الأحد, مارس 8, 2026
الأحد, مارس 8, 2026
Home » تنويم البشر وتجريدهم من إنسانيتهم: من كاليغاري إلى ما بعد هتلر

تنويم البشر وتجريدهم من إنسانيتهم: من كاليغاري إلى ما بعد هتلر

by admin

 

بين مسلسل “مرآة سوداء” وفيلم فريتز لانغ ما الذي يجعل من الإنسان آلة قتل؟

اندبندنت عربية / زياد عبدالله

ما الذي يجعل من إنسان آلة قتل، وحشاً لا يعرف رحمة ولا شفقة؟ هل للمعتقد والأيديولوجيا أن يكونا دافعين إن نجحا في شيطنة الآخر، ومنحا القاتل القدرة على تجريد الضحية من إنسانيتها، أم أنهما يجعلانه منوماً مغناطيسياً، مسرنماً، تقتصر حياته على الطاعة والولاء وتنفيذ الأوامر كرمى لإيمانه الأعمى بأنه ينتمي للحق والصواب، ما دام يلبي أيضاً مصالحه القريبة والبعيدة، الواقعية والوهمية؟

في فيلم الألماني روبرت واين الاستثنائي في تاريخ السينما “مقصورة الدكتور كاليغاري” The Cabinet of Dr. Caligari  (1920)، يستخدم كاليغاري سيزار لارتكاب كثير من الجرائم، محولاً إياه إلى آلة للقتل، فهو مسلوب الإرادة تماماً، نائم منذ أكثر من 23 عاماً، وهو لا يستيقظ بل يمشي في نومه، وينفذ الجرائم التي يأمره كاليغاري بارتكابها.

من كاليغاري إلى هتلر

وهنا يحضر سؤال كثيراً ما راودني وهو هل كاليغاري هو هتلر؟ ولعل أكبر محرض لهذا السؤال هو كتاب ريغرفيد كراكاكاور المفصلي في تاريخ السينما الألمانية “من كاليغاري إلى هتلر” (ترجمة كامل اسماعيل – دار المدى 2013) بمعنى أن هتلر نوّم الألمان بخطابه القومي النازي، والتفوق العرقي، وحوّله إلى “سيزار” أي حوّله إلى آلة قتل في الحرب العالمية الثانية، فكاليغاري (فرنز كراوس) يمتلك قوة سحرية لا يملكها سوى ساحر مشعوذ، كذا هو هتلر بصورة أو أخرى، يقدم عروضاً يجعل فيها من سيزار أن يخمّن أعمار البشر، وحين يحضر أحد عروضه فرانسيس وصديقه، يخبر هذا الأخير بأنه سيموت الليلة، وهذا ما يحصل، لكن على يدي سيزار.

كتاب “من كاليغاري إلى هتلر” (أمازون)

إحالة الفيلم إلى هتلر ليست شطحة مجازية، ولا على شيء من تحميل الفيلم رؤية استشرافية طالما أنه أنتج قبل وصول هتلر إلى مقاليد الحكم بـ13 عاماً، لكنه بلا أدنى شك متصل بقدرة الفيلم على احتمال مجاز كهذا، بما يشمل بقاعاً شتى من هذا العالم، ينوّم فيها زعيم شعباً، ويجعله يصدقه ويؤمن به، لا بل إن هذا الشعب يقبل عن طيب خاطر أن يتحول إلى أداة بيده، مهما بلغت تفاهة هذا الزعيم، إذ يكفي أن يدغدغ المشاعر ويكسب القلوب بخطاب شعبوي سهل، وهذا غالباً ما يحدث في الأوطان الممزقة أو المهزومة أو الخارجة من حروب مدمرة، ففي توقيت كهذا تكون التربة خصبة لخلق ديكتاتور،  كما هي حال الشعب الألماني وهو يتلقف هتلر بوصفه مخلصاً بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى والإذلال الذي تعرض له الكبرياء الألماني.

