الأربعاء, يوليو 15, 2026
الأربعاء, يوليو 15, 2026
Home » دلال البزري “في ضفة ثالثة” : سرطان الرئة بالذات (3).. الوقت، الموت، القدر

دلال البزري “في ضفة ثالثة” : سرطان الرئة بالذات (3).. الوقت، الموت، القدر

by admin

 

أكثر ما يفيض حزنًا في قلبي من فكرة وفاتي الآن، هو حسرة أحبائي عليّ. مع أن رحيلي لن يكون مبكرًا، إذ أكون قد تجاوزت السبعين من عمري. لكنهم سيبكون بحرقة على غيابي، وسيشتاقون إليّ، وأنا سأشتاق إليهم. وكلما كانوا أقرب إليّ، كلما كان حزني لزعلهم كبيرًا.

ضفة ثالثة / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية

الوقت طويل، الوقت قصير. الوقت مثل الحب، مثل الغضب، مثل العواطف كلها. لا يُركن إليه. هناك وقت الساعة، ووقت الذات. الاثنان منفصلان في طريقهما. الأول ثابت، والثاني متغير. تبعًا لما أنت عليه. من عمرك، من تعاستك أو سعادتك، من مشاريعك، من انشغالاتك. وحتى من طبائعك.

وأنا قليلة الصبر. مهووسة بالوقت. أركض مع الوقت، إذ أجده راكضًا. أريد أن أستغله، أن أسابقه، أن أتغلب عليه. وكأنه خصمي. هذا ما يجعلني أقع على الأرض بلا هوادة. ومنذ طفولتي، عندما كانت وقعاتي مادة تندر أبي، يضحك منها، عندما يراني عائدة من المدرسة واللصقات تغطي جبيني أو ركبتي أو رجلي. فيطلق عليّ لقب “الحمار المَعْقور”. ومن يومها أحب الحمير، أشفق عليهم، وأواظب على قراءة كتاب “مذكرات حمار” للكونتيسة دي سيغور، وأعيد قراءته حتى هذا العمر… حنينًا لبراءة أبي وضحكاته.

ولكن في هذه الأثناء، أواصل السقوط. أسقط على الأرض، يمينًا شمالًا، دائمًا مستعجلة، كلما خفّ توازني، أو شردتُ، أو نظرتُ إلى السماء، أو انجذبتُ إلى جمال ما… وأكون في معظم الأحيان مجبَّرة في الكوع أو الكتف أو الركبة… وسقطات أكثر جدية مع الكَبَر، تدخلني إلى المستشفى، وتقتضي غالبًا عملية جراحية… وتبديل مفاصل.

الآن، أفكر بأنني كنت أُكْثِر من السقطات على الأرض بسبب طبيعة إحساسي المفرط بسرعة الوقت. كانت هذه السقطات “بسيطة”، في طفولتي ومراهقتي وشبابي، لأن وتيرة الوقت كانت نسبيًا بطيئة. أقول الآن “بطيئة”، لأنه كلما تقدمتُ بالعمر، كلما زادت هذه السقطات، بسبب ما أعتبره “تكالب” الوقت عليّ. أي أصبح أسرع، وأحتاج إلى ملاحقته، بالسير بالسرعة التي تضاهي طبيعة “معركتي” معه. والذي يغيّر علاقتي هذه بالوقت هو السرطان. كل شيء في هذا المرض يرغمني على البطء. لا شفاء منه، بجرعة أو حقنة أو أقراص أو عملية جراحية… طبعًا الجرعات والأقراص والحقن والعملية الجراحية كلها واردة. ولكن ضمن سلسلة طويلة، “مشوار” مرهق، متعرج، ويصيب بأنواع صريحة ومبهمة من الأذى. وإذا قررتُ التصرف معه بصفته “معركة طويلة”، كما تفرض عليّ الحكمة أن أفعل… فإن علاقتي بالوقت تتغير، يكون الوقت في هذه الحالة حليفي وليس خصمي. وإلا فمعركتي مع السرطان خاسرة بالتأكيد.

