الإثنين, مايو 4, 2026
الإثنين, مايو 4, 2026
Home » النهضة لقاء درامي بين العرب وأوروبا والحداثة “ملغومة”

النهضة لقاء درامي بين العرب وأوروبا والحداثة “ملغومة”

by admin

 

الناقدة سماح سليم تفكك المسلّمات وتكشف أهمية الأدب الجماهيري قبل رواية “زينب”

اندبندنت عربية / سيد محمود باحث مختص في الشأن الثقافي

يُنظَر الى الصحافة دائماً بوصفها مرآة لتفاعلات شاملة تجمع ما هو سياسي واجتماعي وثقافي، وتخلق ما يُسمى “المجال العام”. وفي عالمنا العربي حملت الصحافة منذ ظهورها في القرن الـ19 رايات التغيير، وتبنت قضايا ما سُمي “عصر النهضة”. وقد تفاعلت الرؤى الإصلاحية مع الرغبة في التعبير عن أدب له ملامح قومية، وتبنت في تلك الحقبة مطالب الاستقلال الوطني وقضايا تحرر المرأة على نحو واضح.

تؤكد سليم أن واحدة من أبرز سمات المشهد القصصي في الحقبة التي سبقت الميلاد الرسمي لأول رواية عربية هي الوفرة الهائلة في الأعمال المترجمة قبل ظهور رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل في 1914. وترى أن تلك الأعمال لم تُدرس دراسة وافية، فالرواية العربية المبكرة بحسب رؤيتها “كانت صنيعة تداخل بين الاستراتيجيات والأدوات وأنماط الرواج النوعية، فظهرت الرواية الجماهيرية الجديدة عبر تقاطع ممارسة قصدية وماهرة للتجريب الأدبي التوفيقي وتحولات مادية في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك وطرق الصياغة. لقد كان الاقتباس، بحسب قولها، “ميكانيزماً ومجازاً سمح بهذا التحول”.

الكتاب بالترجمة العربية (دار ديوان)

يمثل هذا الكتاب ثاني لقاءات قراء العربية مع إنتاج سماح سليم، التي أصدر المركز القومي للترجمة ترجمة لكتابها عن “الرواية والخيال الريفي في مصر بين 1880-1985” قبل خمسة أعوام.

مصطلح غامض 

تختبر سليم الافتراضات التي أوجدها مفكرون ومؤرخون عرب وأجانب، حول ما سُمي “عصر النهضة”، مؤكدة أن الالتباس في تناول ذلك العصر مرتبط بالمقاربة التي أوجدها المصطلح. وتتمثل قبل كل شيء في غموضه كمصطلح وصفي وخطابي يحمل تاريخاً من الصعب فض تعقيداته نتيجة تزامن النهضة مع اندماج المنطقة العربية كلها في النظام الرأسمالي الاستعماري. وفي هذا السياق ينتقد الكتاب الخطاب الذي يشكل مفهوم النهضة من خلال إزاحة المركزية الأوروبية التي عُدت وسيطاً ضرورياً للتفسير.

يفكك الكتاب الخطاب الذي تبلور تاريخياً حول مفهوم النهضة، معتبراً أن مشروع النخب الإصلاحية للحداثة اعتمد على فهم متناقض لدور الترجمة، يستند إلى التصور المؤسسي الرومانتيكي عن الأصول والنسخ. فقد احتفى هذا الخطاب بالترجمة كمسار للتنوير والاستقلال الوطنيين، وفي الوقت نفسه دانها باعتبارها مصدراً للفوضى والاعتمادية والرجعية. لكن ممارسات الترجمة لم تُبالِ في هذه الحقبة بثنائيات الأصالة والتقاليد القومية. وبحسب الكتاب فقد “جربت أشكالاً راديكالية– بتعبير سليم– ومعقدة من الاقتباس عطلت هذا الفهم الثنائي وجعلته أكثر غموضاً”

يستخدم الكتاب مفهوم الاقتباس أولاً، لوصف إجراء للكتابة يحرك كلاً من النوع الأدبي وتقاليد واستراتيجيات الترجمة لتشكيل نص بلا مؤلف، ومن ثم نص متحرك. ويستعمل ثانياً كمبدأ للتشكل الثقافي الذي يفكك نظريات الاختلاف ويولي انتباهاً لمادية الثقافة كتكوين اجتماعي وتاريخي.

