مشهد من الفيلم الجورجي "القديم" (ملف الفيلم) ثقافة و فنون مأساة ترحيل الجورجيين من روسيا يرويها فيلم “القديم” by admin 12 يناير، 2025 written by admin 12 يناير، 2025 173 فصول من حياة امرأة ورجل تاها في دهاليز القمع والذاكرة المفقودة اندبندنت عربية / هوفيك حبشيان لم يرتبط السبب خلف محاولة إيقاف فيلم “القديم” بحقوق الملكية الفكرية كما ادعت الجهة التي أرادت حظره، بل بحالة رقابة صريحة، وهذا ما كشفته مخرجته روسودان غلورجيتسه، مما يتجلى بوضوح، عندما نشاهد الفيلم المستوحى من عملية ترحيل آلاف عدة من الجورجيين من روسيا التي حدثت في عام 2006، وتسببت حينها بجرائم قتل وتوقيفات غير شرعية وسوء معاملة، وهذا بعدما اتُّهمت السلطات إياهم بأنهم خالفوا قانون الهجرة الروسي. الفيلم رشحته جورجيا لـ”أوسكار” أفضل فيلم أجنبي، ولكن لم يصل إلى القائمة القصيرة. تبدأ القصة بمصادفة تجمع ميديا (سالوميه ديموريا)، الجورجية التي هاجرت إلى روسيا بحثاً عن حياة أفضل، بفاديم (سرغي درايدون)، العجوز الذي يرفض مغادرة منزله الواقع في قلب سانت بطرسبورغ. يسعى فاديم إلى بيع منزله، لكنه يضع شرطاً غريباً على المشتري، وهو أن يتقبل وجوده كجزء من هذا المكان العتيق، وكأنما هو قطعة من تاريخ هذا المنزل نفسه. هذا البيت الذي يشبه متحفاً مملوءاً بالذكريات والقطع الأثرية، سيكون مسرحاً لصراع داخلي وعاطفي عميق بين الشخصيات، وتلك التفاصيل اليومية التي تصبح مصدر إلهام لها. السيدة والعجوز والترحيل (ملف الفيلم) ظهور ميديا في حياة فاديم يبدو إشارة إلى تحول كبير، كأنما تدفعها الأقدار نحو دراما لم تكن تتوقعها. هي متخصصة في الترميم، مما يجعل إقامتها في هذا المنزل ذات رمزية خاصة تتجاوز الوظيفة البسيطة. إلا أن الفيلم ينسج بدقة شبكة معقدة من العلاقات الشخصية التي تخرج عن دائرة البساطة، خصوصاً أن ميديا على علاقة عاطفية بلادو، الشاب الذي يسعى جاهداً إلى إقامة علاقة معها، على رغم المعوقات التي تقف في طريقه. أنجزت المخرجة غلورجيتسه في ثاني وقوف لها خلف الكاميرا فيلماً يتجاوز حدود السرد التقليدي ليغرقنا في أبعاد نفسية وتاريخية، بحيث تتقاطع القصص الشخصية مع تاريخ مشوه، فنكتشف من خلال تفاصيلها الدقيقة والبسيطة فصولاً من حياة أولئك الذين تاهوا في دهاليز الأنظمة القمعية. الفيلم لا يقدم فقط سرداً لأحداث، بل هو مساحة فنية حية تبحث في الذاكرة المفقودة، تطرح الحقائق غير المعلنة، وتنقل المشاهد إلى تداخل بين الماضي والحاضر. ينجح الفيلم، سواء من خلال إيقاعه البطيء أو تصويره الفني أو أداء الممثلين، في نقل إحساس عميق بالواقع. يتميز “القديم” بكونه دراسة حقيقية حول الأشخاص الذين يعيشون في ظل أوهامهم وتصوراتهم. يروي الفيلم، عبر هذه العلاقات المتشابكة، كيف أن الحياة اليومية قد تكون مملوءة بالتوترات التي تشكل أحداثاً غير مرئية، بحيث إن التفاصيل الصغيرة هي التي تخلق الفروق الكبرى. غرفة الصراع تمثل الشقة أكثر من مجرد مكان مادي. إنها