بول كحيلي وفالتر بنجامين (ويكيميديا) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: فالتر بنجامين يعيد تعريف أصغر لوحات بول كلي by admin 26 يوليو، 2026 written by admin 26 يوليو، 2026 20 عندما يزحم الفيلسوف الرؤيوي عملاً فنياً ثانوي الأهمية مثل “الملاك الجديد” بأبعاد تخلقه مجدداً اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب لا شك أنه سيبدو على حق تماماً، وليس للوهلة الأولى فقط، ذلك الأستاذ الجامعي السويسري الذي حمل إلى تلامذته ذات مرة منسوخة عن لوحة صغيرة الحجم من رسم بول كلي ليقول لمستمعيه بكل بساطة إن الوقت قد حان لإعادة هذه اللوحة إلى “حجمها” الأصلي. وهو كان يعني بذلك تحديداً تخليصها من تلك الأبعاد التي أسبغها عليها الفيلسوف الألماني فالتر بنجامين، وفي الأقل منذ اشتراها ذات يوم بسعر متدن ثم طفق يتأملها حتى كتب عنها دراسة في منتهى العمق محملة بالتأملات الفلسفية وبالأبعاد الفكرية التي لا شك أن الرسام نفسه كان من شأنه أن يعبر عن دهشته إزاءها لو قيض لنا أن نسأله رأيه. اللوحة التي نعنيها هنا هي تلك التي رسمها كلي خلال عام 1920 لتحمل لاحقاً عنواناً بات أكبر منها بكثير، وذلك حتى قبل أن يعطيها بنجامين ولأسباب شديدة “الغموض”، تلك الأبعاد التي ضاعفت من حجمها لتصبح نوعاً من كناية عن العواصف التي تهب على البشرية أواسط القرن الـ20. ففي كتابه “أطروحات حول فلسفة التاريخ” الصادر عام 1940، الذي كان آخر ما صدر لبنجامين في حياته، وربما آخر ما كتب خلال تلك الحياة قبل انتحاره في العام نفسه عند الحدود الفرنسية – الإسبانية وهو يحاول الفرار من النازيين، يقدم الفيلسوف للوحة وصفاً من المؤكد أنه ما كان ليخطر في بال أحد أن يجده في ثنايا الكتاب. مخاوف الفيلسوف ولكن هنا، وقبل الحديث عن “العلاقة بين الفيلسوف واللوحة” قد يكون من الأفضل أن نذكر عما تعبر تلك اللوحة التي لا شك أن توصيف الفيلسوف لها كان هو ما منحها ذلك المعنى الذي جعل منها “من أكثر الأعمال الفنية تأثيراً في الفكر الفلسفي والنقدي في القرن الـ20”. فهي كما أشرنا، صغيرة الحجم منفذة بالحبر والألوان المائية على الورق، تمثل مخلوقاً هجيناً يبدو متأرجحاً بين الكائن البشري والملاك السماوي، له عينان واسعتان تحدقان في كل شيء وفي اللا شيء، بل تحدقان كما يبدو في مشهد غير مرئي في حال من الرعب والذهول. بينما يمتد جناحاه كأنهما على وشك الانفتاح أو المقاومة. بيد أن هذا الملاك لا يبدو في الحقيقة سماوياً بالمعنى التقليدي للكلمة؛ “بل هو أقرب إلى الكائن المرتبك البادي وكأنه ضحية صراع يدور في أعماقه بين رغبة في الحركة وعجز عنها”. لوحة بول كلي حول التاريخ والملاك والتقدم (ويكيميديا) في الحقيقة أن بول كلي قد ترك في هذه اللوحة مساحات كبيرة للتأويل ولكن من دون أن يخطر في باله ذاك التأويل الذي تلمسه بنجامين. فهذا الأخير إنما سيخبرنا في سطور بالغة التشاؤم والغضب والرعب، أن ثمة في اللوحة التي يستدير الملاك فيها بوجهه نحو الماضي، عاصفة تعبر ما يتأمله الملاك من أكوام من خراب فيبدو وكأنه تواق إلى استصلاح ذلك الخراب، لكن العاصفة المدمرة الآتية بدورها من ذلك الماضي، تدفعه إلى مواصلة دربه نحو المستقبل الذي يبدو الآن مديراً وجهه عنه في تمسكه بالماضي. هنا يخبرنا بنجامين أن تلك العاصفة ليست في حقيقتها سوى “فعل التقدم”… وهذا بالتحديد ما أضفى على اللوحة ذلك المعنى الذي بات لها منذ عام 1940، إذ أصبحت كناية عن “كآبة تاريخية” ونقداً لكل ما يتعلق بالحداثة. بين الرسام والفلسفة ويقيناً هنا، مرة أخرى أن كلي لا يشارك بنجامين تلك الرؤية، بل إن ما من شيء في تفاصيل اللوحة أو حتى في مجريات الزمن الذي رسمت فيه، أي قبل تفسير بنجامين بـ20 عاماً، يوحي بأن الرسام كان يقصد ما خلص إليه بنجامين. ولنقرأ هنا ما كتبه هذا الأخير في فقرة