مشهد من فيلم لتاركوفسكي (مواقع التواصل) ثقافة و فنون السينما الفلسفية… رهان المخرجين على الوعي والفكر by admin 20 يونيو، 2026 written by admin 20 يونيو، 2026 16 ترتبط بالقدرة الفنية على تحرير الصورة من رتابة الواقع وفداحة الأحداث التي تسيطر على الحياة اليومية وقصصها وحكاياتها اندبندنت عربية/ أشرف الحساني لم يكن العالم يتخيل أن تصبح السينما منذ اختراع السينماتوغراف في أواخر القرن الـ19، باعتبارها آنذاك وسيلة للفرجة والتسلية، أحد أبرز الدعامات البصرية لإنتاج ما أصبح يسمى بـ”السينما الفلسفية“، إذ على رغم الاختلاف الواضح بين السينما بوصفها فناً يسعى إلى بلورة أفق سينمائي تخييلي، وبين الفلسفة كصورة من أشكال الفكر الذي يقوم على ابتكار وإبداع للمفاهيم، إلا أن تاريخ العلاقة بين الفلسفة والسينما، كان دائماً يظهر الوشائج العميقة وأوجه التقاطع والتلاقي التي تجمع بينهما. لقد حرصت السينما الهوليوودية منذ خمسينيات القرن الماضي على الرهان سنوياً على نماذج معينة من السينما الفلسفية، أي تلك التي تنطلق من مفاهيم وأفكار ومواقف ذات حمولات فلسفية فتعمل على محاولة تكثيف صورها وجعلها تدخل مدارات السينما ومتخيلها. ويأتي رهان السينما على الفلسفة من وعي المخرجين السينمائيين بضرورة إعطاء أعمالهم بعداً فلسفياً يحرر الصورة من رتابة الواقع وفداحة الأحداث والوقائع التي تسيطر على الحياة اليومية وقصصها وحكاياتها، لذلك فإن الانشغال بصورة تلقائية على الفلسفة يسهم في تأصيل التجربة الفيلمية ويجعلها تخرج من الإطار الترفيهي الذي يعمد إليه بعض المخرجين، صوب مناخات فكرية تفكك ماهية الكائن البشري وجرحه. تاريخ السينما الغربية حافل بعدد من الأفلام التي تدعى “فلسفية”، إما لأن المخرج يحاول أن يجعل من موضوع فيلمه يحمل مسحة فلسفية أو يشتغل على الفلسفة باعتبارها علماً، إذ يروم إلى مناقشة مفاهيم وأفكار ونظريات، وهو أمر صعب ومستبعد، أو الانشغال بالفلسفة من خلال تخييل سيرة عدد من الفلاسفة، لكن بغض النظر عن طريقة تعامل المخرج السينمائي مع الفلسفة، فإننا نعثر في الذاكرة الفيلموغرافيا على وجود بعض من الفلسفة داخل أفلام سينمائية معينة. السينما والتفكير الفلسفي ذلك أن الأفلام الأصيلة تضمر دائماً انشغالاً فلسفياً قوياً، بحيث إن الفلسفة تظل العنصر البارز الذي يعطي للفيلم أصالته السينمائية، ونعنى بالفلسفة هنا الطريقة التي يصبح من خلالها الفكر التقليدي حداثياً وبطريقة تغدو من خلالها الفلسفة آلية ضرورية لتحرير هذا الفكر وإخراجه من براهن التقليد واليقينيات، وذلك من خلال طرح أسئلة فلسفية حقيقية حول مصير الإنسان داخل حياته اليومية في علاقته بالجسد والأخلاق والسياسة والجمال والمعرفة وغيرها من القضايا التي انشغل بها الدرس الفلسفي. من هنا تعمل السينما على الاستثمار في المنجز الفلسفي لا كموضوع فقط، وإنما كآلية تخلق نوعاً من التفكير المغاير الذي يتشبث بحمى الأسئلة بدل الأجوبة الجوفاء، وهو ما يؤثر إيجاباً على خصوصية السيناريو ويدفع بالصورة السينمائية إلى أن تبحث لها أفق بصري مغاير. تثير علاقة السينما بالفلسفة سؤالاً أصبح “كلاسيكياً” داخل الفكر الفلسفي المعاصر ويتعلق حول ما إذا كانت السينما كوسيط بصري يروم إلى تقديم “حياة للصور” تكون قادرة على التفكير والتفلسف، إذ يعتبرها جيل دولوز تفكر، لكنها من خلال “الفعل”، لذلك بادر دولوز إلى كتابة مصنفه الشهير “الصورة الزمن” و”الصورة الحركة” كنوع من التفكير الفلسفي في السينما ميكانيزمات اشتغالها. اقرأ المزيد الكتاب السينمائي العربي.. موءود سلفا حياة صاحب “الفصول الأربعة” العاطفية عبر السينما السينما والتاريخ… ما تكشفه الوثيقة المتحركة الكتاب ليس تأريخاً للسينما كما قد يظن، بل محاولة أصيلة لاقتحام العمل السينمائي من خلال المدخل الفلسفي، إذ لعب هذا الكتاب دوراً حيوياً في تنشيط ذاكرة الأكاديميين ودفعهم إلى الانفتاح على السينما ومداراتها التخييلية، بطريقة أصبحت تطالعنا سلسلة من المؤلفات الفلسفية العربية حول السينما. اعتبرت السينما حدثاً عظيماً في تاريخ البشرية، فمنذ اختراعها لعبت دوراً كبيراً في تغيير حياة الناس والتأثير في تفكيرهم ومتخيلهم وإدراكاتهم بطريقة فعالة أصبحت معها مادة تستحق التفكير بالنسبة إلى المفكرين