مونتيسكيو (شارل - لويس دي سيكوندا) (غيتي)مونتيسكيو (شارل - لويس دي سيكوندا) (غيتي) ثقافة و فنون مونتسكيو يسخر من أحوال بلاده بـ”رسائل فارسية” by admin 21 مايو، 2026 written by admin 21 مايو، 2026 14 جاء الفيلسوف الفرنسي بسائحين من بلاد الفرس ليصفا أوضاع العيش في بلاده ولتصوير الفوارق بين الحضارات ومعضلات الحياة اندبندنت عربية/ إبراهيم العريس باحث وكاتب هو الأول بالتأكيد في الحياة الأدبية الفكرية الفرنسية الذي يمكن أن ينطبق عليه ما وصف به الفيلسوف الأديب العربي أبو حيان التوحيدي من أنه أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، لكنه كذلك، وإن لم يكن الروائي الأول الذي ابتكر النوع المسمى “رواية الرسائل”، فإنه صاحب واحدة من الروايات الكبرى الأولى في تاريخ الأدب الفرنسي، التي تقوم على الرسائل. هو بالطبع مونتيسكيو، والرواية هي “رسائل فارسية”، التي يصعب على المرء للوهلة الأولى أن يصدق أنها رواية، حتى ولو أن معظم طبعاتها تحمل هذا التعريف بعد العنوان مباشرة. وطبعاً فإن الرسائل ولو وصفت في العنوان بكونها فارسية، هي رسائل كتبت بالفرنسية، وبفرنسية شديدة الأناقة تفي غرض كاتبها منها، أي أنها تصف الحياة الفرنسية في مختلف جوانبها وثناياها، ولا سيما الأحداث السياسية التي تزامنت مع تلك الزيارة التي يفترض أن يكون قد قام بها سائحان فارسيان إلى بلاد الفرنسيس في الزمن الذي عاش فيه الكاتب نفسه، وأراد بالطبع أن يستخدم ذلك النوع الأدبي لكي يصف هو أصلاً الأحوال في بلاده وكأنها – أي الأحوال – توصف وبالتفاصيل من السائحين معبرة أحياناً عن واسع اطلاعهما، وأحياناً عن ردود فعلهما الغاضبة أو الراضية، وفي معظم الأحيان عن نوع من المقارنة بين ما يعايشانه في بلاد “الكفار” تلك، وما يعرفانه من أحوال بلدهما الفارسي. لوحة مستوحاة من “الرسائل الفارسية” (موسوعة الفن الكلاسيكي) نظرات نقدية بالواسطة تبدأ رواية مونتيسكيو إذاً مع السائحين الفارسيين أوزبك وريكا اللذين يصلان لسبب ما إلى فرنسا، حيث يزمعان البقاء والتجوال خلال عدد من السنين. وهما خلال تلك المرحلة لا يتوقفان عن إرسال المكاتيب بانتظام إلى معارفهما وأهلهما في الديار البعيدة يرويان لهم فيها مشاهداتهما، ولكن بنظرة ناقدة حافلة بشتى أنواع المقارنات بين ما يشاهدانه هنا وما عاشاه ويعرفانه في بلادهما الأصلية. وغالباً ما تأتي المقارنات لصالح بلادهما الخاصة، كما أن كثيراً مما يشاهدانه في فرنسا يبدو مثيراً لدهشتهما، ومنه بصورة خاصة تلك الغرابة التي يستشعرانها في هذه البلاد وعادات أهلها التي غالباً ما تبدو لهما مستهجنة. ونعرف نحن على أية حال أن النظرة الحقيقية التي تلقى في هذه الرواية، عبر رسائل الفارسيين، إنما هي نظرة الكاتب الفرنسي نفسه. وحتى إذا ما بدرت منه في بعض الأحيان ردود فعل قد تثير حيرة قارئه الفرنسي – والكتاب موجه أصلاً إلى القارئ الفرنسي وما نظرة الغريبين إلى ما يحدث ويرى في هذا البلد سوى نظرة مونتيسكيو نفسه بالطبع -، فهذا الكاتب التنويري إنما وجد في استعارة نظرة المسلم إلى ما يحدث في بلده، إنما شاء في الحقيقة أن يطلع مواطنيه عن الضرر الكامن في الكيفية التي يغمضون بها أعينهم عما يعيشون غير قادرين على توجيه أي نقد لما يحدث من حولهم. ولعلنا قادرون على تلمس هذا البعد بأعلى مستوياته، في واحدة من الرسائل التي تمس قدس أقداس مسألة الحكم في فرنسا في ذلك الزمن، وذلك حين تصل إحدى الرسائل المبكرة إلى الحديث عن ملك البلاد، وانطلاقاً منه إلى الحديث عن الملك الذي يراه كاتب الرسالة ملكاً أعلى من الملك نفسه. طبعة مبكرة من كتاب “رسائل فارسية” (أمازون) من ساحر إلى آخر ففي تلك الرسالة، التي بسببها، منع الكتاب من التداول لسنوات في فرنسا نفسها، يخبر السائح الفارسي مكاتبيه في بلده الأصلي عن نظرته إلى أحوال الحكم في فرنسا فيقول لهم على سبيل المثال “لا ريب أن ملك فرنسا هو الأقوى بين أمراء أوروبا