الناقدة المصرية سماح سليم (دار ديوانن)

تُعرّف المؤلفة حقبة النهضة بأنها الأعوام التي شهدت اللقاء الدرامي بين العرب وأوروبا في الربع الأخير من القرن الـ20. بالتزامن مع موجات استعمارية متعاقبة أجهضت بعض محاولات التحديث، ووضعت مثقفي العرب وساستهم تحت ضغط البحث عن حل لمعضلة التعاطي مع هذه الحداثة التي جاءت “ملغومة”.

تؤكد سليم أن الإصلاحيين النهضويين أعادوا إنتاج الخطاب الاستشراقي عن العالم العربي/الإسلامي بطرق عديدة، خلال نقدهم الذاتي. وأسهمت مدارس التاريخ القومية المتصارعة، في تكريس مفهوم النهضة على أنه “غاية” لذاتها، مرتكزة في ذلك على انتصار النخب القومية النموذجية. وتضرب مثالاً بما جرى في مصر من تركيز على مفهوم “الشخصية المصرية” المتجانسة إثنياً وثقافياً، وتمحو التكوين الجمعي التاريخي متعدد اللغات في المجتمع المصري.

كبت وتهديد

يرى الكتاب أن خطاب النهضة الإصلاحي، المفعم بالقلق من فقدان الأصالة والسيادة، استهدف كبت أشكال التهديد التي مثلتها التغيرات الاجتماعية على مستوى النظام الاجتماعي المفروض، وذلك من خلال اندماج مصر في بنية النظام الرأسمالي العالمي. وبهذا المعنى لم تصل الحداثة إلى مصر كمشروع جاهز بالفعل، وإنما انبثقت في شكل متزامن وبطرق متصلة، وإن كانت محددة. وخلقت نمطاً تسميه سليم “الحداثة البديلة” أو الحداثة الاستعمارية، التي أسهمت في ترسيخ وضع أوروبا المركزي باعتبارها الأصل.

لكن الترجمة والاقتباس في المقابل، كانا أداتين مهمتين أو ميكانيزمين محللين، تحدى بهما المثقفون والحركات الراديكالية النظام الاجتماعي والسياسي القائم في أوطانهم وخارج أوطانهم أيضاً. لذلك يبحث الكتاب في النصوص والممارسات الأدبية التي همشها الإصلاحيون النهضويون ونقاد الأدب. فهي أولاً لم تتطابق مع المعتمد الأدبي عن الاختلاف الذي رسخه عصر النهضة، وثانياً، لأن هذه النصوص لم تخضع لإجراءات التعريف الجديد الذي كرس للأدب القومي.

يطرح الكتاب قضية الأرشيفات التي لا تجد العناية الكافية وتعاني إهمالاً، بعضه متعمد، في مكتبة دار الكتب القومية في مصر. وتلفت المؤلفة إلى مخاطرأخطار اختفاء دوريات بالغة الأهمية، منها دورية “مسامرات الشعب” التي اطلعت عليها في فترات سابقة، وهي مجلة أدبية كان ينشرها خليل صادق في القاهرة (صدرت 1904). وتفحص سليم كامل أعدادها على مدى سبعة أعوام، وتحذر إجمالاً من عمليات الإخفاء القسري لتلك الدوريات رغم أهميتها، ساردة عدة وقائع حول تجربة عدم العثور على الأشياء التي مرت بها.

ومن بين الأسئلة التي يطرحها الكتاب بجرأة مسألة إتاحة الأرشيفات والوثائق في ظل القيود المفروضة ومناخ التشكك في أي بحث يتجاوز الحدود البيروقراطية المقيدة لحرية البحث والاطلاع. ويلفت إلى ما تسميه سليم “مشروعات الهيمنة الثقافية” التي تعرقل، من وجهة نظرها، “الخوض في الماضي”. فهذه المشاريع الصاعدة أعاقت النصوص والقراءات التي لا تتطابق مع مناهجها وأهدافها، وحظرتها أحياناً، نظراً لأن خطاب النهضة بشكل أو آخر مثل حجر الزاوية في دولة التحرر الوطني وأعوام ما بعد الاستعمار.

تشكل النصوص التي يدرسها الكتاب نوعاً أدبياً روائياً أو شكلاً ثقافياً صاعداً، نتج من أصل أوروبي متغير ومتلون. وينتمي في ذاته إلى منشأ جماهيري مشكوك فيه، لكنه أدب نوعي رائج موجه للسوق. وهكذا يمكن أن نفحص بدقة منشأ الرواية الجماهيرية واقتباساتها في مصر عند بداية القرن الـ20، انطلاقاً من تناول الثقافة المهيمنة خلال عملية تشكيل نفسها، وكذلك البحث في أشكال السرد الصاعدة آنذاك.

