ثقافة و فنونعربي “الثور فوق السطح” لداريوس ميلو فرنسية أم برازيلية؟ by admin 4 ديسمبر، 2020 written by admin 4 ديسمبر، 2020 245 الباليه السوريالي الصاخب الذي تتبناه اليوم أمتان اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب هو بالتأكيد واحد من أطرف العناوين التي يمكن أن يحملها باليه راقص، غير أن ما هو أطرف من العنوان حكاية تأليفه، وكونه ينتمي إلى ثقافتين في وقت واحد، ويشكل في الوقت ذاته نوعاً من الكشف عن موسيقى لم يكن للباليه عهد بها. لنبدأ هنا بأحد جانبي الحكاية، أي الجانب المعتمد في سيرة ملحن الباليه الرسمية الفرنسي داريوس ميلو، فهذه السيرة تفيد بأن ميلو كتب موسيقى الباليه التي يستغرق أداؤها نحو عشرين دقيقة في عام 1919، ليقدم الباليه للمرة الأولى أوائل عام 1920 في مسرح الشانزليزيه الكوميدي في برنامج ضم قطعاً أخرى من كتابة بعض أبرز مجايليه، مثل “فرانسيس بولنك، وجورج أوريك، وإريك ساتي”. غير أن نفس تلك الحكاية تضيف أن ميلو كان قد بدأ العمل على ذلك الباليه قبل ذلك بأشهر أواخر 1919، على أن يكون نوعاً من قصيدة سيمفونية للكمان والبيانو عنوانها “سينما فانتازيا”، بهدف أن تصحب عرض فيلم صامت لتشارلي شابلن. لكن، حين سمعها جان كوكتو اقترح أن تتحول إلى باليه إيمائي مستقل، كتب هو نصه الأدائي وأعطاه العنوان الذي استقر بعد ذلك “الثور فوق السطح”، طالباً من الرسام راؤول دوفي تصميم الديكورات له. وتدخل البرازيل على الخط كل هذا منطقي، ويشكل جزءاً من التاريخ الموسيقي الفرنسي، ويتذكره الهواة كلما ذُكر ميلو، والباريسيون بالطبع كلما حدث لهم أن مروا قرب المطعم الذي سيشتهر بالعنوان نفسه. لكن، هذا المنطق يتداعى بالطبع حينما يطلع في البرازيل من يُحدث تعديلاً في الحكاية كلها، بل يعيد العنوان نفسه إلى جذوره، كاشفاً عما ثمة ما هو برازيلي في هذا العمل الموسيقي “الفرنسي”. فمنذ سنوات قليلة صدر في البرازيل كتاب عنوانه “o boi no telhado” ومعناها بالعربية تحديداً: (الثور فوق السطح) لصحافي ومؤرخ موسيقي يدعى مانولو دو لاغو، يعطي حكاية مختلفة عن ذلك الباليه، ووضع ميلو له. تقول الحكاية البرازيلية إذن، إن الموسيقي الفرنسي داريوس ميلو وصل ذات يوم من عام 1917 إلى ريو دي جانيرو بدعوة من صديقه الشاعر بول كلوديل الذي كان مقيماً هناك رئيساً للبعثة الدبلوماسية الفرنسية، أولاً لكي يزوره، وبعد ذلك لكي يشغل وظيفة سكرتير ومستشار فني له. ومنذ وصوله اشتدت حماسة ميلو للموسيقى الأميركية اللاتينية، إلى درجة أنه راح يسعى للقاء عدد من أشهر الموسيقيين المقيمين في المدينة، ليرتبط معهم بعلاقات صداقة أثرت في موسيقاه كثيراً. وكان من بينهم الموسيقي المعروف هيتوس فيلالوبوس الذي أذهلت ميلو معرفته الدقيقة بأعمال وتقنيات الموسيقيين الفرنسيين من أمثال ديبوسي والألمان من أمثال براهمز. لماذا لا تنفتحون؟ لكن، ميلو لاحظ بالتدريج كيف أن الموسيقى التي كانت تُكتب في البرازيل، وغيرها من مدن أميركا اللاتينية في ذلك الحين، تبدو منغلقة على نفسها وغير قابلة للتطور بسبب ذلك الانغلاق، وراح يسأل الموسيقيين المحليين من أصدقائه عما يمنعهم من التعبير عن أنفسهم بشكل أكثر حيوية وانفتاحاً يتضافر مع عبقريتهم في الابتكار. ولكي يضرب لهم مثلاً على ذلك، قرر بحسب ما أعلن أمامهم، أن يشتغل على موسيقى من ابتكاره تستلهم الروح البرازيلية وتراثها، وذلك انطلاقاً بالتحديد من أغنية شعبية نالت من إعجابه ما يكفي لكي يستلهمها. وكان عنوان الأغنية “الثور فوق السطح”. وهي أغنية ينشدها الجميع صغاراً وكباراً في تلك المنطقة من البرازيل، وفي كل المناسبات. وهكذا تحولت الأغنية الشعبية بين يدي ميلو إلى ذلك الباليه الذي سيعيش حياته ويصبح “نموذجاً