ثقافة و فنون نهاية بائسة لبطل كافكا في زاوية السيرك by admin 31 مايو، 2026 written by admin 31 مايو، 2026 15 هل كان النص الأخير للكاتب بعنوان “بطل الصيام” هو وصيته الفكرية التي أعلن فيها استسلامه؟ اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب بصورة عامة تعتبر قصة “بطل الصيام” واحدة من آخر النصوص التي كتبها فرانتز كافكا (1883 – 1924)، الكاتب التشيكي الكبير باللغة الألمانية، في ختام مسيرة أدبية تواكبت مع حياة لا شك أن العبارة التي قالها الكاتب بصدد هذه القصة نفسها يمكن أن تعتبر نوعاً من خلاصة لهما، أي المسيرة الأدبية والحياة نفسها على السواء، فهو قال في ختام النص معلقاً ما معناه أن “الصيام لم يعد قادراً على تغذية بطله”. ولم تكن تلك النتيجة الموجزة سوى الملاحظة التي أدلى بها كافكا وهو يختم، في القصة، صفحات فلسفية وجودية تتحدث وحسب عن ضروب المعاناة والمجد التي توالت على مسار فنان حقيقي كمن فنه في مجال فريد من نوعه. كمن في تحمل الصيام طوال ساعات وأيام داخل قفص مغلق معروض مكشوفاً على حلبة سيرك، أمام أنظار المتفرجين المصفقين المهللين، من الذين تمكن إجماعهم من أن يجعل رياضة الصيام نوعاً من الفنون الجميلة وعرضاً تتدفق الجماهير للتمتع برائده البطل واحتماله الجوع من دون أن يشكو أو يئن طوال زمن قياسي يصل، أمام أنظارنا وأنظار الجمهور المفتون، إلى 40 يوماً. وهكذا حين يتمكن الصائم من البقاء طوال تلك الفترة الزمنية المؤهلة يعتبر بطلاً فريداً من نوعه ويخرج من قفصه مكللاً بالانتصار. غير أن ما تخبرنا به القصة يبدو مختلفاً، فالـ40 يوماً ليست في الحقيقة الفترة الزمنية القصوى التي يمكن للبطل خلالها أن يبقى من دون طعام، بل هي الزمن الذي حدده مشغله في السيرك باعتباره الفترة التي يتحملها صبر الجمهور، لا طاقة الصائم نفسه. وهنا يكمن الجوهر المفصلي للقصة وبعدها الفلسفي على أية حال. فنان جوع حقيقي فالواقع أن هذه القصة، التي تكاد تكون الأخيرة بين كتابات كافكا تعتبر من أكثر نصوصه كثافة من جهة الرموز والدلالات الفلسفية، إذ إنها تتجاوز كونها حكاية شخص يمارس الصيام كاستعراض لتصبح تأملاً عميقاً في العزلة الإنسانية والبحث عن معنى وعلاقة الفنان بالمجتمع. وكما أشرنا، تحمل كتابة كافكا هذه القصة كل دلالاتها، في المرحلة الأخيرة من حياته، وكأنها اعتراف رمزي منه يعبر عن شعور الإنسان بأن العالم عاجز عن فهم جوهره الحقيقي. إحدى طبعات “بطل الصيام” باللغة الفرنسية (أمازون) تدور القصة من حول “فنان صيام” اشتهر بقدرته على الامتناع عن الأكل أياماً طويلة داخل ذلك القفص الذي يعرض فيه أمام الجمهور. في البداية كان الناس مبهورين بذلك الأداء الغريب، لكن الاهتمام به أخذ يتراجع مع الزمن حتى انتهى الرجل منسياً داخل سيرك، بينما راح الجمهور ينجذب ناحية الحيوانات القوية والمليئة بالحياة. وعلى هذا النحو يضع الكاتب تلك المفارقة الأساسية التي ينجذب المجتمع فيها إلى القوة الظاهرة والمتعة السريعة، لكنه يعجز عن فهم المعاناة الداخلية أو الفن القائم على الزهد والتقشف، فالصيام في القصة ليس مجرد امتناع عن تناول الطعام، بل هو رمز لحال وجودية، حين يبدو البطل وهو في حال رفض للعالم المادي كله ويحاول الوصول إلى نوع من الصفاء المطلق، غير أن هذا السعي هو الذي يتحول إلى شكل من أشكال تعذيب الذات. البحث عما يناسب إن الصيام عن تناول الطعام ليس، كما يفترض بأي صيام حقيقي أن يكون، صوماً بدافع ديني أو أخلاقي، بل لمجرد أن الممتنع لا يجد في ما يقدم إليه طعاماً يحبه. إنه هو نفسه يعترف لنا في نهاية الأمر أنه في الحقيقة: “لم أكن قادراً على أن آكل شيئاً لأني لم أعثر أبداً على ما يناسبني”. اقرأ المزيد هرابال التشيكي البوهيمي الذي كسر احتكار كافكا وكونديرا هل التزمت السينما بأسلوب كافكا عندما اقتبسته؟ كافكا لا يريد أن يموت في رواية فرنسية بوح “فرويدي” لكافكا في رسالة لم تصل إلى والده ومن المؤكد أن هذه العبارة هي التي تضعنا أمام البعد النفسي الفلسفي العميق لهذا النص: أن الإنسان قد يشعر باغتراب كامل عن العالم، إلى حد أنه يعجز عن التوفيق بين رغباته الخاصة وقيم مجتمعه. وفي هذا السياق نفسه، تعكس القصة، ولو بصورة مواربة، أزمة الفنان الحديث. فنان الصيام هذا لا يريد أي اعتراف مطلق بفنه، لكنه في الوقت نفسه يشعر بقدر كبير ومطلق من الاحتقار تجاه الجمهور العاجز عن فهمه، فناننا يعيش تناقضات جذرية بين حاجته إلى الآخرين ورغبته في الانفصال عنهم. وهنا بالذات، وبحسب ما سيقول ألبير كامو بصدد حديثه عن كافكا لاحقاً، يقترب كافكا من الفلسفة الوجودية التي ترى الإنسان كائناً وحيداً يبحث بلا جدوى عن معنى ثابت في عالم بارد غير مبالٍ به على الإطلاق. إنها غربة الفنان – وليس فقط فنان الصيام هذا – عن العالم وعن مسار البشر في علاقتهم بهذا العالم. غربة كل فنان حقيقي، ومن ثم كل إنسان حقيقي، عن وجود لم يخطر لنفسه أن يوجد فيه، ثم توهم أن في مقدوره التأقلم معه. نمرة قوية بدل الفنان والحقيقة أن النهاية التي يقترحها كافكا لقصته هذه تحمل دلالة بالغة القسوة، لكنها تتسق تماماً مع المقدمات التي يحملها متن النص منذ لحظاته الأولى. فبعد موت الفنان، وليس بفعل صيامه، بل بالأحرى بفعل وحدته معزولاً في ممر في السيرك يمر به الناس والحيوانات وأهل السيرك أنفسهم من دون أن يلتفت إليه أحد، وقد انتهت صلاحيته بالنسبة إليهم جميعاً، بعد موته يستبدل به أنثى نمر قوية مفعمة بالحيوية، نمرة تثير إعجاب الجمهور الذي يسارع بالالتفاف حولها، إنها حيوان يرمز إلى الحياة الغريزية الطبيعية وإلى الانسجام التام مع الرغبات الجسدية، وهي في ذلك تبدو نقيضاً مطلقاً لفنان الصيام الذي استنزف طاقته وقوته وصبره في رفضه للحياة. وكأن كافكا أراد هنا أن يقول لنا إن الكائن الذي ينفصل تماماً عن العالم ويضع نفسه خارج الوجود ينتهي إلى التلاشي حتى وإن لم يرد ذلك، في وقت تواصل فيه الحياة مسيرتها تبعاً لقوانينها البسيطة والراسخة. وتبعاً لهذا التفسير غير الكافكاوي، على أية حال، لنص كافكا، تتحول القصة إلى تأمل مأسوي في العزلة، ولكن أيضاً في محدودية الفن، واستطراداً في مأزق الإنسان الباحث عن معنى لا يعرف، أو يعرف حتى، أنه لن يعثر عليه أبداً! فإذا كان هذا التفسير منطقياً، أولسنا نجد في هذا النص ما يشير إلى محاولة من الكاتب للتصالح مع وجود كان قد عبر في أدبه السابق، كله، عن عدم القدرة على تحمله؟ أم أن علينا، انطلاقاً من هذا النص المتأخر، أن نحاول إعادة النظر في معظم الشروحات التي تبنيناها تماماً باعتبارها كافكاوية، ونادراً ما بدا لنا أن في مقدورنا أن نجد، يوماً، في ذلك النص القصير ما ينكرها كلها، أو في الأقل ما يشير إلى سوء فهمنا لها؟ المزيد عن: فرانتز كافكا الفلسفة الوجودية بطل الصيام روايات كافكا 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هل نخرج من الأرض أم نظل فيها؟ صراع الرؤى بين ماسك وبيزوس next post لا اتفاق نهائيا بين طهران وواشنطن وإسرائيل تواصل توغلها في لبنان You may also like الإسفنجة النووية الأمريكية.. سلاح واشنطن السري في مواجهة... 1 يونيو، 2026 رحيل «جدّ المثقفين»… إدغار موران يغلق قوس قرنٍ... 1 يونيو، 2026 صراع السردية الفلسطينية والإسرائيلية في “أرض الحب والغياب” 30 مايو، 2026 ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي 30 مايو، 2026 الروائي جاك لندن: أفضل أن أكون رمادا لا... 29 مايو، 2026 حين تقرر الخوارزمية من يموت ومن يعيش… في... 29 مايو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: مجسّمات كلاسيكية أموية 29 مايو، 2026 “فلاسفة مقاومون” يبددون القلق الوجودي في زمن العنف 28 مايو، 2026 عندما نأى إميل زولا عن تياره الأدبي “الطبيعي” 28 مايو، 2026 “الكهل الذي نسي” يكتب سيرة متخيّلة لسمير قسيمي 28 مايو، 2026