الجمعة, يوليو 17, 2026
الجمعة, يوليو 17, 2026
Home » قراءة فلسفية في كرة القدم تنطلق من مدرجات الملاعب

قراءة فلسفية في كرة القدم تنطلق من مدرجات الملاعب

by admin

 

البريطاني سايمون كريتشلي  يحلل ظاهرة “التشجيع” وخلفياتها الواعية واللاواعية

اندبندنت عربية / سارة النمس

لا يكتفي سايمون كريتشلي بالكتابة عن التفكير في اللعبة بل عن التفكير في التفكير فيها، متجاوزاً الوعي المباشر بها إلى مستويات اللاوعي، وما قد يحدث من انفعالات في نفس المشجع. إضافة إلى تأثيرها اللحظي على لغته وتواصله وردود فعله وإحساسه النسبي بالوقت، حتى يصل في بعض الأحيان إلى حالة تشبه الثمالة. وإلى جانب اختيار أستاذ الفلسفة “المشجع” محوراً رئيساً للبحث والتأمل، يحلل كريتشلي الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه الرياضة.

صدر الكتاب عن دار مدارات للأبحاث والنشر، بترجمة عربية لمحمود عبد الحليم، ولعل الحماسة التي تثيرها بطولات كأس العالم، تعيد الجماهير إلى أدب كرة القدم والقراءة عنها. فقد أسرت هذه الرياضة الساحرة العديد من الفلاسفة والشعراء والروائيين، الذين عبروا عن شغفهم بها في كتب ومقالات تناولت كرة القدم كظاهرة حضارية عجيبة ومؤثرة قد توحد الشعوب وقد تتسبب في انقسامها. نيلسون مانديلا رأى فيها وسيلةً للمصالحة الوطنية لبلده ورمزاً جديداً للهوية الوطنية بعد سنوات من القمع والفصل العنصري. بينما وصفها محمود درويش بالحرب العالمية التي يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر. وقد كتب الشاعر الفلسطيني عن يومياته أثناء حصار بيروت 82، وكيف كان ينتظر توقف القصف لمدة تسعين دقيقة، لينزل مع أصدقائه إلى القبو ويشاهدوا المباريات.

من الاشتراكية إلى الرأسمالية

الكتاب بالترجمة العربية (دار مدارات)

لا يهتم الجميع بكرة القدم، بل هنالك من يذهب حد تسخيفها بوصفها لعبة تافهة يركض فيها مجموعة من الرجال خلف كرة منفوخة بالهواء. لكن هذه اللعبة الساحرة التي أسرت ملايين قلوب المشجعين، على اختلاف مستوياتهم التعليمية والاجتماعية، تستحق التوقف عند تأثيرها. وهو ما يفعله الفيلسوف سايمون كريتشلي في كتابه، إذ يفسر بأنها لعبة قائمة على التكتيك واحتلال المساحات، حيث يحاول كل فريق عسكرة المكان وفرض سيطرته بممارسة الحصار، لتسجيل الأهداف وتحقيق الفوز، وهو ما يشكل امتداداً للحرب ومحاكاة لها على مستطيل أخضر، كذلك يشبه سايمون الفريق بجيش صغير له قوة محكمة ومدربة ذات تسلسل قيادي واضح.

يميل سايمون كريتشلي إلى اعتبار الاشتراكية الشكل السياسي الذي يلائم كرة القدم، فاللعبة هي تعاونية في جوهرها، وتستند إلى الانسجام بين اللاعبين الذين يلعبون معاً لتحقيق مصلحة مشتركة، وعندما يخفقون في ذلك ينهار الأداء الجماعي ويعود الفريق إلى صورته الأولى، ذرات متجزئة فيتصدع البناء كله، إضافة إلى ذلك يعلل ارتباط المشجعين بفرقهم المفضلة بالحاجة إلى الإحساس النابض بالانتماء إلى الجماعة، على رغم مما تظهره من أشكال لقومية رجعية متأصلة في الشعوب وصدامات عنيفة قد تحدث بين المناصرين. غير أن كريتشلي لا يتردد في انتقاد المنظومة الكروية وهو يتأمل كيف تحولت كرة القدم من لعبة شعبية إلى صناعة بالمليارات تديرها أنظمة رياضية فاسدة، عندما تصبح الأندية ألعوبةً في يد أصحاب الثراء الفاحش والنفوذ الواسع ويستغل ولاء المشجعين في إنفاق مال ملوث كثيراً ما يأتي من مصادر فوق الشبهات. على هذا النحو تكشف كرة القدم في نظره، عن تناقضات  الحقبة الرأسمالية مع روح اللعبة التعاونية الاشتراكية.