للتلاقح الموسيقي بين الحضارات ووسيلة للتلاقي بين روح الشعوب” بحسب ما سوف يقول ميلو لاحقاً، هو الذي لم يحاول على أي حال أن ينكر الجذور البرازيلية للمقطوعة التي ألفها. وحده صخب الحياة سوف يرمي بتلك الحكاية “البرازيلية” إلى وهدة النسيان من دون أن يتوقف الهواة طويلاً عند تلك السمات الحيوية التي تطبع عملاً موسيقياً، راح كثر يعتقدون مع الوقت أنه ابتكار فرنسي خالص. حصة فرنسا وحصة البرازيل لكن، الصحافي البرازيلي ومن دون أن يكون قاسياً في حكمه على ذلك النسيان أو “التناسي”، يقول اليوم في كتابه إن الحصة الفرنسية من “الثور فوق السطح” هي في الحقيقة أقل من نظيرتها البرازيلية بكثير، حتى وإن كان لم يتوان عن إرفاق كتابه بنصوص من كلوديل تتحدث عن عمل ميلو، لكن كذلك بنص طويل يمتدح فيه تلك القلبة الفنية التي أحدثها كل من داريوس ميلو وجان كوكتو، مثنياً على حس التنظيم والعقلانية الفرنسية اللذين حولا أغنية شعبية إلى عمل فني كلاسيكي. بل لا بد من الإشارة إلى أن مقالاً نشر في صحيفة “فوليا دي ساو باولو” يستعرض الكتاب تابع الحكاية من حيث لم تتضح تماماً لدى هذا الأخير، ذاكراً أن “الموسيقى التي وضعها داريوس ميلو للباليه أتت في النهاية أشبه بخلطة عجيبة تضم إلى جانب شذرات من تلك الأغنية الشعبية، جملاً موسيقية عديدة مقتبسة من عدد من الأغنيات البرازيلية التي كانت لا تقل شهرة عن (الثور فوق السطح) عند بدايات القرن العشرين، ومنها أغنية تستعاد لازمتها الموسيقية أربع عشرة مرة خلال الدقائق الثمانية عشرة التي تتألف منها القطعة…”. وتختم المجلة مقالها معلنة فرحها بتلك “المبادرة الموسيقية الفرنسية التي أتت قبل مئة عام من الآن لتساعد البرازيل على تحديد هويتها الموسيقية”. أما بالنسبة إلى داريوس ميلو، الذي كان لا يزال في أواسط العشرينيات من عمره حين لحن ذلك الباليه، فهو واحد من تلك الجماعة التي ظهرت في فرنسا بشكل قوي خلال الربع الأول من القرن العشرين، وضمت إليه أصحاب الأسماء التي ذكرناها أعلاه. وهو حين حول تلك الموسيقى التي أتى بها من البرازيل إلى الباليه الذي حقق نجاحاً وشهرة كبيرين منذ عروضه الأولى، إنما كان يسير في ذلك العمل، تحت رعاية جان كوكتو، على خطى إريك ساتي الذي قدم في تلك الأزمنة عرض باليه شهيراً عرف باسم “باراد” انطلاقاً من نص لكوكتو نفسه، وحقق له الديكورات أعظم رسامي تلك السنوات “بابلو بيكاسو”. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه ليس ثمة حكاية في هذا الباليه، بل مجموعة مشاهد تكاد تكون سوريالية وساخرة، يتتابع فيها على الخشبة ظهور شخصيات من دون هدف ومن دون علاقات تجمعها. وحدها الموسيقى تحقق اللقاء. إنتاج كثيف لسنوات طويلة ولد داريوس ميلو في مارسيليا ابناً لأسرة مصرفيين في عام 1892، ليرحل بعد ذلك بأكثر من ثمانين عاماً في 1974. وانتقل إلى باريس، وكان بعد في السابعة عشرة من عمره، كي يدرس الموسيقى على يد عدد من كبار موسيقيي المرحلة، لا سيما بول دوكاس الذي كان أستاذه في مادة التوزيع الأوركسترالي. وهو منذ سنوات الدراسة في العقد الثاني من القرن العشرين وحتى الحرب العالمية الثانية لم يتوقف يوماً عن التلحين، بحيث إن قائمة أعماله الأوركسترالية والغنائية والأوبرالية وفي مختلف فروع التأليف الموسيقي تضم عشرات العناوين التي يصعب إحصاؤها في مثل هذا المكان، لكن يمكن أن نذكر من بينها أشهرها وأكثرها شعبية، من ثلاثية “أورستيا” في اقتباس موسيقي عن ثلاثية إسخيلوس المسرحية، إلى “الإنسان ورغباته” و”خلق العالم” و”كريسوف كولومبوس”، انطلاقاً من نص لبول كلوديل، و”البحار الفقير” على نص شعري لجان كوكتو. وكما أشرنا لا بد من أن نضيف أن ميلو اهتم بكل أنواع التأليف الموسيقي، لكنه لم يهمل