الخميس, مايو 7, 2026
الخميس, مايو 7, 2026
Home » دينامية التقارب واللاعنف في مواجهة الطائفية في لبنان

دينامية التقارب واللاعنف في مواجهة الطائفية في لبنان

by admin

 

شبح الحرب الأهلية لا يزال حاضراً في الوعي الجماعي والعنف يمكن أن يتجدد

اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN

كان هذا المؤتمر التاريخي والاجتماعي، قد شكل امتداداً لمشروع بحثي طويل الأمد، اعتمد على منهجية التاريخ الشفوي، وقد أشرف على إعداده الأكاديميان سعاد أبو الروس سليم وأسعد قطّان.

يضم الكتاب 18 دراسة وضعت باللغتين الإنجليزية والعربية، حاولت مقاربة الذاكرة اللبنانية المرتبطة بالحرب الأهلية “13 أبريل – (نيسان)، 1975 حتى 1990″، من زاوية مختلفة عن السرديات السائدة، التي غالباً ما ركزت على العنف والانقسام. فبدلاً من إعادة إنتاج خطاب المأساة والتوترات والصراعات الذي سيطر وحده، على تلك المرحلة الدامية من تاريخ لبنان الحديث، والتي حصدت أرواح ما يزيد على 100 ألف قتيل، سعى معظم الدراسات الواردة في الكتاب إلى تسليط الضوء على وجه آخر للمجتمع اللبناني، قائم على التعايش والتضامن والتكيّف وممارسات اللاعنف ومساعدة الآخر.

حاول الباحثون من خلال هذه التجارب التي طُمست في مجتمع متعدد الانتماءات، الكشف عن قدرة اللبنانيين على العيش المشترك، رغم انقضاء نصف قرن من حياتهم على إيقاع الصراع الحزبي والديني والميليشيات والضحايا والنازحين واللاجئين والناجين من جحيم معارك طاحنة.

ينطلق الكتاب من ملاحظة أساسية مفادها أن اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية، ورغم مرور 35 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية مع إقرار وثيقة الاتفاق الوطني- اتفاق الطائف، لا يزالون يعيشون في حال من التوتر الدائم وشعور مستمر بعدم الاستقرار.

الكتاب بالعربية والإنجليزية (جامعة البلمند)

 

ويرى المهتمون والعالمون بالشأن اللبناني أن هذا القلق المزمن المرتبط بالذاكرة الجماعية للحرب، يتغذى أولاً من الخطابات السياسية والحزبية المتشّنجة. وثانياً من المعالجات الإعلامية التي تتسم في كثير من الأحيان بالحدة والتطرف والتعبئات الهوياتية، مما أدى إلى انتقال الانقسامات من المجال السياسي إلى الحياة اليومية. فأصبحت النقاشات العائلية والاجتماعية مشحونة بنزاعات طائفية وحزبية كامنة، قابلة للاشتعال مع أي حدث إقليمي أو دولي.

حروب متكررة

لا يمكن فصل هذا المناخ الداخلي عن السياق الإقليمي المضطرب، بحيث شهد لبنان خلال العقود الماضية، ولا يزال يشهد حتى اليوم وبصورة محزنة، اعتداءات وحروباً متكررة. فهو وجد نفسه غارقاً من جديد في دوامة حروب وصراعات وانهيارات اقتصادية، كان آخرها الهجوم الإسرائيلي الذي دمّر جنوبه وقسماً من بقاعه وبعض أحياء عاصمته وضاحيتها الجنوبية منذ اندلاع حروب الإسناد. فضلاً عن سلسلة الاغتيالات السياسية التي استهدفت شخصيات بارزة من مختلف المجالات. وقد أسهمت هذه الأحداث في إبقاء شبح الحرب الأهلية حاضراً في الوعي الجماعي، مما عزز الإحساس بأن العنف الداخلي يمكن أن يتجدد في أي لحظة.

