الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو (مؤسسة هوغو) ثقافة و فنون “أوراق من حياتي” تكشف عن الوجه الصوفي لفيكتور هوغو by admin 27 مايو، 2026 written by admin 27 مايو، 2026 11 كتبها في منفاه مستشرفا مستقبل الحضارة الغربية اندبندنت عربية / عبد الكريم الحجراوي ترك فيكتور هوغو (1802- 1885) مخطوطتين، إحداهما شعرية والأخرى نثرية لم ينشرها في حياته. أما العمل النثري فهو كتابه “أوراق من حياتي” الذي نشر للمرة الأولى في باريس عالم 1901 بمقدمة من الناشر والمحرر كالمان ليفي، إلى أن نقله إلى العربية بعد نحو قرن وربع عن الفرنسية المترجم المصري حسن عبدالفضيل (مكتبة المتنبي). ويضم الكتاب تأملات وشذرات دونها هوغو خلال منفاه الذي استمر 19 عاماً، وهي المرحلة التي أنجز فيها بعضاً من أهم أعماله، ومنها “البؤساء”. حملت تلك الكراسات عنوان Post-scriptum de ma vie، وكلمة Post-scriptum الفرنسية المأخوذة عن اللاتينية تعني التذييل أو الإضافة التي تكتب بعد توقيع الرسالة. واختار المترجم نقل العنوان إلى العربية بصيغة “أوراق من حياتي”، لكونها أقرب إلى روح الكتاب ومضمونه كما يوضح ذلك في الهامش. الكتاب بالترجمة العربية (مكتبة المتنبي) تؤرخ هذه الشذرات لجانب من الحياة الفكرية لـفيكتور هوغو في منفاه الذي بدأ عام 1852، وتتراوح الصفحات بين جانب أدبي يكشف عن آراء هوغو في الفن والشعر والشعراء وجانب فلسفي تتجلى فيه تأملاته حول الروح والقدر والخلق والله. كما يضم الكتاب أوراقاً منفصلة تحمل عنوان “كومة من الحجارة”، وهي من أجمل أقسامه وتحمل قدراً عالياً من التكثيف أقرب إلى شذرات الحكمة أو الومضات الفكرية التي تمزج الأدب بالأخلاق والسياسة والفن. ومن بين تلك العبارات “الشعر يحوي الفلسفة مثلما تحوي الروح العقل”، و”المثقفون والباحثون والعلماء يرتقون السلالم، أما الشعراء والفنانون فيطيرون”، و”قبل أن تتعاظم خارجياً، عليك أن ترسخ قدميك داخلياً”، وكذلك قوله “الحماقة تقول، والحقيقة تفعل”. ثنائيات أدبية ويطغى على تفكير هوغو في هذا الكتاب هاجس البحث عن الثنائيات، فتتكرر في شذراته أسئلة التراث والحداثة، الشكل والمضمون، الذوق والعبقرية، الروح والمادة، النور والظلام. فالثنائيات هي البنية الحاكمة لرؤيته الفلسفية، ويتضح ذلك في قوله “الطبيعة تباشر عملها بالتضاد، فعبر التعارض تبرز المحسوسات، وعبر تعارضات الأشياء تشعرنا الطبيعة بالأشياء، النهار والليل، الحر والبرد، وحقيقة الشيء والكون والحياة والقدر كلها بالنسبة إلى الإنسان ليست سوى ثنائية هائلة من النور والظلام”. ومن هذا المنطلق يلتقط هوغو قضاياه الفكرية والجمالية، مستنداً إلى رؤيته القائمة على التناقض والثنائية، ولعل من أبرز القضايا التي يثيرها وما تزال تشغل النقاد والقراء حتى اليوم مسألة الفصل بين المبدع وإبداعه، فينتصر هوغو في هذه الثنائية للإبداع ذاته، بعيداً من السمات الشخصية لصاحبه غير منشغل بما قد يتصف به بعض المبدعين من نزعات سوفسطائية أو انغماس في الشهوات والبحث عن اللذة أو حتى ضعف الإيمان والانحياز إلى الطغاة. فالقيمة الفنية عنده ليست لها علاقة بالسمات الأخلاقية لصاحبها، ويضرب مثالاً بالشاعر اللاتيني هوراس (65 ق.م – 8 ق.