جوزف كونراد (1857 - 1924) (غيتي) ثقافة و فنون بين كونراد وفلوبير و”أحلام” الاستعماري المجهضة by admin 8 مايو، 2026 written by admin 8 مايو، 2026 21 عندما جابه الروائي البولندي في روايته “جنون الماير” عقلية المحتلين الأوروبيين في رواية تليق بالأوبرا الهزلية اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب حتى وإن كانت أرقام المبيعات خصوصا في لغتها الإنجليزية الأصلية بالإضافة إلى لغات عالمية أخرى تبدو فصيحة في تحديد مقروئية لا بأس بها لرواية الكاتب باللغة الإنجليزية، البولندي الأصل، جوزف كونراد، فإنه لا أحد ينظر إلى رواية “جنون الماير” هذه باعتبارها واحدة من الأعمال الكبيرة التي خلفها صاحب “في قلب الظلمات” أو “لورد جيم” أو “نوسترومو” أو غير هذه من الشوامخ الروائية، وفي الأقل في أدب المغامرات كما ظهر عند المساحة الزمنية الفاصلة بين القرنين الـ19 والـ20، مطعماً بنظرات قد يمكننا اليوم وصفها بما بعد الكولونيالية، وإن كان هذا المصطلح لن يظهر إلا لاحقاً. بل إن هناك من أبدى من الاستصغار في شأن “جنون الماير” إلى درجة القول إن موضوعها قد يصلح لأن يكون حبكة أوبرا هزلية من طينة “تركي في الجزائر” وأشياء من هذا القبيل. وهو، كما يمكننا أن نفترض توصيف يتعلق بكون النصوص التي تشتغل تلك الأوبرات استناداً إليها، لا تكون ذات أهمية على الإطلاق. والحقيقة أن هذا الحكم بقي سارياً على هذه الرواية الكونرادية حتى اليوم الذي قام فيه عدد من النقاد والمحللين بإعطاء الحق لجوزف كونراد في قوله إنه إنما كتب هذه الرواية تيمناً برواية “أستاذي الكبير الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير، “مدام بوفاري”. والحقيقة أنه لئن كان بعضهم قد سخر من هذا القول أول الأمر، فإن كثراً منهم سرعان ما راجعوا أنفسهم مستكشفين حقاً وجود تلك العلاقة بين رواية فلوبير ورواية كونراد. وكان أن تبدلت النظرة إلى هذه الأخيرة ولو في وقت كان فيه مبدعه قد فارق عالمنا فلم يحظ بشرف أن يعتبر خليفة للكاتب الفرنسي الكبير، في هذا السياق في الأقل! إيما بوفاري في رسم مستوحى من رواية فلوبير (موسوعة الفن الكلاسيكي) الحلم كقوة تدمير والحقيقة أننا نجد بدورنا هنا أن لا مناص من تبني تلك النظرة، متسائلين مع نقاد تبنوها من قبلنا، عن وجوه التشابه بين روايتين بالكاد يمكن للوهلة الأولى إدراك ما بينهما من تشابه. وللوصول إلى هذا لا شك أن اللجوء إلى “تفكيك” رواية كونراد سيساعدنا في تلمس ما في خلفية تأكيدات ذلك الروائي الذي بدا في بداية الأمر أنه يلقي أحكامه كيفما اتفق، لمجرد الترويج لرواية تفصلها عن أشهر الروايات الفرنسية، سنوات ضوئية. والحقيقة أن في مقدورنا الانطلاق هنا من التأكيد أنه، حين أشار جوزف كونراد إلى وجود صلة تأثر بين روايته “جنون الماير” وعمل أستاذه، الروحي في الأقل، غوستاف فلوبير، “مدام بوفاري”، لم يكن يقصد تشابه في الحكاية أو حتى في البناء الظاهري، بقدر ما كان ينوه بوجود قرابة أعمق بين العملين، قرابة في الرؤية إلى الوهم الإنساني وفي الطريقة الفنية التي تبنى بها المأساة من داخل النفس لا من خارجها. ففي “مدام بوفاري”، وتبعاً للنقاش الأكثر جدية، يرسم فلوبير شخصية إيما بوفاري بوصفها كائناً محكوماً بالأحلام: إنها امرأة تشربت الأدب الرومانسي فباتت عاجزة عن التأقلم مع واقعها الريفي البسيط. وفي هذا المعنى لا تأتي مأساة إيما من حدث خارجي استثنائي، بل “من التمزق بين خيال متضخم وعالم محدود”. ومن هنا فإن فلوبير، بأسلوبه الدقيق والبارد ظاهرياً، يجعل القارئ يرى كيف يتسلل الوهم إلى تفاصيل الحياة اليومية، وكيف يتحول الحلم إلى قوة تدمير بطيئة”. اقرأ المزيد تأملات كونراد الفلسفية الغاضبة في جريمة الاستعمار الكبرى فلوبير الشاب يكتب “سيرة مواربة لأمه” كامرأة لامبالية بين أوروبا والشرق عند كونراد، في هذه الرواية التي تدور أحداثها، كما حال معظم نصوص هذا الكاتب الكبرى، في الشرق بالمعنى العريض للكلمة، أي في المناطق الخاضعة للاستعمار الأوروبي، نجد صدى البناء الذي يرسمه فلوبير في ذلك السياق المختلف، في المستعمرات الشرقية كبديل للريف الفرنسي. فلدينا هنا شخصية التاجر الأوروبي الهولندي الأصل، الماير الذي يعيش في الملايو، بورنيو، كهولندي