في ما تقدم بعض من مقاصد كاتبي سيناريو “مقصورة الدكتور كاليغاري” هانس يانوفيتس وكارل ماير، فكما يرد في كتاب كراكاكاور فإن “شخصية الدكتور كاليغاري تجسد السلطات المطلقة التي تقدس السلطة من أجل ذاتها، وتتجاهل، من دون أية اعتبارات، الحقوق الإنسانية والقيم كافة لإشباع شهوات السيطرة عندها. ولم يكن سيزار سوى أداة وليس قاتلاً مذنباً مثله مثل ضحايا كاليغاري البريئة”. وبحسب يانوفيتس الذي خدم أثناء الحرب العالمية الأولى ضابط مشاة، فإن شخصية سيزار بدت له “رجلاً صغيراً روضته الخدمة الإجبارية ليقتل ويُقتل”.

وظل ما تقدم ماثلاً في “كاليغاري”، على رغم أن السيناريو تعرض لتعديلات على يد المخرج روبرت فينه، مجرياً بالتوافق مع لانغ تغييرات كبيرة على القصة الأصلية، ومن دون أن يكترثا لاعتراض المؤلفين الشديد. فكل ما نشاهده في الفيلم يجري في ذهن فرانسيس الذي يعاني اضطرابات نفسية وهو نزيل مصح عقلي، بالتالي نكتشف في الجزء الأخير من الفيلم أن كاليغاري ليس سوى مدير مصح الأمراض العقلية حيث يوجد فرانسيس، وسيزار أحد نزلائه وكذا هي جين التي يخطفها سيزار، وهنا تظهر جلية دوافع اعتراضات يانوفيتس وماير على معالجة روبرت فينه “لأنه قلب أهداف الفيلم الحقيقية إلى عكسها، فبينما أرادت القصة الحقيقية الكشف عن الجنون الذي يستوطن كل سلطة، أثنى فهم (فينه) للقصة على هذه السلطة وألقى بتهمة الجنون على الجانب الآخر، وهكذا جرى قلب مادة ثورية إلى توافقية باتباع وسيلة تستخدم باستمرار ألا وهي تقديم إنسان سليم عقلياً لكنه مأزوم، يوحي بشيء من الخلل العقلي، وليودع بعدئذ في مصح للأمراض العقلية”.

تيسير القتل والضغط على الزناد

مسلسل _مرآة سوداء_ (نتفليكس)

في حلقة من مسلسل “مرآة سوداء” Black Mirror (الموسم الثالث) بعنوان “رجال يجابهون النار” Men Against Fire لا يعود القتل بحاجة إلى تنويم مغناطسي، بل يوفر التطور التكنولوجي حلولاً تلغي تماماً المشاعر الإنسانية، يتحول فيها العدو إلى مسخ أو “فامبير”، وجميع من هم كذلك يسمّون “الصراصير”، فهنا الجندي يخضع لبرنامج اسمه “ماس” Mass يبرمج رأسه وأفكاره وحواسه، بالتالي فإنه يرى الأعداء “الصراصير” كائنات مشوهة ومتوحشة، عليه قتلهم جميعاً صغارهم وكبارهم، فهو إن لم يفعل فإنهم سيقومون بنهشه والتهامه.

وسيحصل خلل في البرنامج المزروع في رأس المجند ستريب، بالتالي فإنه سيتمكن من رؤية الصراصير الأعداء على حقيقتهم، بشر مثله مثلهم، فيتمرد ويقوم بمساعدة أم وابنتها وينجيهما، وإن لحين، من القتل المحتوم على يد زميلته، ولتتمكن هذه الأخيرة من اقتياده إلى الثكنة حيث يحتجز، ويوضع أمام خيارين، إما أن تعاد برمجته، بالتالي يعود يمارس قتل “الصراصير” بلا تردد، أو أن تبقى في رأسه الصور الحقيقية لمن قتلهم، وكيف قتلهم، طالما أنها فيديوهات مسجلة ستدور في رأسه إلى ما لا نهاية! ويأتي ذلك بعد أن يظهر مدير هذا البرنامج للمجند ستريب كل ما خفي عنه، موضحاً أن “الصراصير” هم بشر أدنى مكانة “هل لديك أية فكرة عن كمية القذارة الموجودة في حمضهم النووي؟ معدلات أعلى من السرطان. ضمور عضلي (…) معدل ذكاء منخفض. ميل نحو الجريمة. انحرافات جنسية. كل ذلك موجود فيهم. الفحوص تظهر ذلك. هل هذا ما تريده للجيل المقبل؟ لا تشعر بالذنب لأنك تقوم بعملك”، وعمله ماثل بأن يقتل أي واحد منهم، لا لشيء إلا لأنهم أدنى مرتبة، وبرنامج “ماس” يجعل من تلك المهمة شديدة السهولة واليسر “يساعدك في استخباراتك، في استهدافك، في اتصالاتك، في تكييفك. أصبح الضغط على الزناد أسهل بكثير عندما تصوب إلى إنسان خيالي، أليس كذلك؟ والبرنامج لا يقتصر على بصرك وحده فقط، بل يهتم بحواسك الأخرى أيضاً لا تسمع الصراخ، ولا تشم رائحة الدم أو القذارة”.