شعرية كرة القدم

أول ما يمكن ملاحظته في نصوص سايمون كريتشلي هو شغفه بكرة القدم الذي يطغى على رؤيته الفلسفية ونقده الموضوعي للعبة. إذ يحرره هذا الارتباط العاطفي من صرامة خلفيته الأكاديمية كأستاذ فلسفة، ويكشف جانباً أكثر حميمية في علاقته بها. يبدو ارتباط سايمون بالملاعب محملاً بذكريات الطفولة حين يروي تجربة مشاهدة المباريات من المدرجات، ويستعيد روائح الملاعب وطقوس الانتظار كيف كانت في بداية شبابه وكيف صارت في كهولته.

الكتاب بالإنجليزية (أمازون)

يخط سايمون هذا الوصف الشاعري بوعي، إذ يقول إن كرة القدم تحتاج شعريةً أكثر إبرازاً للظاهر، لأنها تنطوي على قدر كبير من الجمال، جمال البساط الأخضر الذي يكسو عشب أرضية الملعب متقاطعاً مع الخطوط الهندسية المحددة في حلتها البيضاء، وجمال الأشكال التي تموج بالحركة الدائمة وتحركات اللاعبين في خطوط مترابطة متشابكة، جمال التشكيلات الديناميكية وكل لاعب منهم قد وعى إحداثيات موقعه في الملعب، جمال اللافتات والرايات التي تلوح بها أيدي المشجعين، كل ذلك وفوقه سحر الحركة وأناقة الأداء الذي ينساب من اللاعبين دونما تكلف أو تصنع.

منهج الظاهراتية

يعتمد سايمون كريتشلي على منهج يسميه الفلاسفة بـ”الظاهراتية”Phenomenology ، وهي محاولة للعودة إلى ما يظهر لنا نفسه في الحياة اليومية والتفكر في ما نصادفه من تفاصيل بسيطة وعادية من دون أن نتوقف عندها بالتأمل. انطلاقاً من هذا المنهج، يعيد الفيلسوف النظر إلى لعبة كرة القدم، ويستوحي عنوان كتابه: “فيم نفكر حين نفكر في كرة القدم”.

غير أنه يبعد عن نفسه تهمة تعقيد تأملاته للعبة بإخضاعها للفلسفة، فهو يسعى إلى تأمل فضاءاتها من دون أن يفسد روح بساطتها، فيؤكد قائلاً إنه ليس بصدد فلسفة كرة القدم ولكن العكس تماماً لأنه يعتمد هذا التقليد الفلسفي بغاية الاقتراب ما أمكنه من قلب اللعبة ونسيجها ووجودها، بطريقة متفردة قد تعيد صياغة رؤيتها وتأملها، لعلها تمنحها بعداً عميقاً يتلاءم مع صيتها وتأثيرها. ويبرر سايمون توظيفه لهذا المنهج بكونه يفسر شغفه بالطريقة الوحيدة التي يعرفها أي من خلال المفاهيم والنصوص الفلسفية، مضيفاً أن المقاربة الظاهراتية ستقودنا إلى شعرية الزمان والمكان ودراما الحياة وبقية العناصر المرتبطة بكرة القدم.