الكتابة عن الموسيقى، لا سيما بدءاً من أواسط سنوات الثلاثين حين انضم إلى هيئة تحرير الصحيفة اليسارية “هذا المساء” ناقداً موسيقياً، وكتب لها عشرات المقالات منها عدد من مقالات بدت لافتة حول الموسيقى الأميركية اللاتينية، وخصوصاً البرازيلية. المزيد عن: أغنية الثور فوق السطح/الباليه/داريوس ميل/موسيقى الباليه/فرنسا/البرازيل 15 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عبد الكريم برشيد: التجريب لا يمكن أن يعيش إلا في مناخ الحرية next post الروائي سليمان أدونيا في جحيم المواجهات الأريترية الأثيوبية You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 15 comments fun88 9 مارس، 2025 - 6:38 ص 457284 386805I like this internet site quite much, Its a genuinely nice situation to read and get info . 331803 Reply private jet plane 9 أبريل، 2025 - 12:23 ص Your perspective on this topic is very interesting. Thanks for the detailed explanation. Reply pinco 24 مايو، 2025 - 11:35 م 192002 645866Some genuinely good and utilitarian details on this internet web site , also I believe the style and style holds excellent capabilities. 318185 Reply VOX Casino aplikacja 25 مايو، 2025 - 11:10 م 406877 970837I always was interested in this subject and nonetheless am, regards for posting . 162261 Reply online game 14 أغسطس، 2025 - 2:58 ص 950171 408747Thank you for sharing with us, I believe this site genuinely stands out : D. 690579 Reply visit the site 5 سبتمبر، 2025 - 12:50 ص 615807 500376This internet site is my breathing in, really wonderful pattern and perfect content material . 416981 Reply Megac4 28 سبتمبر، 2025 - 11:19 م 707595 99367You ought to participate in a contest for among the most effective blogs on the web. I will recommend this website! 703892 Reply raamdecoratie voor draai kiepramen 15 أكتوبر، 2025 - 7:47 ص 772984 888522You ought to join in a contest for starters with the highest quality blogs online. I will recommend this page! 623159 Reply 台灣悅刻 30 أكتوبر، 2025 - 12:48 ص 294234 964763Really clear internet web site , thanks for this post. 687600 Reply เว็บตรง บาคาร่า 31 أكتوبر، 2025 - 10:16 ص 367164 544196Some truly outstanding articles on this internet website , thankyou for contribution. 648896 Reply jav 16 نوفمبر، 2025 - 4:27 م 997306 74114I as effectively conceive so , perfectly indited post! . 324124 Reply joanna kazmierczak-pietka 18 نوفمبر، 2025 - 9:18 م 4119 793185I real glad to uncover this web web site on bing, just what I was looking for : D likewise saved to bookmarks . 254309 Reply เน็ต บ้าน ais 2 ديسمبر، 2025 - 2:42 م 98868 162581hey there, your website is inexpensive. We do thank you for work 16865 Reply เว็บตรง บาคาร่า 8 ديسمبر، 2025 - 1:59 ص 791161 10467A person essentially lend a hand to make significantly articles I may possibly state. That may be the extremely 1st time I frequented your site page and up to now? I amazed with the research you created to create this specific publish incredible. Wonderful activity! 736471 Reply เครื่องพิมพ์วันที่ 30 يناير، 2026 - 12:17 م 358028 879815Sweet internet website , super pattern , extremely clean and utilize friendly . 474017 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.