شيخ المستشرقين جاك بيرك (غيتي) ثقافة و فنون جاك بيرك في مواجهة القضايا العربية الإشكالية by admin 16 يونيو، 2026 written by admin 16 يونيو، 2026 13 حوارات صحافية مع “شيخ المستشرقين” أجراها شربل داغر تلقي ضوءاً على مشاغله اندبندنت عربية / أنطوان أبو زيد لعل الكتاب الصادر حديثاً (2026) بعنوان “مع جاك بيرك، آخر المستشرقين”، والصادر عن “دار المركز الثقافي للكتاب”، الدار البيضاء، وفيه كثير من الحوارات المستفيضة حول قضايا تهم العالم العربي والإسلامي وأزمة النخب العربية ومسائل الاستشراق، وترجمته معاني القرآن الكريم، وغيرها من المسائل التي كانت تشغل الباحث والمستشرق بيرك في العالم العربي والإسلامي، ولا سيما التحولات السياسية وصعود الإسلام السياسي والمنهج الإشكالي في مقاربة الاستشراق وغيرها. وكان الكاتب شربل داغر سبق أن نشر هذه الحوارات في صحف ومجلات عدة، عبر صفحاتها الثقافية، ومن بينها “كل العرب” و”الحوار” و”الحياة” و”المستقبل”. من هو جاك بيرك؟ ولد جاك بيرك عام 1910 في بلدة تسمى “فرندة”، من أعمال الجزائر، حيث كانت عائلته الفرنسية مقيمة، منذ مجيء أبيه لوظيفة له في الإدارة الفرنسية. نشأ في الجزائر وتعلم في المدارس الفرنسية- العربية حيث كان الطلاب من جنسيات مختلفة، ولما كبر، ودخل إلى بعض المدارس الجزائرية الصرفة تعلم العربية، قراءة وكتابة، وما لبث أن تعلم الأمازيغية، وكان اهتمامه في الشؤون الاجتماعية يتعاظم، مما دفعه الى الاختصاص في علم الاجتماع والإناسة، إضافة إلى اللغة العربية. ولم يكَد يحصل على الإجازة في علوم الاجتماع من باريس، حتى عُيّن موظفاً في الإدارة الفرنسية بالمغرب، “مراقباً مدنياً”، يتولى إدارة شؤون قبائل ثلاث، ورعاية صلتها بالدولة الفرنسية المستعمرة. حوارات شربل داغر مع بيرك (المركز الثقافي) ولكن نزعته المثالية وحرصه على حسن التعامل مع العرب، مواطنيه ورفاق فتوته، جعلاه ينتفض على قرارات سلطة الاستعمار الفرنسية في تقاريره التي كان يقدمها إلى الإدارة. وهذه المواقف سرعان ما لفتت كثيراً من أوساط اليسار الفرنسي ومن أوساط النخب العربية، أواسط الخمسينيات من القرن الـ20، إبان صعود التيار القومي المناهض للاستعمار. وعندئذٍ، بدأت أولى مراحل إنتاجه البحثي الغزير والمؤثر، مع أطروحته الأولى “البنى الاجتماعية في الأطلس الكبير”، ولم تنتهِ إلا بوفاته عام 1995، وقد أنجز أكثر من 30 بحثاً مرجعياً في علم الاجتماع والتحولات الثقافية الحاصلة فيه، ومكانة الإسلام في صوغ الحضارة العربية وغيرها من القضايا، فضلاً عن مئات المقالات حول شؤون بلدان المغرب العربي ولبنان ومصر، إلى حيث انتقل وعمل على تظهير واقع الثقافة فيها، على التوالي. ولما برز على السطح الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بعد نكسة حزيران من عام 1967، انبرى بيرك وصحبه (ماسينيون وغيره) إلى تأييد القضية الفلسطينية، في مقابل جماعة جان- بول سارتر التي بقيت أمينة لموقفها المؤيد لدولة إسرائيل. الطالب و”شيخ المستشرقين” تلفت مقدمة الكتاب سردية مخففة، يبين فيها المؤلف شربل داغر كيف انعقدت الصلة بينه وبيرك، بداية من قبيل الصدفة أو الأقدار، حين وضع أحد أفراد إحدى الميليشيات إبان الحرب على طاولة المقهى أمامه كتاباً لجاك بيرك بالعربية من دون أن يطلبه. ولما سأله داغر عن الداعي إلى ذلك، أجابه أنه رآه منصرفاً إلى قراءة جريدة “النهار”، فأوحي له بأنه عارف في شؤون العربية. وما كان هذا المجند يعرف أن شربل ماضٍ إلى باريس لإكمال دراسته الجامعية. ثم كان اللقاء المباشر مع بيرك، أثناء أدائه المحاضرات والحوارات الضاجة بينه وطلابه في “الإيكول دو فرانس”، حيث كان أستاذاً على