باتت، وربما من جراء انتحاره الذي ارتبط به واحد من أكثر النصوص تداولاً في الفلسفة المعاصرة بل ربما كان هو المسؤول حتى عن العنوان الذي للوحة منذ ذلك الحين “الملاك الجديد”: “إن هذا الملاك يبدو وكأنه يحدق في الماضي. وجهه متجه إلى الوراء حيث يبدو بالتالي عاجزاً عن رؤية سلسلة الأحداث المتتابعة كما يراها المؤرخ التقليدي، بل هو يرى كارثة واحدة متواصلة تتراكم فيها الأنقاض فوق الأنقاض. إنه يرغب في البقاء على قيد الوجود، وفي إيقاظ الموتى وإصلاح ما تهشم، لكن العاصفة العاتية تهبط عليه آتية حتى من الفردوس فتعلق بجناحيه وتدفعه بقوة نحو المستقبل، بينما تستمر أكوام الخراب في التراكم والازدهار أمام عينيه”. ومن اللافت أن بنجامين وهنا بالتحديد، لا يتردد عن إعطاء العاصفة ذلك الاسم الذي بات لها منذ ذلك الحين “التقدم”. اقرأ المزيد “مركز بول كلي” لرنزو بيانو: فنون عربية وسط الطبيعة السويسرية ما هو سر محفظة فالتر بنجامين الضائعة عند انتحاره؟ استنطاق مجهولي لوحة النهضوي جورجيوني الأشهر لوحة السوريالي رينيه ماغريت “بطلة” فيلم هوليوودي والحقيقة، وتحديداً من منظور بنجامين ومفسريه، تكمن أهمية هذا التأويل في أنه “يقلب الفكرة السائدة عن التاريخ حيث بدلاً من النظر إليه بوصفه مسيرة متواصلة نحو الأفضل”، يرى أن ما نسميه التقدم قد يخفي وراءه تراكماً من العنف والحروب والظلم المستشري، بمعنى أن “كل انتصار حضاري قد يكون مشيداً على أنقاض ضحايا مجهولين. وكل مرحلة جديدة قد تمحو آثار الذين يسقطون في الطريق”. التاريخ والتشاؤم واضح إذاً، وكما يقول الباحثون، في فكر بنجامين لكن وبخاصة في فن بول كلي، أن تأويل الفيلسوف قد تجاوز، ومن بعيد طبعاً، نوايا الرسام. إذ “لا يوجد ما يدل على أن هذا الأخير قصد تلك الدلالة التاريخية أو السياسية، لكن قوة العمل الفني تكمن مع ذلك، في قابليته لإنتاج معان جديدة عبر الأزمنة”. وبهذا أصبحت لوحة صغيرة رسمها كلي وربما في لحظة سأم وفراغ في حياته، جزءاً لا يتجزأ من منظومة فكرية تنتمي إلى التراث الفلسفي الحديث، وبات عنوانها غير الأصلي، أي “ملاك التاريخ” أشهر من عنوانها الأصلي. وهكذا تقرأ اللوحة اليوم على صغرها بوصفها “لقاء استثنائياً بين الفن والفلسفة”. فقد منح بول كلي العالم، بعد كل شيء، صورة غامضة آسرة، بينما منح فالتر بنجامين تلك الصورة، حياة فكرية ثانية جعلتها استعارة كبرى في مضمار التاريخ الإنساني، إذ يتقدم البشر نحو المستقبل لكنهم يحملون خلفهم جبالاً من الخراب لا تكف عن التراكم والارتفاع. وهكذا بقيت هذه اللوحة حتى اليوم، أحد أكثر الأعمال الفنية حضوراً في النقاشات المتعلقة بالحداثة والحرب، والذاكرة وصولاً إلى حدود فكرة التقدم نفسها. المزيد عن: ألمانيا الرسم لوحات فالتر بنجامين بول كلي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الشاعر شارل شهوان يرسم مشهديات متوسطية next post هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: مهرجان لوكارنو يكرم جيمس غراي السينمائي المجدد You may also like عبده وازن في “اندبندنت عربية”: زياد الرحباني لم... 26 يوليو، 2026 26 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: مهرجان لوكارنو يكرم جيمس... 26 يوليو، 2026 مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الشاعر شارل شهوان... 26 يوليو، 2026 مهند مبيضين يكتب تاريخ الأردن عبر87 شخصية 26 يوليو، 2026 كلاريس لاغراي في “اندبندنت عربية”: ملحمة نولان تبلغ... 25 يوليو، 2026 أنطوان أبو زيد في “اندبندنت عربية”: ليوناردو شاشا... 25 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الملك يبحث عن... 25 يوليو، 2026 قلاع جبل عامل وموقع فلسطيني في حمى “اليونسكو” 25 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: مكتبات فرنسية تغلق... 25 يوليو، 2026