الفيلسوف البريطاني سايمون كريتشلي (صفحة الكاتب – فيسبوك)

يتطرق كتاب “فيم نفكر حين نفكر في كرة القدم” إلى ما يسميه سايمون كريتشلي بخبرة الزمن، فيقول إن ذلك يتجلى عندما نشاهد مباراة حية على الهواء حينها يأسرنا الحاضر أثناء المتابعة؛ فيبقى المستقبل مفتوحاً على جميع الاحتمالات في حالة من الاستغراق التام إلى أن تحين لحظة فريدة يحدث فيها ما هو غير عادي، اندفاعٌ مفاجئ في سرعة اللاعبين، اختلال أحد المدافعين، انفتاح مساحة، إطلاق تسديدة ثم يأتي الهدف. تلك اللحظات يسميها سايمون بالنشوة الحسية Sensate ecstasy وهي اللحظة التي يرتقي فيها المشجع ويسمو في شيء أشبه بالتجربة الحسية بحيث نغادر رتابة حياتنا اليومية ونصل إلى ذروة النشوة.

اقرأ المزيد

طرح مثل هذه الأفكار، يحيلنا إلى التفكير في الزمن من زاوية أخرى، وتأمل نسبيته من خلال الإحساس به أثناء المباراة، وهو ما يمكن تمييزه في الفرق بين مشاهدة مباراة مباشرة نتيجتها مجهولة لم تعرف بعد وبين إعادة مشاهدتها بعد معرفة النتيجة، فالأولى يتابعها المشاهد بانفعالات لحظية وبقدرها المجهول وهو يتنبأ من دون أن يتمكن من معرفة ما قد يحدث حقاً، أما خلال المباراة المسجلة فيتغير إيقاع المشاهدة والتفاعل معها، بعدما صارت النتيجة معلومة ومحسومة، ويتغير الإحساس بالزمن عندما يصبح الحاضر ماضياً والمستقبل مغلقاً على الاحتمالات التي ذكرها سايمون كريتشلي.

مسرح الهوية

في فصل مسرح الهوية واللاهوية، يرى سايمون كريتشلي أن كرة القدم هي المسرح الذي تتخفى فيه أفعال القدر التي قد تكون غامضةً في بعض الأحيان بخاصة قدر المنتخبات الوطنية، ثم يمضي مؤكداً أنها تمثل مسرحاً لهوية الأسرة والقبيلة والمدينة والوطن، لكن الهوية هنا تعرض في صورها المتقلبة والملتوية دوماً. وهو ما يذكرنا بآراء الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو، الذي كتب كتاباً كاملاً عن كرة القدم وحضرت هذه الرياضة في مقالات وأعمال عدة له، وكان لغاليانو موقفاً مشابهاً، إذ يؤمن بأن كرة القدم هي امتداد لهوية الأمم، ومرآة لثقافتها وذاكرتها الجمعية. وقد يلاحظ  من قرأ كتاب “كرة القدم في الشمس والظل” لإدواردو غاليانو، أن سايمون كريتشلي متأثر بوضوح بهذا الكتاب ويتقاطع معه في عدد من الأفكار التي تبدو منقولة منه ومكررة مثل الحديث عن المسرح وتسليع كرة القدم، والملاعب الفارغة. غير أن كريتشلي يعيد تناول هذه الأفكار من منظور فلسفي وبأسلوب مختلف.

لا ينتهي كتاب “فيم نفكر حين نفكر بكرة القدم” كما بدأ، إذ يتغير الإيقاع والمسار من الرؤية التأملية العامة لكرة القدم إلى التجربة الذاتية الخاصة حتى تبدو الفصول الأخيرة أشبه بمذكرات رياضية، حين يخصص كريتشلي مساحة واسعة للحديث عن شغفه بنادي ليفربول ويستحضر ذكريات مبارياته ولاعبيه ومدربيه بتفاصيلها، وبهذا ينتقل الكتاب من دائرة التأمل في ظاهرة يتقاسمها الجميع إلى سرد ذاتي يعبر عن تجربة مشجع بعينه، غير أن هذا الاسترسال في سرد الآراء الشخصية قد يفقد بعض القراء اهتمامهم، لا سيما إذا لم يتشاركوا مع المؤلف شغفه ومناصرته لنادي ليفربول.

المزيد عن: فلسفة فيلسوف بريطاني الفوتبول ظاهرة التشجيع الجمهور الوعي واللاوعي الخلفيات المجتمع

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00