م)، الذي يصفه بأنه لم يكلف نفسه حتى الالتفات مودعاً جثمان أمه، ومع ذلك ظل شعره قادراً على إلهام البشر وتهذيب أرواحهم فيقول عنه “طالعوه، ذلك المتشكك سيدعمكم، ذلك الجبان سيشعل جذوتكم، ذلك المنحل سيزكي نفوسكم، وعلى إثر قراءتكم لهذا الإنسان الفاسد ستخرجون في أفضل حال”. الكلمة والفكرة الكتاب بالأصل الفرنسي (فناك) ويعرج هوغو في أوراقه على واحدة من القضايا اللسانية التي ستغدو لاحقاً من الأسس الجوهرية لعلم اللغة الحديث عند فرديناند دي سوسير، يرفض الفصل بين الكلمة والفكرة، معتبراً أن العلاقة بينهما تشبه علاقة الروح بالجسد، فلا يمكن تصور أحدهما بمعزل عن الآخر. ومن ثم فإن الفصل بين المحتوى والشكل على النحو الذي تبنته بعض الاتجاهات النقدية القديمة، ليس سوى ضرب من القتل للنص ذاته. فالهجوم على الكلمة هو في جوهره هجوم على الفكرة، لأن الأسلوب كيان عضوي متماسك لا يقبل الانفصال. تلك الفكرة التي ستتشغل فرديناند دي سوسير مؤسس علم اللغة الحديث، وسيأتي بنظريته اللغوية التي ميز بين الدال والمدلول داخل العلامة اللغوية، معتبراً أن العلاقة بينهما ليست تطابقاً عضوياً كاملاً، بل علاقة اعتباطية تنشأ داخل النسق اللغوي نفسه. وبذلك لم تعد الكلمة عنده امتداداً طبيعياً للفكرة بقدر ما أصبحت علامة تتكون من صورة صوتية هي “الدال” ومفهوم ذهني هو “المدلول”. وهذا الرفض للفصل بين الكلمة والفكرة يمتد عن هوغو إلى رفضه الفصل بين الشكل والجوهر فبالنسبة إلى المبدع “الفكرة مع العبارة، المحتوى مع الشكل، إنها الوحدة، الفكرة من دون الكلمة تجريد، والكلمة من دون الفكرة ضجيج، رابطتهما معاً هي حياتهما، وليس في مقدر الشاعر تصورهما مغايرين”. رؤية متسامحة وتظهر هذه الأوراق جانباً آخر من شخصية فيكتور هوغو يتمثل في نزوعه الإنساني المتسامح وانفتاحه الروحي على مختلف الثقافات والأديان فيقول “بين كل الكتب تظل الكتب العظيمة غير قابلة للمقاومة، لا يمكن للإنسان أن يبدي أدنى مقاومة أمامها، فيمكننا قراءة القرآن من دون أن تكون مسلماً، وبإمكاننا قراءة الفيدا من دون أن نصير فقراء…”. وفي موضع آخر يذهب أبعد من ذلك حين يقول: “إنني أعتنق كل الأديان مثلما أنتمي إلى كل الأحزاب، إنني أؤمن بالله إله كل البشر، أؤمن بالحب لدى كل القلوب، أؤمن بالحقيقة في كل الأرواح”. وتستدعي هذه الروح ما قاله ابن عربي في أبياته الشهيرة: “وقد صار قلبي قابلاً كل صورة… فمرعى لغزلان ودير لرهبان / وبيت لأوثان وكعبة طائف… وألواح توراة ومصحف قرآن / أدين بدين الحب أنى توجهت… ركائبه فالحب ديني وإيماني”. فثمة تقاطع واضح بين النزعة الإنسانية لدى هوغو والرؤية الصوفية الكونية عند ابن عربي، ينطلق كلاهما من الإيمان بأن المحبة أوسع من الحدود الضيقة للهويات والانتماءات. حوار مع ملحد وفي الجزء الأخير من الكتاب تأخذ تأملات هوغو طابعاً إيمانياً هو يبسط أحداث الاكتشافات التي وصلت إليه العلم في عصره ويصيغها في شكل خواطر يجعل منها مقدمات تصل في النهاية إلى حتمية الإيمان بوجود الإله الواحد المطلق، فيقول “في أيامنا تسود روح علمية ليست أقل انغلاقاً من الروح الدينية، يكتسي الضلال بجلد جديد لكنه يظل على حاله ضالاً”، ويقطع برأيه في مسألة العلم والدين قائلاً “حاصل الكلام أن العلم والدين كلمتان متطابقتان، المتبحرون في العلم لا يشكون في ذلك، ولا رجال الدين كذلك، الكمتين تعبران عن وجهي منحدر الحقيقة ذاتها، التي هي المطلق، الدين – العلم ذل هو مستقبل النفس البشرية” (ص287- 288). يجري حواراً مع ملحد في صيغة ذات طابع مسرحي، لينتهي إلى تأكيد زيف التصورات الإلحادية أمام قدرة الخالق، رافضاً أن يحل العلم محل الله. فهو يرى أن العلم، حين ينفصل عن البعد الروحي والأخلاقي، يصبح قصير النظر أشبه بعبادة الأوثان في صورتها الحديثة ويحذر من مغبة طغيان الفكر المادي النفعي الذي يحول الإنسان “لمجرد شيء مثله مثل أي شيء آخر” (ص277). اقرأ المزيد أضواء جديدة على مسار فيكتور هوغو السياسي المتقلب عندما يحول الأميركيون الحديث عن رائعة فيكتور هوغو إلى حديث عن الأرقام ويرى هوغو أن النظرة المادية ستقوض الخطابات القائمة