فضاء يعكس الصراع الداخلي لشخصين عالقين بين ماض معقد وآمال ضبابية. ليست الشقة ملاذاً جسدياً فحسب، بل هي مسرح لمواجهة حقيقية بين روحين تتأرجحان بين الأمل واليأس. في هذا السياق، نجد أن الشخصيات تصبح مرآة بعضها بعضاً، فتتكشف مع مرور الوقت جوانب من بعضه بعضاً في شكل تدرجي حتى تجد أرضاً مشتركة تمكنها من التعايش مع اختلافاتها. نفهم جوهر الشخصيات بعيداً من تصنيفات مرتبطة بخلفياتها الاجتماعية والثقافية. وفي غياب هذا الفهم الصادق لن تظل هناك أية مساحة للأمل الحقيقي. عالم القمع والذاكرة المفقودة (ملف الفيلم) على رغم أن فكرة “التعايش بين شخصيات متباينة” هي من المواضيع التي عالجتها السينما كثيراً، فالفيلم يرتقي بها إلى مستوى جديد من الأصالة والصدقية. من خلال وضع الشخصيات في سياق تاريخي قاس، يتحول هذا التعايش إلى صراع حقيقي مع القمع والإقصاء. يدعو الفيلم إلى حوار مفتوح، مدركاً أن لا وجود لحلول سهلة أو سريعة، من دون أن ينتقل للحظة واحدة في اتجاه الانفعال أو ردود الفعل المبالغ فيها على الظلم التاريخي. العلاقة بين الفتاة والعجوز، التي تشكل محور الفيلم، تعرض بحذر وحساسية، بحيث تستفيد المخرجة من كل زاوية بصرية لإيصال تفاصيلها. وفي الحقيقة هذه العلاقة لا تقتصر على الشخصين فحسب، بل تتسع لتشمل خلفيات ثقافية مختلفة وجملة من الفروق. هذه الديناميكيات الإنسانية تتجسد في الشخصية الروسية المعقدة للعجوز، الذي يعبر عن مزاج ثقافي صعب لكنه حقيقي، مكملاً اللوحة المتعددة البعد التي يرسمها الفيلم. كل فرد من الأفراد ضحية لما مر به من تجارب مريرة، وهكذا حتى وصول القصة إلى لحظة حاسمة يتم فيها ترحيل الجورجيين قسراً إلى بلادهم، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان. ينبغي التذكير أن هذه العمليات لاقت إدانة من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في وقت لاحق. وعلى رغم التشويش والغضب الكامنين في الأحداث، يحرص الفيلم على ألا يتحول إلى محاكمة حقوقية، بل يظل مخلصاً لعرض تجارب شخصيات ابتكرها الخيال وتحمل في طياتها صدى مؤثراً. هذا فيلم ينزل بنا في أعماق روح بلدين وثقافتين متناقضتين في طريقة غير تقليدية، وكان من الطبيعي أن يزعج بعضهم فحاولوا التصدي له بطريقتهم الخاصة. وعلى رغم تعقيدات الرحلة، لا يخرج أي شخص من هذه التجربة من دون أن يكون محملاً بشيء ما. حتى المشاهد الذي قد لا يهتم بتوقيت الأحداث أو سياقها، يجد نفسه أسير جمال مدينة سانت بطرسبورغ المغطاة بالثلوج، هذه المدينة التي تنبض بالحياة على رغم قسوتها، حيث تتجول الأرواح الحائرة بحثاً عن أمل. المزيد عن: فيلم جورجيمأساة الترحيلالنظام الروسيالرقابةمهرجان البندقيةالقمعالذاكرة المفقودة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post التونسيون يدفعون ثمن زيادة أجورهم next post عودة يوسف حبشي الأشقر رائد الرواية اللبنانية الحديثة You may also like ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026