزيز صحة التربة وتطوير الممارسات الزراعية ورفع إنتاجية الثروة الحيوانية. فزيادة الإنتاج، على رغم ضرورتها في مناطق محددة كما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لا تكفي وحدها لأن المشكلة الحقيقية تكمن في سلسلة التوزيع وفي البنى التحتية الهشة وفي السياسات الاقتصادية وفي أنماط الاستهلاك التي تجعل الطعام سلعة فائضة لا قيمة لها. ولئن كانت بعض أكبر الدول المنتجة للغذاء هي نفسها من أكثر البلدان معاناة من سوء التغذية، فإن هذه الحقيقة تقوض الخطاب التقدمي البسيط القائل إن مزيداً من الإنتاج يحل المشكلة. بتعبير آخر، يصر فاكلاف سميل على أن العالم ينتج أكثر من كفايته من الغذاء لإطعام السكان. لكن التحدي الحقيقي يكمن بحسبه في ما يحدث بعد إنتاج الغذاء. العالم فاكلاف سميل (صفحة الكاتب – فيسبوك) استناداً إذاً إلى عقود من البحث والبيانات والأرقام، يستعرض سميل تاريخ الإنتاج الغذائي العالمي ومستقبله، ساعياً إلى فهم السبل الكفيلة بإطعام عدد متزايد من البشر من دون استنزاف موارد الأرض، مقدماً تحليلاً علمياً لا غنى عنه للإنتاج والاستهلاك الغذائيين على مستوى العالم، مشككاً في بعض المسلمات، ومعيداً التفكير في الطريقة التي تصاغ بها المشكلات. شروط صارمة ويتميز كتاب فاكلاف سيمل بمنهجه، فهو لا يناقش مسألة الغذاء بوصفها مسألة أخلاقية أو ثقافية وحسب، بل بوصفها نتاجاً لشروط طبيعية صارمة تحكم الزراعة وتضع حدوداً فيزيائية لا يمكن تجاوزها بالخطاب السياسي أو النوايا الحسنة. وحتى التحسينات الطفيفة في كفاءتها البيوكيماوية قد تكون، في نظره، أكثر فاعلية من كل الوعود الكبرى حول “الزراعة المستدامة”. لذا نراه يسائل بعض المسلمات البيئية الشائعة، معترفاً بمزايا الزراعة العضوية على مستوى التربة والتنوع الحيوي، لكنه في الوقت عينه يطرح سؤالاً حاسماً حول قابليتها للتوسع عالمياً، ذلك أن الاعتماد كلياً على السماد الطبيعي وتثبيت النيتروجين عبر البقوليات يظل محدوداً من ناحية الموارد والمساحات. كذلك يطرح انخفاض المردودية وكثافة اليد العاملة على المزارعين تحديات بنيوية يصعب تجاهلها. من هذه الزاوية، يحذر سميل من كلفة بعض الحلول المطروحة، منبهاً إلى أن النماذج المثالية تخفي آثاراً سلبية غالباً ما تغفل في الخطابات المتفائلة. ومن أكثر فصول الكتاب إثارة للتفكير تلك التي يعيد فيها سميل قراءة تاريخ الأنظمة الغذائية البشرية. فمنذ آلاف السنين، توصلت المجتمعات، بالتجربة لا بالعلم، إلى توليفات غذائية ذكية جمعت الحبوب بالبقوليات، فوفرت نظاماً غذائياً غنياً بالبروتينات المتكاملة، الرز وفول الصويا في شرق آسيا والقمح والعدس في الهند والذرة والفاصولياء في الأميركتين. وهذه الحلول “البدائية” كانت في الواقع عالية الكفاءة من ناحية الغذاء والطاقة، قبل أن تفرض الحداثة الزراعية أنماطاً أكثر استهلاكاً للموارد. المجاعة تهدد البشر (يونيسف) في هذا السياق، يناقش سميل أيضاً فكرة التحول الشامل نحو النباتية، ونقاشه ههنا ليس أخلاقياً بقدر ما هو فيزيولوجي وبيئي، متسائلاً عن مدى استطاعة البشر الاستغناء كلياً عن المنتجات الحيوانية من دون اختلال نظامهم الغذائي، وعن صحة القول إن النظام الغذائي النباتي أقل كلفة بيئياً إذا أخذنا في الاعتبار الطاقة والأسمدة وسلاسل الإمداد. لا يقدم سميل إجابات قاطعة عن هذه الأسئلة، لكنه يرفض الحلول الراديكالية السهلة، ويذكر بأن التاريخ البشري لم يعرف أبداً نظاماً غذائياً مثالياً. فاللحوم، في تحليله، ليست متساوية، إذ إن إنتاج لحم البقر على سبيل المثال يتطلب طاقة وأعلافاً تفوق بكثير إنتاج الدجاج أو لحم الغنم والمعزة والخنزير. لكن الناس على ما يلاحظ يحبون أكل اللحم. ومن هنا دعوته الواقعية إلى تقليل الاستهلاك لا إلى إلغائه، وإلى قبول التحولات التدريجية بدلاً من الانقلابات الغذائية الشاملة. أما في ما يتعلق بالمستقبل، فيبقى سميل حذراً. ولا يراهن على “معجزات تقنية”، على رغم اعترافه بدور محتمل لتقنيات التحرير الجيني أو الزراعة السمكية التي باتت توفر اليوم بروتيناً يفوق ما يقدمه الصيد التقليدي. لكنه يصر على أن أي تقدم حقيقي سيكون بطيئاً وتراكمياً ومشروطاً بالاستقرار السياسي والاجتماعي. فالحروب والانهيارات المؤسسية، لا نقص الغذاء البيولوجي، هي التهديد الأكبر للأمن الغذائي العالمي. ختاماً، لا يقدم كتاب فاكلاف سميل برنامجاً سياسياً جاهزاً، بل يفرض على القارئ انضباطاً فكرياً نادراً. فهو لا يعدنا بعالم مثالي، لكنه يعطينا ما هو أثمن، فهماً أدق للعالم كما هو، ولما يمكن، وربما لا يمكن، تغييره. إنه كتاب ضد التهويل وضد الطمأنينة الزائفة في آن واحد. كتاب يعلمنا أن نفكر في الغذاء بوصفه مسألة حدود، لا رغبات، ومسألة توازنات، لا شعارات. ومع وصوله أخيراً إلى الفرنسية، يبدو أن القارئ الأوروبي وغير الأوروبي مدعو، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة النظر في علاقته بالطعام وبالوفرة وبالوهم المريح القائل إن الحلول الكبرى لا تحتاج إلا إلى إرادة سياسية. المزيد عن: أزمة الغذاء العالمي الجوع مستقبل الطعام البشرية القرن الحالي المنظومات العالمية الفاو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “ثلوج كليمنجارو”… قصة همينغوي في مجاهل أفريقيا next post قطر تدعو لتغليب المصلحة الوطنية في لبنان وتطبيق القرار 1701 You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026