كرسي “التاريخ الاجتماعي للإسلام المعاصر” في الكلية. وكان لافتاً أيضاً التفاف كثير من المثقفين العرب حول بيرك، طلباً للاستزادة العلمية في شؤون بلدانهم العربية الاجتماعية منها والثقافية، وطمعاً في إشرافه على أطروحاتهم للدكتوراه في جامعات باريس. بيرك والثقافة العربية وعلى هذا النحو، توثقت الصلة بين شربل داغر، الطالب وبين “شيخ المستشرقين”، على ما بات يدعوه ليقينه بأنه أعلمهم، وأكثرهم غوصاً في التراث العربي، قديمه وحديثه. وبلغت به عنايته بالأدب العربي الحديث أن أعد مقدمة لـ”أنطولوجيا الأدب العربي الحديث” عام 1964، الذي كان أعدها أحد طلابه الفرنسيين. ومن ثم يزداد انغماسه في الأدب العربي الحديث والمعاصر، فيتجلى في كتابه “لغات العرب الحاضرة، بحثاً عن امرئ القيس”. ويقول الباحث شربل داغر حول ذلك إن قامة بيرك المتعاظمة في الثقافة العربية، نقداً وتذوقاً للأدب، بلغت درجة صار معها بوابة لكثير من الكتاب العرب وأعمالهم، نظير طه حسين وحليم بركات ومحمود المسعدي وعبدالسلام العجيلي وأحلام مستغانمي ونجيب محفوظ وأنطون غطاس كرم وأدونيس وغيرهم. وكان عشقه للّغة العربية وتراثها سيدفعانه إلى ترجمة “المعلقات العشر” ومعاني القرآن الكريم ومختارات من كتاب الأغاني. وفي هذا كان يتميز عن سائر المستشرقين، أو دارسي العربية من الغربيين، بأنه عاشق اللغة العربية، ومنبهر ببلاغة القرآن الكريم، ومتذوق التحف الشعرية في الشعر العربي القديم، ومتابع بشغف لكل جديد في الأدب العربي الحديث. الخلاف مع إدوارد سعيد بداية، يورد جاك بيرك خلال إحدى مقابلاته مع شربل داغر، ما مفاده بأنه دفع ثمن مواقفه إلى جانب العرب وتأييده الزعماء العرب القوميين (أمثال جمال عبدالناصر وبورقيبة وبن بيللا) إبعاده من مراكز حيوية عدة في جامعات فرنسا، وحرمانه من النشر لأعوام، من دون أن ينال ذلك من مواقفه وآرائه. أما بصدد خلافه مع المستشرق إدوارد سعيد، الفلسطيني-الأميركي، فيعزوه إلى مقاربة الأخير النقدية من منظار أيديولوجي، فلئن اتضح لسعيد أن كل المستشرقين الغربيين يعملون لتثبيت فكرة التفوق الغربي في مقابل دونية الشرق، فإنه يأخذ عليه عدم إحاطته بكل الحركة الاستشراقية، ولا سيما الاستشراق الألماني إبان القرن الـ19 الذي كان عصر اللغات الشرقية والحضارات الشرقية (السريانية والكلدانية والفارسية والعربية) بامتياز. اقرأ المزيد جاك بيرك مستشرق أم مجرد محب للعرب؟ عندما “أرخ” جاك بيرك للجوانب الأجمل من مسار الحضارة العربية – الإسلامية هذا من دون أن تكون ثمة إفادة للمستعمر، على حد افتراضه، وإنما تم ذلك بغاية التثاقف والاغتناء من موروث شرقي بالغ الثراء، لم يكُن قد اكتُشف بعد، حتى إن بعض العارفين في شأن الاستشراق الألماني تحديداً، وصفوا القرن الـ19 بأنه عصر اللغات المشرقية السامية بامتياز. ومن هذا المنطلق، رأى بيرك أن المنطلق الأيديولوجي في النقد يسيء إلى العمل المقصود بالنقد، لما يشوبه من تعميمات وآراء مسبقة، تسقط على العمل أو المدونة من دون معاينتها كاملة. ولذا كان يفضل أن يكون منهج الباحث، في المواد الإنسانية (التاريخ والإناسة والأدب والاجتماع وغيرها) موضوع الاستشراق متعدداً، أو متداخلاً بين العلوم، في ما بات يسمى “المنهج البيني”، أو يختار “مناهج ومقاربات أصلح له” (الاستشراق) وتلك من مآثره الكثيرة التي تحسب له في إرثه العلمي الوفير. أزمة النخب العربية ويعود جاك بيرك خلال إحدى مقابلاته مع شربل داغر، للحديث عن النخب العربية، فيجيب عن سؤال داغر حول الدور الذي تؤديه النخب العربية في مجتمعاتها العربية، بالقول إن هذا الدور ضعيف في هذه المجتمعات، وتعليل ذلك أن هؤلاء باتوا إما موظفين في دوائر