تاريخية الخيال العلمي

يبدو كتاب “صناعة الوحوش – كيف يجرد البشر من إنسايتهم” لديفيد سميث (ترجمة سلمى الحافي – دار الساقي 2025)، على شيء من تاريخية الخيال العلمي في حلقة “مرآة سوداء” سالفة الذكر، لا بل واقعيته، فالخيال العلمي فيها لا يتعدى الاختراع المتمثل في برنامج “ماس”، إذ إن الأحداث والوقائع وبالتأكيد المجازر التي شهدتها وتشهدها البشرية قامت على تجريد طرف لطرف آخر من إنسانيته، اعتبار الأول للثاني بأنه مجرد “صرصور” يجب القضاء عليه، أو كما يقول سميث “نجرد الآخرين من إنسانيتهم عندما ننظر إليهم على أنهم مخلوقات دون بشرية. قد تكون هذه المخلوقات حيوانات غير بشرية مثل القمل والفئران أو الثعابين أو الذئاب” أو قد تكون كائنات خيالية أو خارقة للطبيعة مثل الوحوش والشياطين.

الكتاب حافل بالتواريخ والوقائع التي تضيء على ما تقدم، مستعرضاً كل الآليات التي تجعل من الإنسان وحشاً يقتل وينكل ويرتكب أفظع الفظائع بعد أن يجرد ضحاياه من إنسانيتهم، ولينحصر ذلك في الكتاب بداية مع “السود” وما تعرضوا له من فظائع في أميركا، ولينسى ذلك ويصبح كل التركيز على مجازر اليهود والجذر التاريخي للـ”هولوكوست” المتمثل في مجازر القرن الـ13 بعد اجتياح الطاعون لأوروبا، بعد أن بدأ الكتاب بمجازر راوندا ولم يعد لها أبداً، ولعل ما استوقفني على نحو خاص هو الفصل المتصل بدور الأيديولوجيا في تجريد البشر من إنسانيتهم، بمعنى قدرتها على فعل ذلك.

ففي هذا الفصل يقتبس سميث من تيري إيغلتون قوله “قد تقوم القوة المهيمنة بشرعنة نفسها من خلال إنتاج معتقدات وقيم متجانسة معها، وتطبيع وتعميم هذه المعتقدات لجعلها تبدو بديهية لا مفر منها، وتشويه سمعة الأفكار التي قد تتحداها، واستبعاد أشكال الفكر المنافسة. وقد يتم ذلك من خلال بعض المنطق غير المعلن إنما المنهجي، وطمس الواقع الاجتماعي بطرق تناسبها” وفي الفصل نفسه يقتبس من قولها إن حصول الأشياء على وظائفها البعيدة يجب أن يستوفي شرطين “يجب أن يكون الشيء إعادة إنتاج، أو إعادة إنتاج لإعادة إنتاج لنموذج أولي لسلف”، وبكلمات أخرى لمليلكيان “لا تصبح المعتقدات أيديولوجيات إلا إذا أعيد إنتاجها لمدة كافية من الوقت. ولكي يحدث هذا، يجب أن تتوافر الوسائل من أجل إنتاجها ونسخها وتوزيعها واستهلاكها”.

ومع تحقق ذلك تصبح مجاميع بشرية مسرنمة مثل “سيزار”، ويمكن لكاليغاري أن يقودها حيث يشاء ويجعلها ترتكب الجرائم، وأن تجرد كل من يعارض غايات كاليغاري من إنسانيته فيسهل إذلاله وقتله والتنكيل به.

المزيد عن: سينما الخيال العلميآلة القتلالإنسانالتحولالبشرالأخطاء الإنسانية

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00