لكن الدراسات الواردة في هذا الكتاب، ترفض الاستسلام لهذا المنظور التشاؤمي، مقترحة بدلاً منه مقاربة نقدية للذاكرة اللبنانية، تقوم على إبراز نماذج مختلفة من التاريخ، تتعلق بالمبادرات اللاعنفية والتعاون والتعايش التي نشأت في خضم الحرب الأهلية نفسها. فإلى جانب قصص المعاناة والبقاء التي تهيمن على الشهادات الفردية، يكشف بعض الأبحاث الواردة في الكتاب عن وجود شبكة واسعة من التضامن والتعاضد والتماسك الاجتماعي بين اللبنانيين الذين تحدّوا منطق الانقسام وتجاوزوا الصراعات الدينية والطائفية والسياسية، مادين يد المساعدة إلى إخوة لهم في المواطنة.

في هذا الإطار، تُبرز بعض الأبحاث دور المجتمع المدني وجمعياته المحلية التي قدمت، ولا تزال تقدم، مساعدات إنسانية للفئات الأكثر تضرّراً من الحرب من دون تمييز بين الأديان والطوائف، فتعبر بذلك عن التلاحم والترابط بين أفراد المجتمع الواحد. وتتوقف دراسات أخرى أمام التظاهرات والمسيرات التي دعت إلى إنهاء الحرب والتي نسقتها منظمات تُعنى بذوي الإعاقة. فضلاً عن الدور الذي لعبته النقابات في الاحتجاج ضد التدهور الاقتصادي الذي يطال كل أطياف المجتمع. ولعل هذه المبادرات، وإن كانت غالباً غير موّثقة في شكل منهجي، تشكل جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي اللبناني، وقد انتقلت في معظمها عبر الرواية الشفوية.

من هنا، تأتي أهمية المشروع الذي يقف وراء هذا الكتاب، والذي يهدف إلى توثيق هذه التجارب ونقلها إلى الأجيال القادمة، لا سيما تلامذة المدارس وطلاب الجامعات، بهدف بناء وعي تاريخي مختلف يفتح المجال أمام تصور نماذج بديلة للعيش المشترك.

الصراع والتعايش في بلد واحد (مواقع التواصل)

 

ولئن كان هذا المؤتمر امتداداً لمشروع بحثي ميداني اعتمد على منهجية التاريخ الشفوي، فإن عدداً من المقالات الواردة في أعماله، استندت إلى المقابلات وتوثيق الشهادات التي قام بها طلاب الماجستير في قسم الدراسات التاريخية والاجتماعية في جامعة البلمند. وهذا بعد أن أتموا تدريباً متخصصاً تحت إشراف نخبة من أساتذة التاريخ وعلم الاجتماع والأدب. وقد أسفر هذا العمل الذي امتد لعامين عن إجراء 86 مقابلة في مختلف المناطق اللبنانية، كان من نتيجتها تكوين قاعدة بيانات غنية تعكس تنوع التجارب والخبرات الحياتية إبان الحرب الأهلية اللبنانية.

تتوزع مقالات الكتاب على مجموعة من المحاور التي تعكس تعددية المقاربات. فبعض الدراسات ركز على ميزات الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات، سواء من حيث انتماءاتهم الاجتماعية والمناطقية، أو من حيث تصوراتهم للحرب وتعريفاتهم لها. وتناولت مقالات أخرى السياق السياسي العام للحرب، محلّلة أشكال المقاومة المدنية والسلمية التي واجهت منطق العنف.

ذاكرة الأجيال

ومن بين القضايا اللافتة التي يعالجها الكتاب، مسألة انتقال الذاكرة بين الأجيال، بحيث تمت مقاربة كيفية تناول الآباء لموضوع الحرب في حديثهم مع أبنائهم، وما يحمل ذلك من دلالات تربوية ونفسية. كذلك، حظيت العلاقات بين المسيحيين والمسلمين باهتمام خاص، من خلال دراسة آليات التهدئة والتخفيف من التوتر، ومفاهيم المواطنة التي ظهرت في خضم الصراع. ولا يغفل الكتاب البعد السوسيولوجي، إذ يتناول دور العاملين الاجتماعيين في تشكيل مساحات للتضامن، ويسلط الضوء على التحولات التي طرأت على دور المرأة، والتي تمكنت في كثير من الأحيان من تحدي الأنماط التقليدية والمساهمة في مبادرات السلام.