بلدانهم، وفقاً للنظرية الأميركية التي تدعو إلى “إدارة الأمور”، وإما لأنه لم يعُد يعنيهم تغيير أحوالهم، ولا تحرير مجتمعاتهم من أزماتها المستفحلة، بعد تحرر البلاد من المستعمرين. وأضاف عاملاً آخر إلى تراجع هذا الدور، وهو إفلاس كثير من الأفكار “الثورية” مثل الماركسية والاشتراكية وغيرهما. ولم ينفع مع هؤلاء المثقفين ابتداع بيرك لفكرة رائدة، تبناها بعضهم واستثمروها عن غير دراية، وهي لزوم أن تكون الحداثة مرتبطة بالأصالة حتى تحفظ للمجتمعات خصوصياتها، في إطار الحداثة المهيمنة، عالمياً، على مظاهر الحياة المدنية أينما كان. ويلتفت بيرك في آخر هذه المقابلة إلى المسائل بل القضايا التي كانت لا تزال عالقة من حينه، عنيتُ الثمانينيات من القرن الـ20، زمن إعداد المقابلات، ولا تزال، أهمها القضية الفلسطينية وقضية الحكم الديمقراطي العادل في غالبية البلدان العربية. وفي القضية الأخيرة، يعزو الفشل فيها إلى أن النخب العربية، المثقفة منها والتقليدية، وإن نجحت نسبياً في التحرر من الاستعمار، فإنها فشلت في بناء الدولة، أي بديل الاستعمار والانتداب. ويضيف بما معناه أن تحقيق الحداثة، وهي أحد شروط قيام الدولة، يقتضي من الأفراد والجماعة أن يحرزا “تقدماً عميقاً في النفسية، وفي الإنتاجية، مع ما ينتج من ذلك عند الجماهير” (صفحة 122). وأحسب أن هذا لا تنجزه إلا التربية على مبادئ عامة تعيد الاعتبار لقيم وطنية وإنسانية إيجابية، وإعداد النخب الجديدة على ذلك. النهضة اثنتان وفي السياق عينه، يجري الكلام عن النهضة الأدبية التي يعتبرها جاك بيرك مبتورة لأن ناقليها من العرب، في حينه، ترجموها ولم ينفذوا إلى دواعيها العميقة. ويستثني من العاملين على النهضة نفراً قليلاً، من بينهم جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة وآخرين، إذ ان النهضة، برأيه، تفترض أن يقوم الأفراد والجماعات في تجاوز أسباب تخلفها، والدخول في الحداثة العصرية. وخلال مقابلة أخرى، جرى الحديث عن أهم الرجالات العرب الذين عرفهم وقدرهم، فأفرد حيّزاً بسيطاً لكل من جمال عبدالناصر الذي قابله وعرف مكانته لديه، وطه حسين الذي قدر له علمه وكرامته الوطنية ونفاذ بصيرته وإبداعه ولغته العربية وسرده (“ما وراء النهر” و”الكاتب المصري”) الذي “رفع اللغة النثرية العربية إلى مصاف الإبداع العالمي” (صفحة 134). ومن ثم يأتي على ذكر كل من علال الفاسي وأحمد بن بيللا، وعلي الوردي العلامة في علم الاجتماع من الطراز الأول، وأدونيس “الذي نجح في حل الإشكالية التالية: أن تكون من مكان ما، وفي العالم أيضاً”، وخليل حاوي، الشاعر الكبير ولكن لم ينَل حظوة بيرك الشعرية، فهو لا يحب الشعر المتشائم. المزيد عن: حاك بيرك حوارات صحافية الإستشراق اللغة العربية قضايا حضارية الثقافة النقد الترجمة التعليم 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post فيلم “القصص”… سيرة مصرية للمواطن أولا You may also like فيلم “القصص”… سيرة مصرية للمواطن أولا 16 يونيو، 2026 مرصد كتب “المجلة”… جولة على أحدث إصدارات دور... 16 يونيو، 2026 الطفل الثنائي الجنس يربك حياة الوالدين في “الإبرة” 15 يونيو، 2026 جمال نعيم: عندما تتشتت صورة المثقف العربي في... 15 يونيو، 2026 إبراهيم العريس يكتب عن: أسئلة أندريه جيد الشائكة في... 15 يونيو، 2026 فتوات الشاشة المصرية… متى أصبحوا بلطجية الواقع؟ 14 يونيو، 2026 عبده وازن يكتب عن: فروغ فرخزاد أثارت حفيظة... 14 يونيو، 2026 حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي 14 يونيو، 2026 ابراهيم العريس يكتب عن: “غش” سلمان رشدي يحرم... 14 يونيو، 2026 ماذا لو حُكم العالم بقوانين كرة القدم؟ 14 يونيو، 2026