الأحد, يونيو 14, 2026
الأحد, يونيو 14, 2026
Home » فتوات الشاشة المصرية… متى أصبحوا بلطجية الواقع؟

فتوات الشاشة المصرية… متى أصبحوا بلطجية الواقع؟

by admin

 

السينما المصرية رصدت تحولات ظاهرة الرجل القوي الذي كان يحمي الضعفاء حتى أصبح محترفاً في صناعة الخوف وترهيب البسطاء

اندبندنت عربية / حميدة أبو هميلة كاتبة

بيان النيابة العامة المصرية اتهم رجل الأعمال صبري نخنوخ رسمياً بالبلطجة، التي تندرج قانوناً تحت بند الإرهاب، وعلى رغم أن قائمة الاتهامات طويلة، من بينها شبهات غسل أموال والاعتداء على الغير وإدارة تشكيل عصابي، وعدد من الأنشطة الإجرامية التي لا يزال التحقيق فيها جارياً، فإن الجماهير تتعامل مع صبري نخنوخ بصفة واحدة اشتهر بها، وهي “البلطجي“، فهو ليس مجرد لص أو رجل أعمال خارج عن القانون، لكنه يُعرف شعبياً بأنه أشهر بلطجي في العصر الحديث، إذ قضى أربعة أعوام في السجن أعقاب اتهامات مماثلة، وخرج عام 2018 بصورة استثنائية، فنخنوخ الذي ارتبط اسمه بأعمال مثل حراسة الشخصيات المشهورة وتقديم خدمات التأمين في الحفلات والمناسبات بصورة عامة، يؤدي دوراً تحتاج إليه طبقة معينة، لكن تدريجاً تشعبت المهام من الجهات القانونية ليتورط الرجل في سلسلة من القضايا.

“سيرة البلطجة” في مصر مرت بمراحل متنوعة، قد يكون نخنوخ أحدثها، لكن السينما حرصت على إظهار الشخصيات المشابهة بصورة متكررة، نظراً إلى أنها ظاهرة لا يمكن نكرانها في المجتمع، وذلك على رغم صدور عدة قوانين تحارب البلطجة وتجرمها منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

اقرأ المزيد

الفتوة في السينما وفي التراث الشعبي، يعد بديلاً لحاكم المنطقة، الذي يحمي السكان ويفرض سلطته عليهم ولديه مجموعة من المعاونين، وهنا ظهرت المعارك والصراعات على السلطة والإتاوات، وكانت شخصية الفتوة تتميز بالقوة والصلابة والسيطرة والتعاون مع رجال الأمن، لكن كان من بينهم الخيِّر والشرير بطبيعة الحال، ومع مرور الوقت بات هناك مصطلح أكثر شيوعاً، وهو البلطجة، الذي يرتبط بشخص خارج عن القانون يُستأجر ليقدم خدمات الترهيب والتخويف، واستعراض القوة لتحقيق مصالح شخصية أو نيابة عن ذوي المال والسلطة والنفوذ، وهو يوصف أيضاً بالشبيح. أما الحارس الخاص أو البودي جارد فهو يقف بينهما، إذ إن مهامه ترتبط بالتأمين المشروع والضروري، وقد تنحرف إلى الاعتداء في حال انحرف مساره.

أخلاق الفتوات

رصد السينما لتلك الظاهرة جاء في البداية بطابع يحلل شرائح المجتمع، إذ إن الفتوة دخل إلى هذا العالم من بوابة الأدب، وعوالم نجيب محفوظ، ولهذا قدمت الشخصيات بطريقة غير أحادية تستطلع عوالم النفس المظلمة والنقية على السواء، إذ اهتم نجيب محفوظ خصوصاً بهذه الفئة التي بدأ ظهورها في البلاد في القرن الـ13 مع عصر المماليك، ونشطوا أيضاً في عصر محمد علي، إذ كانوا يتسمون بالشجاعة وبالهيبة، ويشتهرون بقدراتهم على حماية وتنظيم الحارات التي يسكنون بها، وبدأت محاربتهم واتهامهم بالخروج عن القانون مع بدايات الاحتلال البريطاني بمصر في نهاية القرن الـ19، وجرت مواجهتهم باعتبارهم يقاومون القوانين منذ بدايات القرن الـ20، ثم جاءت ثورة يوليو لتقضي على تلك الظاهرة.