جميعهم، صحيح أنه لا يمتلك ما يضاهي تلك المناجم الذهبية التي يملكها جاره، ملك إسبانيا، لكنه يفوقه ثراء بالنظر إلى أنه إنما يستمد ثروته من كبرياء رعاياه، الكبرياء التي تدوم أكثر مما تفعل المناجم. لقد رأيناه يشن أو يساند حروباً كبيرة، من دون أن يكون لديه مما يمكن بيعه لتمويلها، سوى ألقاب النبالة والأوسمة وما شابه ذلك. أما مكافآت جنوده ونفقات قواته وقلاعه، ومصاريف أساطيله، فيدفعها بعملة معنوية هي الكرامة الإنسانية. والحال أن هذا الملك ساحر جبار يمارس سلطته حتى على عقول مواطنيه، بجعلهم يفكرون كما يريدهم أن يفكروا. فهو إذاً كان لا يملك سوى مليون إيكو، ويحتاج إلى مليونين، يمكنه أن يجعلهم يعتقدون أن لديه مليونين وأكثر لمجرد أن يقنهعم بأن الإيكو الواحد لديه يساوي اثنين، وهم يصدقونه. وهو لئن كان في حاجة إلى خوض حرب ما ولا يملك نفقاتها، يمكنه أن يخبرهم أن الورقة تساوي وزنها من النقود لأنها من فضة. وهم يقتنعون على الفور، بل أنه يصل إلى حد إقناعهم بأنه قادر على شفائهم من كل الأمراض التي تصيبهم بلمسة من يده، ما دام أن قوة سلطانه عليهم لا حدود لها، والحال أن ما أخبرك به عن هذا الأمير لا يجب أن يدهشك. ففي الواقع، هناك ساحر أكبر منه وأقدر على امتلاك العقول والأرواح. وهذا الساحر الآخر يسمونه البابا، وهو القادر أحياناً على جعل الرعايا يصدقون أن الثلاثة ليست سوى واحد في حقيقة أمرها، وأن الخبز الذي يطعمون ليس خبزاً، والخمر الذي يشربون، ليس خمراً، وألف أمر آخر من هذا القبيل”. اقرأ المزيد مونتسكيو يخرق صرامة “روح الشرائع” بكتابة لئيمة ساخرة نظرات يلقيها هنري جيمس على الأدب الفرنسي ردا للجميل خلف قناع الغريب المستغرب إذاً، في هذا النص المبالغ في جديته كما في غرابته وقدرته على إمتاع القارئ، يضع مونتيسكيو (1689 – 1755) على محياه وفي خلفية قلمه قناع الشرقي المسلم، لكي يقدم لمواطنيه صورة حقيقية قد تكون كاريكاتورية لكنها لا تبتعد من الحقيقة، من المجتمع الذي يعيشون فيه في زمنه، وهو تقريباً نفس ما تفعله تلك الكتب المعروفة باليوتوبيات (المدن الفاضلة)، في لعبة تنويرية واضحة. وفي طريقه يمعن الكاتب في سخريته المدروسة بعناية، من تلك الخرافات التي تستخدم لخداع المواطنين وجعلهم يقبلون بما يعجز حتى السيف عن إرغامهم على القبول به، ولا سيما عبر تلك الاحتفالات غير المجدية والمبالغات السلطوية. ولعل أفضل ما وصف به هذا الكتاب الذي بعدما كان في زمنه ممنوعاً، وها هو اليوم يدرس في المدارس الثانوية كجزء من الأفكار التي أسست فرنسا الحديثة، أفضل ما وصف به أنه يأخذ بيد قارئه ليساعده في “اكتشاف ماض قريب وبعيد في الوقت نفسه، ويريه واحدة من أعظم النجاحات في مجال خلق تلك النظرة النقدية، التي ميزت عصر التنوير، أسهم الفكر من خلالها في بناء العالم الجديد خير بناء”. المزيد عن: أبو حيان التوحيدي الأدب الفرنسي رواية الرسائل مونتيسكيو رسائل فارسية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post كندا ستنفق 1,07 مليار دولار لاستضافة 13 من مباريات بطولة كأس العالم next post زفياغينتسف الذي أنهكه “كورونا” يعود بقوة إلى كان You may also like عبده وازن يكتب عن: كتاب “تفسير الأحلام” ليس... 21 مايو، 2026 التنوير الفائق أو كيف يستخدم الإنسان فكره بحكمة 21 مايو، 2026 زفياغينتسف الذي أنهكه “كورونا” يعود بقوة إلى كان 21 مايو، 2026 “فيورد” يكشف طغيان الأيديولوجيا على الطفولة في كان 21 مايو، 2026 “الاستشراف الأدبي” أو حين يسبق الخيال الواقع بأشواط 21 مايو، 2026 وداد بنموسى ترسم السماء بوصفها حالة نفسية 21 مايو، 2026 حانات ستين تنافس بيوت مواطنه الهولندي فيرمير 21 مايو، 2026 «إلباييس» و«لا ريبوبليكا»… مسيرة نصف قرن 20 مايو، 2026 الموت يغيّب رائد الصحافة السعودية محمد علي حافظ 20 مايو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: تقاسيم نباتية أموية 20 مايو، 2026