مسرحية _أنتيغون_ لسووفوكليس على الخشبة اللبنانية (خدمة الفرقة) ثقافة و فنون “تقبرني” تلبنن “أنتيغون” في عرض كوميدي طريف by admin 21 يوليو، 2026 written by admin 21 يوليو، 2026 21 المأساة الإغريقية تغرق في دوامة تراجيديا الزمن اللبناني المعاصر اندبندنت عربية / كاتيا الطويل @katiatawil يلاحظ جمهور هذا العمل المسرحيّ (إخراج إدمون حدّاد بالتعاون مع إيلي نجيم، كتابة إدمون حدّاد وعمر ليزا ونور حجّار وتمثيلهم. يشاركهم التمثيل ريم مروّة وجوزيف زيتوني ومحمّد بعلبكي) أنّ المفاجآت تبدأ قبل بدء العرض. العنوان نفسه مختار بدهاء وحنكة. فالعنوان “تقبرني” هو باللبنانيّة العامّيّة عبارة للتحبّب تعني أنّ القائل يودّ لو يموت قبل المحبوب لشدّة تعلّقه به. لكنّ اللعبة الدراميّة الموجودة في هذا العرض تحوّل العبارة المعنويّة البلاغيّة النابعة من مشاعر حبّ وتفانٍ إلى عبارة حقيقيّة معناها حرفيّ، لكون العرض يرتبط بقصّة البطلة أنتيغون التي تعارض أوامر الملك و”تقبر” جثّة شقيقها بعدما منع الملك أحداً من رعيّته من دفنها. تقول الميثولوجيا الإغريقيّة إنّ الملك أوديب الذي قتل والده وتزوّج من والدته، من دون أن يعلم حقيقة هويّتهما، أنجب أربعة أولاد ملعونين قبل أن يفقأ عينيه ويهيم على وجه الأرض تائهاً منبوذاً، وذلك بحسب سوفوكليس (توفّي عام 405 قبل المسيح) أحد أعظم الكتّاب الإغريق الثلاثة مع إسخيليوس وأروبيديس. أمّا أولاد هذا الملك الأربعة فهم: إيتيوكليس وبولينيس وأنتيغون وإسمين. يلعن أوديب ولديه ويحكم عليهما بأن يتقاتلا ويموت واحدهما على يد الآخر. لكنّ ما لم يتوقّعه الملك الحكيم أن يصبح خال الأولاد هو الملك من بعده ويمنع الناس من دفن جثّة الابن الأصغر بولينيس لما قام به من تمرّد وخيانة وحروب أودت بحياة كثر من شباب المملكة. الصراع الدرامي (خدمة الفرقة) ولمّا كانت أنتيغون امرأة قويّة حازمة مدافعة عن الحقّ والعدل والخير، ترفض أن تنصاع لأوامر الملك وتقرّر دفن شقيقها على رغم كلّ ما سيترتّب على ذلك الدفن من عواقب وعقوبات. من هنا عنوان المسرحيّة “تقبرني”. ولا تنتهي غرائبيّة هذا العرض عند العنوان، على العكس. فالعرض يبدأ منذ مدخل المسرح بوجود جثّة ملقاة على الطريق بأسلوب فنّيّ استعراضيّ جميل. يتفاجأ الجمهور وهو في طريقه لدخول المسرح بوجود جثّة مكفّنة ملقاة في وسط الطريق وغير مدفونة. هي طبعاً جثّة الشقيق الأصغر التي ستدفنها أنتيغون في العرض وستفتح عليها أبواب الجحيم. لكنّ المسألة لا تنتهي هنا. فيدخل الممثّل البارع جوزيف زيتوني بهو الانتظار ويدعو الجمهور إلى دخول قاعة المسرح بكلّ حرفيّة وأناقة متقناً أداء دوره كراوٍ عليم يدرك كيف ستتحرّك عجلة القدر والتراجيديا. يحضّر زيتوني الجمهور بخطابه الصغير في بهو الانتظار إلى ساعة وربع من الضحك والسرياليّة والمزج الغريب بين الإغريقيّة واللبنانيّة والتدمير لكليشيهاتهما كليهما معاً. موقف تراجيدي ساخر يكتشف الجمهور مع بدء العرض وتطوّر قصّة أنتيغون التي تريد أن تدفن جثّة شقيقها على رغم رفض الملك وأوامره، تميّز النصّ بما فيه به من مزج ساخر ومضحك وذكيّ بين الإغريقيّ التراجيديّ القديم واللبنانيّ الاجتماعيّ-السياسيّ المعاصر. يقع الجمهور على نصّ زاخر بالنكات و”اللطشات” والمبالغات الدراميّة التي تدمّر الكليشيهات المتعارف عليها في التمثيل والأداء، وتنقل الجمهور إلى فضاء الغريب واللامتوقّع. الحدث الإغريقي في المسرح (خدمة الفرقة) يتميّز الممثّلون بأدائهم الجميل والجذل والخفيف. فيتفاجأ المتفرّج بموهبة كلّ من نور حجّار وعمر ليزا اللذين اعتاد رؤيتهما على الخشبة ليقدّما عروض stand up comedy. يكتشف المتفرّج في حجّار وليزا موهبة جميلة فذّة وقدرة على تقمّص الأدوار المنوطة بهما بسخرية وتقنيّة عالية. كذلك يقدّم كلّ من إدمون حدّاد ومحمّد بعلبكي أداء جميلاً لطيفاً فيه كثير من المتانة والمواءمة بين الواقع اللبنانيّ والقصّة الأصليّة لأسطورة أنتيغون. ليبقى جوزيف زيتوني الراوي والإنفلونسر والمقدّم