ومع ذلك، ظلت السينما تستدعي هذا التراث، إذ يترسخ في المخيلة صورة الفتوة قوي البنيان الذي يتحدث بصوت جهوري مهدداً من يخل بالأمن، بعصاه الغليظة الشهيرة، ويتوعد كل من يقاومه، فتتداخل صفاته الإيجابية مع السلبية، نظراً إلى ما عُرف عنه بنصرته للضعيف ووقوفه إلى جانب المظلوم حتى يأتي بحقه، إنها سلطة قضائية وأمنية غير رسمية، لهذا كان لا بد مع تطورات النظام الأمني أن تتوارى، وتظل تراثاً يؤرخ لنمط من السلطة الأكثر احتكاكاً بالشعب، الذي يعين المؤسسة الرسمية على توطيد الاستقرار والمساهمة في ضبط المجرمين.

الفتوة في السينما وفي التراث الشعبي يعد بديلاً لحاكم المنطقة​​​​​​​ (مواقع التواصل)

 

وقد يكون الفنان فريد شوقي هو النجم الأكثر غراماً بعالم الفتوات، إنه فتوة الشاشة وملكها كما أطلق عليه الجمهور، وأول من قدم دور فتوة كبير كتبه نجيب محفوظ استدعى فيه هذا العالم من خلال فيلم “فتوات الحسينية” 1954، إذ كان الصراع بين الفتوة الشاب الذي ورث المهنة عن أبيه وبين فتوة منطقة الحسينية الطاغية الشرير، وهنا يتضح أن النمط المسيطر لم يكن سلبياً بالضرورة، بل على العكس كان السائد هو أن صاحب تلك المهنة يغيث الملهوف، ويحافظ على استقرار منطقته من المتجاوزين والخارجين عن القانون، أي إن الفتوة الكلاسيكي بصورة أو بأخرى يقف حتماً ضد البلطجة ويحاربها، وهنا يتضح بصورة ملحوظة الفارق بين من نشأت مهنته نتيجة متطلبات تحتاج إليها بيئته في ذلك الوقت، وآخر يقوم بالاستقواء بحاشيته، ويجري استئجاره للقيام بأعمال شغب وعنف واعتداء، ولا يتبع بطبيعة الحال أي منظومة قيمية.

كبير فتوات الشاشة

بالعودة إلى الفتوة الأبرز فريد شوقي الذي قدم فيلماً عام 1957 بعنوان “الفتوة”، لا يتعلق بالفتونة بمعناها التقليدي، إنما باحتكار السوق وفرض السيطرة على المستضعفين، لكنه من أكثر من اهتموا بالمشاركة في أفلام عن شخصية الفتوة، وقد شهدت حقبة الثمانينيات بصورة عامة تألقاً خاصاً لهذه النوعية من الأعمال وغالبيتها مأخوذة عن أعمال لنجيب محفوظ، لا سيما الحرافيش، الذي قدم فيلماً منفرداً يتغنى ببطولات “الناجي” فتوة الغلابة، وفي المقابل هناك عدد من الفتوات الأشرار.

كانت شخصية الفتوة تتميز بالقوة والصلابة والسيطرة (مواقع التواصل)​​​​​​​

 

يقول المؤرخ الفني والكاتب سامح فتحي إن فريد شوقي كان مولعاً بأعمال نجيب محفوظ التي تكشف جوانب وطبقات الحارة المصرية، وكان له دور كبير في فيلم “شهد الملكة” المأخوذ عن عالم الحرافيش، وكذلك “أصدقاء الشيطان”، إذ قدم دور (عبده) والد جلال الفتوة الطيب الذي يأخذ على عاتقه تحقيق العدل، فيما دخل صراعات مع الفتوة الأكثر شراً، الشبلي فتوة العطفة، ويضيف الناقد والمؤرخ الفني سامح فتحي أن هناك فيلماً آخر قام ببطولته فريد شوقي يدعى “فتوات بولاق” عن قصة لنجيب محفوظ أيضاً في نفس حقبة الثمانينيات، يتحدث عن صراعات هذه المهنة وتوريث الأجيال بها، وقدم وحش الشاشة أيضاً “فتوة الناس الغلابة”، و”فتوة الجبل”.

وأضاف “أفلام الفتوات قديماً كانت تصنف على أنها أفلام أكشن وتتحدث عن الشجاعة وحماية الحي، وحتى فريد شوقي حينما قدم أدوار البلطجي حرص أن يكون تأثيرها إيجاباً مثل فيلم ’حميدو‘ الذي جرى بعده تغليظ عقوبة الاتجار بالمخدرات، وتسبب ’جعلوني مجرماً‘ في إلغاء السابقة الأولى، والحقيقة أن الذي يقدم حالياً من أفلام بلطجة لا يمكن أن نطلق عليه فتوة ولا حتى بطلاً شعبياً، إنه مجرد شخص خارج عن القانون”.

