ثقافة و فنونعربي “أنشودة رولان” طلعت من العدم وتحولت إلى ملحمة قومية فرنسية by admin 30 سبتمبر، 2021 written by admin 30 سبتمبر، 2021 170 البطل العاشق يتعرض للخيانة ويقتله الظلم فتنافسه جان دارك بعد حين اندبندنت عربية \ إبراهيم العريس باحث وكاتب قبل أن تُكتشف خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، تحديداً عبر نسخة عُثر عليها في أكسفورد البريطانية، لم تكُن “أنشودة رولان” لتخطر في بال أحد من العلماء. ولم يكُن الفرنسيون يعتبرونها، لا ملحمة قومية ولا حكاية بطولية ترتبط بتاريخهم. كل ما في الأمر أنه كان ثمة نتف منها وأغنيات متفرقة ينشدها الشعراء الجوالون بطرق عدة وربما بأسماء عدة أيضاً من دون أن يستقر الأمر على زمن محدد لما تحكي عنه، وطبعاً من دون أن يُعرف لها مؤلف واحد. كان لها بطل فرد بالطبع هو الفارس المغوار رولان الذي كانت الأغنيات المتجولة بين مكان وآخر، وبين لغة وأخرى وبين لهجة وثانية، تتحدث عن بطولاته وأفعاله وموته كما يحدث في مئات الملاحم الشعبية الموجودة لدى شعوب الأرض بشكل عام. وكانت الحكاية في إطارها العام تشبه مثيلاتها من الحكايات البطولية. ولكن، بعد هذا لا شيء. تأكيدات قليلة حاسمة في بعض الأحيان، كانت الأحداث تقع في فترات متباعدة، ولكن دائماً تقريباً عند المنعطف الزمني بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر قبل أن تستقر على فترة تتراوح بين عام 1090 و1130. وفي بعض الأحيان، كانت الأحداث تتمثل في معارك يخوضها الفرنسيون بقيادة شارلمان غالباً، ضد جيرانهم في الجنوب، أي عند المناطق الإسبانية المتاخمة للجنوب الفرنسي، ولكن مرة ضد الباسكيين ومرة ضد الموريسكيين (العرب المسلمون محتلو الأندلس في هذه الحالة)، وربما في بعض الأحيان، ضد قوم آخر ليس من هؤلاء أو من أولئك. ولكن، في الحالات كلها، هناك الشخصيتان الرئيستان اللتان لا بد من وجودهما في كل حكاية من ذلك النوع: البطل والخائن. وكما يحدث دائماً، هناك صديق البطل الذي يرتبط به بعد عداوة. وهناك الخديعة التي يمارسها الخائن الذي يجب أن يكون من أهل البلاد، لكن الغيرة تدفعه إلى الخيانة. والغيرة تحديداً من البطل. ولعل في إمكان القارئ أن يتلمّس في هذا الإطار العام للحكاية، ما يمكنه تلمّسه في العدد الأكبر من “الملاحم” المماثلة. تراث الشعب الشفهي مع ذلك، لا شك في أن “أنشودة رولان” عمل ملحمي حقيقي يرتبط بالتاريخ الفرنسي ارتباطاً وثيقاً أو على الأقل بالتراث الشعبي الشفهي الفرنسي. بالتالي، يبقى ثمة سؤال لا بد من طرحه دائماً: إذا كان الأمر على هذا النحو، لماذا تأخر الفرنسيون كل تلك القرون في تدوين هذه التي ستصبح لاحقاً ملحمتهم القومية؟ لماذا تأخر انتقالها من المخزون الشفهي الشعبي إلى التراث المدون، ثم لاحقاً إلى التراث المترجم وبأناقة من الفرنسية القديمة إلى فرنسية أكثر حداثة، وليس مرة واحدة بل مرات ومرات، لا سيما بعدما اكتُشف مخطوط أكسفورد وراح الفيلولوجيون والمؤرخون يشتغلون عليه؟ بل لماذا حدث أن الكاتب النهضوي الإيطالي آريوستو سبق جيرانه الفرنسيين إلى تحويل الحكاية إلى نص كتبه بالإيطالية الجديدة وعُرف في العالم أجمع بوصفه من أول وأجمل النصوص الأدبية الإيطالية تحت عنوان “أورلاندو غاضباً” (أورلاندو فوريوزو)؟ وكيف حوّل كثر من الموسيقيين والمسرحيين نص “الأنشودة” إلى أوبرات ومسرحيات حتى قبل أن يتنبّه الفرنسيون أنفسهم إليها ويمعنون في تبنّيها والاشتغال عليها خلال القرنين الماضيين؟ تنافس مع “عذراء أورليان” أسئلة ليس من السهل الإجابة عنها بشكل جازم. لكن المؤكد، في المقابل، هو أن “أنشودة رولان” عرفت منذ “أعيد اكتشافها”، لا سيما منذ ترجمها جوزف فابر إلى الفرنسية الحديثة عند بدايات القرن العشرين، كيف تنافس حكاية جان دارك في عالم استثارة البطولات الفرنسية، إلى حد يُنظر معه عادة إلى حكاية “عذراء أورليان” بوصفها ملحمة فرنسا الكاثوليكية، فيما يُنظر إلى “أنشودة رولان” بوصفها مأثرة عسكرية كانت العادة جرت على أن يتعلم الجنود الفرنسيون تردادها وهم يتوجهون إلى خوض المعارك، لا سيما خارج البلاد. ففي