خوض هذه المعركة يتطلب مني الصبر. تلك الفضيلة التي أفتقر إليها بشدة. تتفرع من قلة صبري عيوب أخرى، أنتبه إليها تباعًا، أو قد لا أنتبه. فأنا أركز الآن على صبري مع المرض، بكافة تفاصيله. وأحيانًا “يطلع حليب النوَر”، فأغضب وأكاد أخالف تعليمات الطبيب. ولكنني أتراجع بسرعة لا أعهدها. وأقول لنفسي بأن هذه المعركة بالذات تحتاج إلى ما كان ينقصني طوال حياتي. هل أتغير في هذا العمر؟ أثناء “المعركة مع المرض”، أو لا أتغير إلا في هذا الجانب؟ لست على يقين بما سأخلص إليه في نهايتها. الإجابة أيضًا على تساؤلي هذا تحتاج إلى الوقت.

ولكن قد أخسر هذه المعركة، وأرحل عن هذه الدنيا. وهذا احتمال وارد. أطرحه على نفسي، وعلى أخي سعيد الذي يستعيذ بالله من شرّه. فأجيبه بأن الموت احتمال وارد، كما الشفاء وارد، والدكتورة لي تؤكد بأن الورم سيبقى، وقد أعيش سنوات معه، وبصحة جيدة. أسكت عن الاحتمال “السيء”. ولكنه يراودني. وأغوص به، وتشتعل مخيلتي. فأتذكر: كيف كنت أتعامل مع الموت قبل المرض؟ هل كنتُ أخشاه؟ ومن دون عرض عضلات الشجاعة، قليلًا ما أخافني الموت. أخشى موت من أحب.

وأحيانًا، عندما يبلغ اليأس حدًا كونيًا، عندما تغيب كل المعاني، أهمس لنفسي تلك الجملة التي تواسيني “الحمد لله أنه لم يبق لكِ الكثير من السنوات على هذه الأرض”. وأنسى ما قرأه المبصرون في خطوط يدي فتوقعوا لي عمرًا مديدًا…

لكن الآن، اقتربَ الموت. احتماله صار واردًا. أتذكر جملتي المواسية لنفسي، وأسخر من غفلتي. هل كنت فعلًا جدية بحمد الله على اقترابه مني؟ ليس بمعنى أنني كنت خائفة أو غير خائفة. إنما بمعنى سروري من احتمال تحقّق هذا التمني؟

تغير الموت مع هذا المرض. وتغيرت الكلمات. صارت تساؤلات. على ماذا أندم لو رحلت؟ ماذا أتمنى لو رحلت؟ وهل يعني شيئًا أن أتمنى أو أندم وقد أكون رحلت؟ فأضع احتمالين: إما أن أكون تحولت إلى غبار ولا معنى بالتالي لتمنياتي، أو حسرتي. أو أكون روحًا محلِّقة في عالم غائب حاضر، في البرزخ، بانتظار يوم القيامة، حيث تفرح روحي أو تحزن. وبما أنني لا أملك الإجابة، لست متأكدة… أراهن، أقامر، بأن روحي ستبقى عائشة، محلِّقة. فأضفي بذلك المعنى على احتمال وفاتي. وأتمكن من الإجابة على تساؤلاتي.

أكثر ما يفيض حزنًا في قلبي من فكرة وفاتي الآن، هو حسرة أحبائي عليّ. مع أن رحيلي لن يكون مبكرًا، إذ أكون قد تجاوزت السبعين من عمري. لكنهم سيبكون بحرقة على غيابي، وسيشتاقون إليّ، وأنا سأشتاق إليهم. وكلما كانوا أقرب إليّ، كلما كان حزني لزعلهم كبيرًا.