أوروبي وحيد بين طائفتين يشكل أبناؤهما سكان المنطقة الأصليين، الماليزيين والعرب المسلمين. وهو هناك، بين الفئتين يحلم بالثروة والمجد وبعلو الشأن معتمداً أول الأمر على زواجه من ابنة قرصان ثري سرعان ما تضيع أموالها ويفقد أبوها مكانته، وتبدأ هي بالشعور بالكراهية إزاء زوج انكشفت لها تطلعاته، بينما هو من ناحيته نقل حبه وطموحاته إلى ابنته التي سرعان ما تكتشف هي الأخرى حقيقته وتبدأ بالتمرد عليه حتى يتحول الصراع ولعبة الكر والفر بينه وبين آماله، إلى صراع يخوضه ضدها ولكن أيضاً، ومن دون أن يتنبه أول الأمر، ضد حبيبها الذي اصطفاه مساعداً له ورفيقاً، غير دار بأنه يقف كلياً، في صف حبيبته الابنة وليس في صفه. والحقيقة أن لعبة الرواية، وخارج أبعاد المغامرة التي تحملها، التي ستكون هي، إضافة إلى تلك الحبكة، الموضوع الذي جعل نقاداً ومؤرخين يتحدثون عن “جنون الماير” حديثهم عن حبكة تصلح للتحول إلى أوبرا ذات أجواء شرقية وما شابه ذلك، نظرة سيكون كونراد كما نوهنا، أول من يسعى إلى نسفها، مضفياً على روايته أبعاداً أكثر جدية بكثير! من إيما إلى الماير إذاً، في مقابل شخصية إيما التي تدفع غالياً، لدى فلوبير، ثمن أحلامها المستحيلة، لدينا في رواية جوزف كونراد، شخصية الهولندي الحالم الذي يعيش في الملايو عزلة لا تقل هولاً عن عزلة إيما في ريفها الفرنسي، ويحلق عبر أحلام لا تقل قوة، ولكن استحالة أيضاً، عن أحلام “المدام” الفرنسية المتمردة. والحال أن الماير هو حالم بدوه ومن طينة إيما بوفاري، لكنه بالطبع لا يحلم بالحب الرومانسي، بل بالثورة والمجد والمكانة الاجتماعية. إنه يعيش على وهم “الضربة الكبرى” التي يرى أن ما غيرها سينقل حياته من الفشل بأقصى درجاته، إلى النجاح بأنصع تجلياته. وهكذا “كما كانت إيما بوفاري أسيرة قراءاتها، يبدو الماير أسير خياله الاستعماري الاستشراقي: إنه يبدو وكأنما أعادت صياغته فكرة التفوق الأوروبي، وإمكان السيطرة على عالم غريب عنه، ويخيل إليه أن في إمكانه أن يفعل ذلك لمجرد أن تداعبه أحلامه”. ومن الواضح أن تأثر كونراد بفلوبير، يظهر أول ما يظهر من خلال فكرة الوهم الذي سرعان ما يضحي محركاً درامياً للأحداث. ومن هنا ما نلاحظ مع النقاد من أن إيما والماير لا ينهاران، كل من جانبه، بفعل قوى خارجية مباشرة، بل لأنهما يصران على رؤية العالم كما يرغبانه أن يكون، لا كما هو بالفعل. صحيح أن الوهم لدى فلوبير فردي عاطفي وعند كونراد عاطفي أيضاً، لكنه لدى هذا الأخير متشابك مع سياق تاريخي يمثله الاستعمار الذي دائماً ما أبدى كونراد معارضته بل كراهيته له، وهو ما يمنح الرواية على أية حال بعداً سياسياً إضافياً قد لا يكون افتئاتاً عليه أن نعتبره تمييزاً لكونراد عن فلوبير بالمعنى الأخلاقي للكلمة. ويقيناً أن هذا البعد الأخير الذي لم يعشه الكاتب البولندي الأصل في حياته، مع أنه كان يعول عليه كثيراً كي يزين تلك الحياة ويعطيها أبعاداً إنسانية ترضيه وترضي الخاصة، كان من شأنه لو أنه انكشف باكراً، ولا سيما في “جنون الماير” التي أصدرها في عام 1895، أن يعني له الكثير بالتأكيد. المزيد عن: جوزف كونراد رواية جنون الماير أدب المغامرات غوستاف فلوبير مدام بوفاري أوروبا والشرق 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “خارج الدائرة” دراما بريطانية عن طائفة مسيحية منعزلة next post عبده وازن يكتب عن: “يوميات” الروائي محمد طلوعي تحت القصف في طهران You may also like عبده وازن يكتب عن: “يوميات” الروائي محمد طلوعي... 8 مايو، 2026 “خارج الدائرة” دراما بريطانية عن طائفة مسيحية منعزلة 8 مايو، 2026 “بيكي بلايندرز: الرجل الخالد” وسقوط أسطورة تومي شيلبي 7 مايو، 2026 “150 مليونا”… عندما انتحر ماياكوفسكي بقصيدته 7 مايو، 2026 مسعود إدريس حارس الذاكرة المسرحية في تونس 7 مايو، 2026 دينامية التقارب واللاعنف في مواجهة الطائفية في لبنان 7 مايو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: عُمّال في لوحة من... 6 مايو، 2026 شوقي بزيع يكتب عن: أرز لبنان الذي تغنى... 6 مايو، 2026 النزعة الانسانية لدى 3 نهضويين أوروبين: مونتاني يكتشف... 6 مايو، 2026 هل تستطيع الفلسفة أن تعالج اضطراباتنا العصرية؟ 6 مايو، 2026