نهاية الأمر، تتحدث تلك الأنشودة عن شيء من ذلك القبيل انطلاقاً من موقف هجومي بطولي، حتى إن كانت الهزيمة مآل القوات العسكرية فيها. فيما نعرف أن حكاية جان دارك، تنطلق من حسّ دفاعي ضد الإنجليز الغازين فرنسا الذين تمكّنت جان دارك من صدّهم ليكون الحرق على يد أبناء جلدتها من نصيبها. قواعد للملاحم المثالية مهما يكن من أمر، ثمة هنا أمر مشترك بين الحكايتين يتعلق بموت البطل/ البطلة، وفي الحالين ظُلما بالطبع. بيد أننا لن نتوقف طويلاً عند هذا الأمر هنا، فهو ليس موضوعنا. موضوعنا هو رولان نفسه الذي نعرف منذ البداية أنه ابن أخ الملك شارلمان الذي كان يقرّبه كثيراً إليه، ما استثار غيرة الوزير غانيلون وغيظه، فما كان منه إلا أن اتصل بالأعداء جنوب البلاد- سواء كانوا باسكيين أو سارازانيين- كاشفاً لهم عن تحركات رولان وجنوده المتوجهين إلى قتالهم دفاعاً عن فرنسا ووحدة أراضيها. ولكن، قبل ذلك، وبحسب الترجمات الحديثة للأنشودة، كان لا بد من حكاية غرام يعيشها البطل فتترك لديه دافعاً إضافياً في القتال والرغبة بالوصول إلى أسمى درجات المجد، قبل أن تترك لدى الحبيبة أعلى درجات الحزن والألم كما ينبغي للأمور أن تكون. ولئن كانت هذه الحكاية تبدو مجتزأة وغامضة في مخطوط أكسفورد، بل حتى في عدد من المخطوطات التي راحت تُكتشف من بعدها، فإن مترجمي الأنشودة اللاحقين، لا سيما جوزف فابر جعلوا لهذه الأخيرة نوعاً من مقدمة تحكي حكاية الغرام، مؤكدة أن الحبيبة التي يتعرف إليها رولان قبل توجهه إلى إسبانيا إنما هي ابنة شقيقة إقطاعي كبير تمرّد على الملك شارلمان فتوجه رولان بجيوشه لتأديبه. وهناك خلال حصار قلعة هذا المتمرد، يخوض رولان معركة فردية ضد ابن أخت المتمرد تنتهي بتعادلهما وارتباطهما بصداقة يتوّجها ارتباط البطل بابنة أخت المتمرد وشقيقة غريمه المتحول صديقاً ومناصراً له… كل هذا هو ما يصنع هذه الحكاية التي تحتوي في نهاية الأمر على مجمل العناصر التي اعتادت أن تكوّن هذا النوع من الأدب الشعبي وتسهم عادة في تمتين اللحمة بين أبناء شعب يقتات من تاريخه ومن بطولاته، لكنه يعرف، كما يفيدنا الكاتب الأرجنتيني بورخيس على هامش نص رائع له عنوانه “موضوعة الخائن والبطل” بأن كل نص بطولي يريد أن يسلك دربه في حياة شعب ما ووجدانه لا بد من أن تطبعه ثلاثة عناصر لا فكاك في ما بينها: البطولة والخيانة والموت، من دون أن ننسى العنصر الأساسي الذي يحيط بالعناصر الثلاثة معاً ويعطيها مذاقها الإنساني العذب: الحب. في انتظار مزيد وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن “أنشودة رولان” تكاد تكون خطيّة في اتباعها تلك القوانين، حتى إن كانت تقل طولاً عن غيرها من ملاحم الشعوب البطولية المماثلة. فالنص النهائي الذي استقرت عليه لا يزيد على أربعة آلاف بيت من الشعر، حتى إن كانت هناك نسخ متداولة قد يصل طول الواحدة منها إلى نحو تسعة آلاف بيت، ويبدو هذا قليلاً جداً بالمقارنة مع “الإلياذة” و”الأوديسة” الإغريقيتين أو “الإنيادة” اللاتينية أو، طبعاً، ملحمتي الهند الكبيرتين “المهابهاراتا” و”الرامايانا“. ولعل هذا ما جعل عدداً من الباحثين يرى أن “أنشودة رولان” ربما كانت في الأصل تشكل جزءًا من عمل أكثر اتساعاً بكثير ضاعت أجزاء أساسية منه، فبقي ما راح يتداوله الشعراء الجوالون بين منطقة وأخرى من فرنسا، وهو ما وصل إلينا في نهاية الأمر. وعلى غرابة هذه الفرضية، ثمة احتمالات جدية كما يرى الباحثون في أن مزيداً من البحث والعمل الدؤوبين قد يكون من شأنهما يوماً أن يمكّنا فرنسا من اكتشاف مزيد من أجزاء هذه الأنشودة بحيث تتحول حقاً إلى “ملحمة”، ما من شأنه أن ينسف تلك الفكرة المتداولة التي نعت على فرنسا دائماً كونها لا تحب الملاحم. المزيد عن: فرنسا\أنشودة رولان\جان دارك\بورخيس\الإلياذة\ملحمة الأوديسة\الإنيادة 64 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post حوار نادر حول حقوق الإنسان بين السعودية والاتحاد الأوروبي next post تجارة الجنس تفقد نشوتها في “أمستردام الحمراء” You may also like ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