وأنا في هذه الحالة من خلود روحي بعد وفاتي، أتلوّع لخسارة أخرى بعد وفاتي. بأنني سأفقد أحلى ما اخترعه الإنسان، أكثر ما أضاء لياليَّ، أكثر من نفخ في قلبي الحب والحنين والأمل، أكثر ما أبهجني ورقّصني وحمّسني… أي الموسيقى والأغاني. ستكون خسارتي كبيرة بأنني بعد رحيلي، لن أستمتع بهما. فأضع لائحة بما أحب منها ولا أحب. أحبها كلها ما عدا الأوبرا. بحسب مزاجي، أو “مناخي”، أو المكان الذي وُجدتُ فيه. أحب الموسيقى التي تذكرني بمراحل وبأشخاص، قريبين وبعيدين، بأماكن وبلدان ومدن، وتلك التي تنكشف لي، والتي تدهشني، وتحزنني، وتسعدني وتغرّبني وتشرّقني.. تروي سنوات من حياتي.

أقول هذا ولستُ متأكدة من خلود روحي. ولكنني مع ذلك أتمنى لو أنني أستطيع أن أستمع إلى هذه الموسيقى بعد وفاتي. أيضًا: أقول كل هذا وأنا مدركة أن خواطري قد تتحول إلى هلع حقيقي من اقتراب الموت. فيكون هذا هو قدري، أو “صدفتي” أو الله. أو ما هو “مكتوب على الجبين” كما يقول المصريون.

قبل المرض، أرى القدر من زوايا أزعم أنها “شاملة”. أرى أن الولادة قدر، والموت أيضًا قدر. وبينهما مسقط رأسكَ، أو البلد، أو اللابلد. في الشتات، في الوطن، في الحرب، في السلم، في الفقر في البحبوحة… ثم العائلة التي وُلدتَ فيها، أكانت ميسورة أو معوزة أو ما بين بين. أكنتَ يتيمًا أو تنعم بوالديك، أو بأمك فقط أو أبيك، وفي أي عمر. وطبائعك، جيناتك، وغرامك الكبير أو الصغير، محيطك، بيئتك، سكنك، إقامتك، زواجك.

كلها محطات تقرر، تحسم، تنعطف بك، تغير ملامحك، ترفعك، تسقِطك، تشقيك، تسِعدك… تكون إرادتك فيها متوسطة الفضل، رغم شعورك بالحرية “الشخصية”.

وأحيانًا يعود هذا الدور إلى قدر سابق، أو ما يسمى “شروطًا” سابقة، أو ما هو متعارف عليه بأنه “الحظ”. كأن تنعم ببيئة قوية، بعائلة تساندك، بمهنة، أو بسياق أو ظرف أو طبائع أو فلسفة يأخذون بيدك فتصعد، أو تُبلى بعكسهم كلهم فتتراجع.

وعندما قررتُ التوقف عن التدخين قبل ثلاثة أشهر من إصابتي بالمرض، لم أكن سوى داعمة لحظي، أو لصدفتي. كنت أقول لنفسي بأنني بذلك إنما أتدخل في “قدري”، أخفف من اعتباطيته، في هذا العمر الذي تهجم الأوجاع والأمراض من كل حدب وصوب، وبأنني بذلك أصبح أكثر “حرية” في التأمل مع هذا القدر، يمكنني أن أرفع رأسي بوجهه.

لكن القدر، أو “المكتوب” أو الحظ، قرروا عكس ذلك. وأُصبتُ بالسرطان. فأخذت حياتي مجرى آخر. فإذا لم يقتلني السرطان، وأنقذني العلاج الطويل… ما هو المنعطف الذي سيأخذه مجرى حياتي؟ ما هي الكلمات الجديدة التي سوف يكتبها؟ سوى أنه أخّرني سنة بكاملها عن حياتي؟ وجعلني أكثر تنصتًا لدواخل جسمي، أكثر انتباهًا إلى رعشاته؟ أم أنه ما من “منعطف” ولا من يحزنون؟

(انتهى)

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00