والفلاسفة على مدار القرن الـ20. على هذا الأساس، انشغل فلاسفة من قبيل جاك أومون وجيل دولوز وإدغار موران وألان باديو وستانلي كافيل وجاك رانسيير بالفن السابع وجعلوه أفقاً للتفكير، إذ منحوه شرعية علمية أصيلة جعلت الباحثين لا يتعاملون مع السينما كوسيلة تحقق الترفيه، وإنما كآلية ضرورية لفهم السينما من وجهة نظر معرفية تؤكد المكانة التي تحظى بها السينما في الحياة المعاصرة، باعتباره فناً شعبياً ديمقراطياً له القدرة على تحريك الأهواء السياسية والحساسيات الفكرية، لأنه فن مركب يستند على خلطات يتواشج فيها السيناريو (النص) بالصورة. فكر الصورة إن السينما منذ اختراعها لم تكن وسيلة هامشية في ذاكرة العالم، بل ظلت تمثل مشروعاً “فلسفياً” يسهم في تحديث المجتمعات وتغيير أنماط الفكر والمواضعات الاجتماعية والأفكار السياسية والتوجهات الديكتاتورية، أي أنها فن فلسفي يكسر البدهيات ويقتل اليقينيات ويضع مكانها أفكاراً أكثر تجذر في بيئتها واجتماعها. حرص هؤلاء الفلاسفة على إعطاء قيمة كبير للعمل السينمائي، وعياً منهم أن السينما ليست هامشاً للفكر كما قد يظن مع الأنساق الفلسفية التي مجدت العقل وحدت من فتنة الجسد وأشكاله التعبيرية باعتبارها ممارسات إنسانية تستحق أن تخضع للتفكير الفلسفي، لذلك وجد هؤلاء الفلاسفة في السينما وقبلهم أسماء من قبيل جان إيبشتاين وجان ميتري وأندري بازان وإنزنشتاين وكريستيان ميتز منزلة رفيعة لتحقيق نوع من العبور الفلسفي الحقيقي بين المتخيل والواقع، بما أن الصورة تشكل براديغم السينما ومتخيلها وأدواتها التي بها تفكر وتخيل العالم سينمائياً. نجحت الفلسفة الغربية المعاصرة في فتح منافذ ضوء جديدة للسينما، إذ جعلتها تدخل مدار التفكير الفلسفي وأصبح الفلاسفة من خلالها يراهنون على السينما كأداة للتفكير والتفلسف، لذلك أنتج بعض الفلاسفة متوناً فكرية أصيلة حول السينما بطريقة جعلتهم يتفوقون على المجالات الأخرى كافة التي كتبوا فيها مثل السياسة والأخلاق والأدب والميتافيزيقا وغيرهما من القضايا الفلسفية التي كثيراً ما شغلت الفلاسفة منذ العصر الوسيط، بيد أن اهتمام الفلاسفة بالسينما يظل مختلفاً من فيلسوف إلى آخر من ناحية ما يريده الفيلسوف من الفن السابع وكيف ينظر إليه، لكنهم جميعاً أجمعوا على مكانتها الفكرية وقدرتها على تحرير فكرهم من الانغلاق الذي قد يطبع الجسد في لحظة ما. ذلك أن السينما تستنفر تفكيرهم وتحثهم على إقامة نوع من النوسطالجيا الساحرة للعودة لطفولتهم والحديث عن أفلام شاهدوها ولا تزال مؤثرة في وجدانهم، بسبب ما تطرحه من أسئلة فكرية وقوة فنية ترج الجسد وتدفع بالفيلسوف إلى السفر في مجال المفاهيم والحفر في بنيات الواقع، بحثاً عن أجوبة شافية لا يعثر عليها في ثنايا الخطاب الفلسفية ولا السياقات التاريخية ووقائعها وأحداثها المتبدلة. إن السينما تمتلك خاصية فريدة في الاشتغال على المفاهيم وقدرة رهيبة في تملك العالم، ذلك أن المخرج السينمائي وإن كان يعتمد على واقع نعرفه ونعيش فيه ويعيش فينا، إلا أن طريقته في عرض الصور وفرز اللقطات وملامسة المشاهد تجعل خطابه السينمائي خاصاً به، لأنه يكشف وفق رؤيته البصرية عن تصوره الأنطولوجي للوجود والعالم. المزيد عن: السينما الفلسفة الإخراج هوليوود الفلاسفة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إبراهيم العريس في اندبندنت عربية: وصايا فيون الشعرية تختال بموسيقى ديبوسي next post محاضرات فلسفية القاها جانكلفيتش عبر إذاعة السوربون You may also like في المجلة: عشرة كتب تشرح كيف تحولت كرة... 20 يونيو، 2026 محاضرات فلسفية القاها جانكلفيتش عبر إذاعة السوربون 20 يونيو، 2026 إبراهيم العريس في اندبندنت عربية: وصايا فيون الشعرية... 20 يونيو، 2026 كوستوريتسا يعود إلى الدراما العائلية وأسئلتها الكبرى 19 يونيو، 2026 الممثلة التونسية الوحيدة تواجه الجمهور برقة قاسية 19 يونيو، 2026 كيف كان الناس يعيشون الحبّ في زمن السلاطين؟ 18 يونيو، 2026 إبراهيم العريس يكتب عن: الألماني كيستن واصل مقارعة... 18 يونيو، 2026 مهى سلطان تكتب عن: ديفيد هوكني رائد الفن... 18 يونيو، 2026 “التياترو” فودفيل مسرحي مصري برؤية حديثة 18 يونيو، 2026 إبراهيم العريس يكتب عن: سيرة الطاعون الأسود في... 18 يونيو، 2026