إلى جانب هذه الموضوعات، يناقش بعض الباحثين مفاهيم المسؤولية الجماعية، وتشكّل الجماعات، وبروز الثقة بين الأفراد خلال فترات النزاع، ودور المؤسسات الثقافية، كمعهد غوته في بيروت، الذي شكّل منصة أسهمت في خلق فضاءات للحوار والتعبير. يضم الكتاب أيضاً دراسات لمواقف الجماعات الدينية من الحرب، كخطاب الكنيسة الأرثوذكسية، وأدوار بعض الفاعلين في الطائفة المارونية كالأب يواكيم مبارك، إضافة إلى إسهامات رجال الدين المسلمين. يُظهر هذا التنوع أن المواقف لم تكن أحادية، بل شهدت تباينات داخل كل جماعة.

اقرأ المزيد

في بعده التاريخي، يقدم الكتاب كذلك قراءة للعلاقات الإسلامية-المسيحية، من خلال عرض نماذج إيجابية للعيش المشترك في بعض المناطق، وأخرى سلبية في مناطق مختلفة، مما يعكس تعقيد الواقع اللبناني وتعدد تجلياته.

إن الهدف الأساس من هذا الكتاب والدراسات الواردة فيه، التي وقعتها نخبة من الأكاديميين والمثقفين اللبنانيين والألمان، (أنطوان مسرّة، ورشيد درباس، ومنذر جابر، وليليان كفوري، والياس الحلبي، والأب بورفيريوس جورجي، ومارلين حيدر نجار، وديمة ضناوي، وخالد البيطار، وسعاد أبو الروس سليم، ومها كيال، وجورج ديب، وساهر كمّون، وروديارد قازان، ونورمان نيكرو، وفلوريان جاكل، ويارا الخوري، وشيدم إفرين)، ليس إنكار فظائع الحرب أو التقليل من حجم المآسي التي خلفتها. لعله على العكس محاولة لتوسيع زاوية النظر، بحيث تشمل أيضاً التجارب التي قاومت العنف وسعت إلى بناء جسور بين الأفراد والجماعات. فهذه التجارب، رغم تهميشها في السرديات الرسمية، تشكل عنصراً مهماً لفهم النسيج الاجتماعي اللبناني وقدرته على الصمود.

وإن ننس فلا ننس البعد الفلسفي والثقافي لهذا المشروع المتمثل في تحدي التصور القدري للتاريخ، الذي يرى في الحروب تكراراً حتمياً لا مفرّ منه. فمن خلال استعادة هذه الذاكرة الإيجابية، يسعى الكتاب إلى كسر هذا المنطق، وفتح أفق جديد يقوم على التعلم من الماضي بغية تجنب تكراره.

من هذه الزاوية، نفهم الشعار الضمني الوارد في مقدمة الكتاب والمستل من الحكمة الشعبية اللبنانية “تنذكر ما تنعاد”. ذلك أن استحضار هذه النماذج من التضامن واللاعنف لا يهدف إلى تكريم أصحابها فحسب، بل إلى جعلها مرجعاً أخلاقياً وتربوياً للأجيال القادمة.

إن كتاب “العيش المشترك والتضامن في زمن الحرب، دينامية التقارب واللاعنف في لبنان إبان الحرب الأهلية (1975-1990)” يقدم إسهاماً مهماً في إعادة كتابة تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية من منظور إنساني ونقدي، ويوازن بين الاعتراف بالمأساة وإبراز إمكانات الأمل. وهو بذلك لا يخاطب فقط الباحثين بقدر ما يوجه رسالة أوسع إلى المجتمع اللبناني، مفادها أن المستقبل لا يُبنى على الذاكرة الجريحة وحدها، وإنما باستعادة لحظات التضامن التي أثبتت أن العيش المشترك والتواصل الإيجابي مع الآخر المختلف، ممكن حتى في أحلك الظروف.

المزيد عن: كتاب الظاهرة الطائفية مؤتمر جامعي الوعي الجماعي الحرب الاهلية العنف التقارب الحوار

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00