لقاء الأمة والعالم

يدرس الكتاب تجارب الاقتباس من الرواية الأوروبية، فهي بمثابة “الرق” الذي أعاد عليه المقتبسون العرب كتابة أساليب السرد القديمة ولغاتها في شكل حديث. وهكذا كان ما جرى أقرب إلى إعادة كتابة الأنواع الأدبية الجماهيرية في أدب تلك الفترة. وهو الأدب الذي ارتحل في مسارات مذهلة من التبادل عن طريق الاقتباس: أي الرواية الجماهيرية التاريخية، والأدب البوليسي، وما يعرف بالقوطية الجديدة، وأدب الإثارة العاطفية. فالاقتباس يوجد حيث تتقابل “الأمة والعالم” بكل من المعنيين الشكلي والتاريخي. وفي هذا السياق أُنتجت الرواية الجماهيرية باللغة العربية في تقاطع ممارسات النوع المستقلة من جهة، والرغبات والاهتمامات وأشكال الاجتماعي من جهة أخرى.

اقرأ المزيد

ويتابع الكتاب في فصوله قضايا وثيقة الصلة بأشكال الحراك الاجتماعي وصور التفاعل حول الهوية والجندر والتعليم والجنسانية والمدينة ومركزية النوع الأدبي.

ويتوقف الكتاب بشكل خاص أمام التجارب الأدبية الهامشية التي تخرج عن إطار الأدب المعتمد أو الأدب الموجود على هامش الأدب. وقد لاقت رواجاً كبيراً مع تطور البنى الرسمية والمؤسسية لرأسمالية الطباعة، بتعبير بندكت أندرسون. فقد أسهم تطور الطباعة وظهور الصحف في زيادة معدل تعلم القراءة والكتابة في ظل التحول المقابل في البنى الاجتماعية. وظهرت أنواع من السرد الروائي تلبي حاجة فئات اجتماعية صاعدة، وهذا ما جعلها شكلاً قابلاً للترجمة إلى حد كبير.

مشكلة النهضة

تشير المؤلفة إلى أن النهضة محل البحث تشكل سردية التقدم الذي بدأ في أوروبا وينتهي بيوتوبيات السيادة الوطنية والدولة القومية أو الأمة. وتلفت إلى وجود فجوة تزعم أن الذات العربية وحدها غير قادرة على تخطيها في مواجهتها مع الآمال الغربية للسيطرة على المنطقة كلها.

وتشدد على أن المثقفين أعادوا كتابة هذا الحضور لأشكال السلطة التي يناضلون ضدها، مما نتج عنه رسوخ النجاح التاريخي والإخفاق الثقافي. فالغرب لم يُدرك فحسب على أنه متسيد الحضارة، ولكن أيضاً على أنه الوسيط النهائي الذي يسمح للعرب بالوصول إلى هذه الموضوعات الرئيسة التي يطمحون إلى تحقيقها مثل الوحدة والوفاق والتقدم.

يوضح الكتاب أن الأعوام التي أعقبت هزيمة العرب أمام إسرائيل في عام 1967 دفعت عدداً من الباحثين، وبتأثير دراسات ما بعد الاستعمار، إلى إعادة النظر في تلك اللحظة التاريخية. وظهر في الأوساط الأكاديمية الأميركية خاصة، مجال للبحث حول ما سُمي دراسات “عصر النهضة”. وهو نشاط متعدد الفروع يتضمن دراسات للتاريخ الفكري والثقافي، والدراسات الأدبية، ودراسات النوع الاجتماعي، ودراسات الترجمة، وكذلك النقد الثقافي.

تشير سليم في المقدمة الملهمة التي كتبتها إلى الاستمرارية التي أصبحت موجودة في الطريقة التي يُحدد بها مصطلح النهضة. إذ تنطلق كافة التوصيفات من المشكلة الثقافية نتيجة النظر إلى مشكلة الحداثة العربية كنسخ محاكٍ أو إخفاق أو صدمة، ناتجة عن الاشتباك بين الذات العربية المنبعثة وسط المآسي من جهة، وأوروبا من جهة أخرى. وذلك على مسرح يتسم، كما تؤكد سليم، بـ”نوع من الميلودراما التي تضم الهيمنة والمحنة، حين يكون التقليد والتردد والقلق والهزيمة مقدمة في شكل بديل، كمفاتيح تحليلية يمكن عبرها حل مشكلة النهضة.

المزيد عن: النهضة العربية الحداثة أوروبا لفكر دراسة كتاب ترجمة الادب الجماهيري السجال

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00