على مركزية الإنسان وحريته وروحه، “ستلغي بكل وضوح كثيراً من الخطابات المنصبة على أولوية الإنسان والحرية الإنسانية والروح الإنسانية”، لتفضي في النهاية إلى عالم بلا مطلقات أو قيم مثالية، ومن ثم إلى انهيار فكرة التقدم نفسها وتحلل النسق الحضاري بأكمله، “هل تعلمون ماذا سيحدث حينها ستتقوت العبثي على حساب الحقيقي” (ص283). ويكتسب هذا الطرح بعداً استشرافياً إذا ما قرئ في ضوء ما شهده القرن الـ20 لاحقاً من حروب عالمية وأنظمة شمولية حولت الإنسان بالفعل إلى أداة داخل الآلة الرأسمالية، وعملت على تسليع كل شيء وفقاً لمنطق السوق القائم على الربح والخسارة، فجاءت هذه التحذيرات في صورة أقرب إلى نبوءة مبكرة حول انهيار القيم الإنسانية تحت وطأة المادية. وما هو تحقق لاحقاً في كثير من الاتجاهات الفكرية والفنية الغربية، خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى، التي سادت فيها تيارات مثل العبثية والسريالية والدادائية، التي عبرت عن انهيار المعنى وفقدان اليقين أمام عالم بدا أكثر قسوة ولا عقلانية. كما جاء تيار ما بعد الحداثة ليرصد بدوره ما كان هوغو قد لمح إليه مبكراً، حين حذر من تشيؤ الإنسان وتحويله إلى كائن استهلاكي فاقد لجوهره الروحي والإنساني. وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنه على رغم انتماء هوغو إلى القرن الـ19 كان يمتلك حساً نقدياً نافذاً تجاه المستقبل ولم ير في التقدم العلمي خلاصاً للبشرية، وكان مدركاً لإمكان أن يتحول هذا التقدم نفسه إلى قوة تسحق الإنسان إذا انفصلت عن البعد الأخلاقي والروحي. ولعبت ترجمة حسن عبدالفضيل دوراً مهماً في تقديم هذه الأوراق إلى العربية للمرة الأولى، فجاءت حافلة بالهوامش والتعليقات التي تشرح الأماكن والشخصيات والمصطلحات والإشارات الميثولوجية الواردة في ثنايا النص الأصلي، إلى جانب توضيح ما قد يغمض من تعبيرات على القارئ العربي. ولم يقتصر جهده على الشرح والتفسير، وتجاوزه إلى المقارنة بين الدلالات المختلفة للألفاظ وإمكانات ترجمتها. ففي هامش الصفحة 248، عند كلمة Aimant، يشير إلى أن اللفظة تحمل معنيين: الأول “مغناطيس جاذب”، والثاني “محب”، ثم يوضح سبب إيراده للمعنيين معاً، قائلاً إن الأول يتسق علمياً مع سياق الفقرة السابقة، بينما يتناغم الثاني مع الصورة الرمزية المحببة لدى الرومانسيين، خصوصاً أن الترجمة الإنجليزية ذهبت إلى هذا المعنى. عملت الترجمة على الكشف عن الطبقات الدلالية والرمزية لأفكار الكتاب العربية، كما عمد عبدالفضيل إلى لغة جزلة ورصينة ذات بعد كلاسيكي تتناسب مع طبيعة المادة المترجمة، وتستحضر روح العصر الذي كتبت فيه الشذرات. المزيد عن: فيكتور هوغو كاتب فرنسي كتاب ترجمة الوجه الصوفي أوروبا الحضارة الغربية المنفى 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ذكريات توفيق صالح الباريسية: ثرية ومبتورة next post كيف تنظر مصر لمستقبل “حماس” وسط ضغوط ملادينوف؟ You may also like ليلى مراكشي تلاحق أصوات العاملات المنسيات في “توت... 27 مايو، 2026 مرصد المجلة للأفلام… جولة على أحدث عروض السينما... 27 مايو، 2026 ذكريات توفيق صالح الباريسية: ثرية ومبتورة 27 مايو، 2026 فنون الحج بمصر… تراث في محبة الرحلة 27 مايو، 2026 إصدارات.. نظرة أولى 27 مايو، 2026 كيف يكون الإنسان حراً داخل عالم تحكمه الطبيعة؟ 27 مايو، 2026 “الأفروسنتريك”… معركة التاريخ والهوية في مصر 27 مايو، 2026 “شرائط مصورة” إيطالية تروي سيرة قديس جزائري 27 مايو، 2026 “فيورد” الروماني يحصد ذهبية “كان” بقصة العائلة المقتلعة 25 مايو، 2026 غولدوني ومهمة كشف النفاق الاجتماعي في “مدرسة الرقص” 25 مايو، 2026