مهام الحماية والعنف المستأجر

أنماط الفتوة الذي استبدل بالبلطجي في مرحلة تالية كانت متجسدة في عدد من الأعمال التي شهدت صراعاً درامياً بين الشخص الذي يرغب في بسط العدالة بطرق تبدو بدائية ومنافسه الفتوة أيضاً، لكنه يجنح ناحية البلطجة والتجبر، وبينها “وكالة البلح”، و”فتوة درب العسال”، و”التوت والنبوت”، و”الجوع”، و”المطارد”، إذ قدمت تلك الأعمال التي يقف وراءها بالطبع نجيب محفوظ كامتداد للحرافيش شخصيات شديدة الثراء سواء كانت رئيسة أم ثانوية، وجسدت تعقيدات النفس البشرية التي تتواجه مع معانٍ مثل الظلم والأنانية والحب والكراهية والبحث عن الطمأنينة والعدل.

يرى أستاذ النقد الفني الدكتور نادر الرفاعي أن الفتوة على الأرجح ينقسم إلى ثلاثة أنماط من الشخصيات الأساس، بينها الشرير الصرف الذي قدمه مجدي وهبة في “المطارد”، أما المستبد العادل الذي يميل نحو الخير فقدمه على سبيل المثال فريد شوقي في “الشيطان يعظ”، في حين الفتوة المتحول الذي يصبح ظالماً بعد حدث مفصلي في حياته فجسده محمود عبدالعزيز في “الجوع” ومحمود ياسين في “الحرافيش”.

أفلام الفتوات قديماً كانت تصنف على أنها أفلام أكشن​​​​​​​ (مواقع التواصل)

 

بعد العصر الذهبي الثمانينياتي لأفلام الفتوات، جاءت مرحلة أخرى شهدت التركيز على المجرمين التقليديين ورجال الأعمال الفاسدين، ثم عاد دور كبير المنطقة بصورة ملتبسة في مرحلة الألفية الثالثة، كشخصية البطل التي تخلط بين الفتونة والبلطجة في أفلام مثل “إبراهيم الأبيض” لمروان حامد، إذ كانت الشخصيات الرئيسة الثلاث، لا سيما الملك زرزور الذي قدمه محمود عبدالعزيز، تجمع بين عدة سمات، فهو سيد المجموعة الذي يصدر الأوامر وفق منظومة وقواعد ويحمي التراتبية، لكنه خارج عن القانون دون أدنى لبس، إضافة إلى إبراهيم الأبيض وعشري، وأظهر فيلم “حين ميسرة” 2007 إخراج خالد يوسف البلطجية الذين ينتشرون في العشوائيات نتيجة الجهل والفقر وافتقاد تلك المناطق للأمن النظامي، و”كلمني شكراً” 2010 لخالد يوسف أيضاً، والأخير جسد فيه ماجد المصري دوراً يشبه الفتوة الشرير هو صلاح معارك، ثم قدم محمد رمضان عدة أدوار رئيسة لدور البلطجي قوي الشكيمة الذي يستعمل السلاح الأبيض ويأخذ حقه بيده في أفلام مثل “الألماني” و”عبده موتة” و”قلب الأسد”، كذلك اتخذ أبطال “ولاد رزق” بجزأيه طريق الجريمة مساراً لا فكاك منه.

فيما قدم نموذج البلطجية النظامية التي تستخدمها السلطة للتنكيل بخصومها بصورة أعمق في فيلم “بعد الموقعة” 2012 ليسري نصرالله، الذي حاول أن يكون محايداً، ويعرض أسباب قيام مناهضي الثورة بالاعتداء على متظاهري ميدان التحرير، ولم يوصمهم بصورة قاطعة بالبلطجية، وبخاصة أنهم لم يكونوا من العاطلين محترفي الإجرام، لكن جرى استخدامهم في أفعال بلطجة بصورة طارئة بعدما جرى استدعاؤهم من قبل بعض ذوي النفوذ حينها، وقد شهدت تلك الفترة التركيز على تلك الظاهرة بحثياً، وقُدرت أعداد البلطجية الذين يقومون بأدوار شبيهة ويستخدمهم ذوو النفوذ بمئات الآلاف في ذلك الوقت، حتى إنه في عام 2016 ظهرت عدة صفحات على “فيسبوك” تقدم نفسها على أنها تتبع مؤسسة تقدم أعمال البطلجة وإعادة الحقوق، ونشرت قائمة أسعار للاعتداء والضرب والتكسير والسب، وهي الصفحات التي شهدت تفاعلاً كبيراً، وقد جرت مطاردتها بعد الجدل المجتمعي الذي أثارته، لتغلق في ما بعد ويتوقف نشاطها افتراضياً في الأقل.