والـDJ، وكلّ الأدوار التي ترفع العرض وتسهم في تقدّمه وتطوّره. يسبغ زيتوني بخفّته ومهارته الكثير من عوامل الإضحاك والتشويق. يحطّم هؤلاء الممثّلون بأدائهم طرق التمثيل القديمة المتعارف عليها التي فيها الكثير من المبالغات غير الضروريّة وهو ما يضفي مزيداً من السخرية على العمل. فالسخرية ليست نتيجة النصّ المكتوب وحده بل هي أيضاً ناتجة من الأداء الطريف على الخشبة. المرأة في المواجهة (خدمة الفرقة) ليبقى دور أنتيغون الذي تؤدّيه ريم مروّة في نهاية العرض الدور الوحيد الذي تمّت تأديته بمهارة عالية من دون أن يكون نصّه بقوّة سائر الحوارات. يقع كاتب النصّ في آخره في فخّ الوعظ والإطالة على رغم كلّ ما تمّ تهشيمه من كليشيهات ومشاهد مستهلكة وتقليديّة. إنّ عمليّة لبننة قصّة أنتيغون سارت بصورة سرياليّة جميلة طيلة العرض ما عدا زلّة النهاية التي كان من الممكن تلافيها عبر إنهاء المسرحيّة بصورة أقوى وأجمل. أمّا الديكور فيمنح النصّ والأداء الكثير من القوّة بما فيه من مزج بين الإغريقيّ (العواميد والحجارة والعودات إلى الفضاء الإغريقيّ في الملابس والأزياء) واللبنانيّ (البثّ المباشر، التكنولوجيا الموظّفة، أسماء المناطق، مشكلات المجتمع، إلخ). يمزج صنّاع هذا العمل بين الميثولوجيا الإغريقيّة والواقع اللبنانيّ بكوميديا عالية تحوّل النصّ التراجيديّ إلى ساعة وربع من الملهاة الغريبة. اقرأ المزيد مسرحية “حبيبتي” تحاول إرجاع الحب إلى الحياة الزوجية “غودو” بيكيت يأتي جريحا في مسرحية سورية كابوسية إنّ متابعي المشهد المسرحيّ اللبنانيّ لا يمكن إلاّ أن يقوموا بمقاربة بين هذا العمل “تقبرني”، وعمل آخر يحمل الخصائص نفسها وهو عرض “أبو الزوس” للينا خوري التي تلبنن فيه التراجيديا الإغريقيّة وتكسر المتعارف عليه والمتوقّع وتقدّم عرضاً ساخراً يشبه هذا العرض في الكثير من لغته وعناصر السخرية والإضحاك الموجودة فيه. يتقاطع العملان في نقاط كثيرة من ناحية الملابس والديكور والحوارات واللغة واللبننة الساخرة ويتشاركان في إيراد الكثير من عناصر الواقع اللبنانيّ المعاصر الممزوجة بالعودة إلى التراجيدية الإغريقيّة وزمن الميثولوجيا والآلهة. إنّما لا ينفي هذا التقارب تميّز كلّ عمل بنكاته وسخريته وأسلوبه وفضائه الدراميّ. “تقبرني” مسرحيّة إغريقيّة ملبننة فيها النصّ الغريب والأداء البارع والديكور الذي يحمل الجمهور إلى ما قبل ألفي عام ثم يعود فيهبط به في متاهات القرن الـ21. بين معاني الحقّ والصواب التي تدافع عنها أنتيغون، ومعاني الأخوّة والروابط الوثيقة التي تتحوّل فجأة إلى سبب وجيه للموت، والحروب التي تجبر الأشقّاء على الاقتتال والتي تتجلّى عبثيّتها فجأة، “تقبرني” مسرحيّة لبنانيّة كوميديّة فاضحة أكثر منها إعادة كتابة لتراجيديا إغريقيّة قديمة. المزيد عن: مسرحية لبنانية نص إغريقي أنتيغون إقتباس تراجي – كوميديا الواقع الراهن المأساة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post علاج بديل يضاهي الأشعة في مكافحة سرطان البروستاتا next post إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “عاصفة” روسية في مسرح النرويجي إبسن You may also like إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “عاصفة” روسية في... 21 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: استنطاق مجهولي لوحة... 21 يوليو، 2026 “غودو” بيكيت يأتي جريحا في مسرحية سورية كابوسية 21 يوليو، 2026 التاريخ والأسطورة… سر حضور روايات أسامة الشاذلي 21 يوليو، 2026 هاني شنودة… المختلف موسيقيا 21 يوليو، 2026 الذاكرة السينمائية تستعيد أفندي الخمسينيات في العراق 20 يوليو، 2026 رحيل الموسيقار المصري هاني شنودة… مُكتشف النجوم ورائد... 20 يوليو، 2026 على خُطى «فلوبير»… في أحضان منطقة الـ«نورماندي» 19 يوليو، 2026 “الملاح”يصل إلى ضفاف اللايقين في رواية إيطالية 19 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: “متروبوليس” مغامرة سينمائية بين... 19 يوليو، 2026