المعلم الذي أصبح إمبراطوراً

سينمائياً، كنا نجد في الأفلام أيضاً شخصية “المعلم” وهو عادة تاجر كبير بالمنطقة، سواء كان يعمل بصورة قانونية أو يسلك طريق الفساد، لكنه لم يكن يوازي الفتوة بأي حال من الأحوال، فتعبير المعلم أو المعلمة لم يكن دلالة إلا على أن الموصوف به هو صاحب المال، لكن كلمة المعلم في العصر الحديث باتت نادرة جداً، ولم تعد تطلق إلا على الشخصيات الأكثر حضوراً في المشهد الغامض المتعلق بالحراسة، فمثلاً رجل الأعمال صبري نخنوخ المعتقل حالياً يطلق عليه أتباعه والمقربون منه لقب معلم.

يصف أستاذ النقد الفني بأكاديمية الفنون نادر الرفاعي التحول في صورة الرجل القوي داخل مجتمع ما، الذي طرحته السينما، بأنه يتماشى مع ما يجري في الواقع، وبخاصة في أماكن بعينها، إذ لم تعد السيطرة على مجموعة من الناس في بقعة محددة نابعة من القدرة على الحماية والتنسيق بينهم وبين السلطات الرسمية وتيسير أمورهم، إنما باتت مهنة المتعطلين الذين يفردون عضلاتهم على الضعفاء ويؤذونهم لتحقيق مكاسب، كما أنهم يعملون لحساب من هم أكبر نفوذاً وثراءً مقابل أجر، بالتالي فالأبطال هنا يؤدون أدوار مجرمين لديهم أتباع وعصابات ولا يطرحون أنفسهم مصدراً للأمن والأمان لأبناء مناطقهم، إذ يصعدون لمصاف الأثرياء سريعاً ويبنون إمبراطوريات اقتصادية وإجرامية وعصابات نظامية على طريقة فيلم “هارلي” لمحمد رمضان.

الفتونة كما قدمتها السينما كانت مهنة ضرورية وبديلة للشرطة في الأحياء الشعبية (مواقع التواصل)​​​​​​​

 

وهو نفس الرأي الذي تتبناه المؤلفة ناهد صلاح في كتابها “الفتوة في السينما المصرية”، مشيرة إلى أن الفتونة كما قدمتها السينما، كانت مهنة ضرورية وبديلة للشرطة في الأحياء الشعبية، وكان صاحبها يتمتع بقوة بدنية عالية وله مهمام محددة، وإن حاد عنها كان يجد مقاومة وثورة عليه سواء من فتوات آخرين أو حتى من الناس الذين يضيقون ذرعاً بأفعاله، بينما البلطجي أو الشبيح فهو ظاهرة نتاج ظروف مجتمعية غير عادلة وظلم وقهر وعدم تساوي فرص، مشيرة إلى أن المواطن الصالح قد يجد نفسه وقد مارس البطلجة في سبيل الحصول على بعض حقوقه، بالتالي يتحول إلى مجرم يواجه القانون.الموجة السينمائية كانت تتماشى مع الظواهر المجتمعية، إذ انتقلت المهنة من خانة اليد التي تحمي لخانة اليد التي تبطش بالخصوم والأعداء مقابل أجر، وصنع أصحابها إمبراطوريات في عالم الحراسات الخاصة، وإن كانت مهنة البودي جارد تعد مهنة ضرورية مشروعة ومطلوبة للشخصيات العامة، لكنها وفقاً للبيانات الرسمية والتحقيقات في بعض الأوقات تكون ستاراً لأعمال غير مشروعة، إذ يتوالى الإعلان عن مزيد من الشخصيات التي تعمل في المجال نفسه وتخضع حالياً للمساءلة.

المزيد عن: مصر البلطجة الفتونة الفتوة السينما المصرية صبري نخنوخ الحراسات الخاصة

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00