مسعود إدريس ذاكرة المسرح التونسي (صفحة الكاتب - فيسبوك) ثقافة و فنون مسعود إدريس حارس الذاكرة المسرحية في تونس by admin 7 مايو، 2026 written by admin 7 مايو، 2026 13 جمع بين البعد الأكاديمي والمسار العملي وأسس مشروعاً ثقافياً شاملاً اندبندنت عربية / محمد عربي كاتب تونسي رحل مسعود إدريس بعد معاناة مع المرض، تاركاً خلفه فراغاً لا يقاس فقط بحجم ما كتب، بل بنوع الأسئلة التي كان يزرعها في جسد المسرح التونسي. ونعت وزارة الشؤون الثقافية الفقيد، مستعيدة مساره داخل مؤسساتها، من مستشار لوزير الثقافة إلى مدير عام للفنون المسرحية والسمعية البصرية. ونعاه المسرحيون ورفاق الخشبة، لا بوصفه موظفاً ثقافياً، بل شاهداً عميقاً على تحولات المسرح، وواحداً من القلائل الذين كتبوا تاريخه بصبر الباحث وحساسية العارف. في خدمة المسرح ولد محمد مسعود إدريس في تونس عام 1953، في جيل كان المسرح فيه يبحث عن ملامحه بين التقاليد المحلية والتأثيرات الحديثة. اختار منذ البداية أن يسلك طريق المعرفة، فتخرج في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1977، قبل أن يواصل دراسته في باريس، حيث تحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون عام 1980، ثم نال التأهيل الجامعي لاحقاً عام 1999، في مسار يعكس تكويناً أكاديمياً عابراً للفضاءات الثقافية العربية والأوروبية. لم يكن مساره العلمي معزولاً عن الفعل الثقافي، بل امتد بين الجامعة والمؤسسة. فقد تولى إدارة المعهد العالي للفن المسرحي بين 1996 و2002، وهي مرحلة أسهم خلالها في تكوين أجيال من المسرحيين والباحثين، واضطلع مسؤوليات علمية عدة، من بينها رئاسة لجان الماجستير والدكتوراه في العلوم الثقافية، والإشراف على وحدات بحث تعنى بالثقافة والعروض، بما جعل حضوره داخل الجامعة التونسية حضوراً تأسيسياً لا وظيفياً فقط. واشتغل في المعهد الوطني للتراث في بداياته، في تقاطع لافت بين المسرح والذاكرة الشعبية، وهو ما سيطبع لاحقاً مشروعه الفكري بأكمله، حيث ظل يعتبر أن الفنون الركحية لا تنفصل عن المخزون الرمزي والأنثروبولوجي للمجتمع. كتاب لمسعود إدريس (نيل وفرات) وعلى مستوى الإنتاج الفكري، ترك إدريس رصيداً علمياً ثرياً، لم يقتصر على النقد المسرحي، بل امتد إلى التاريخ والفكر والثقافة. من أبرز أعماله “بيبلوغرافيا المسرح التونسي (1881–1956)”، و”دراسات في المسرح التونسي”، و”بدايات النقد المسرحي في تونس”، إضافة إلى مؤلفه المشترك “الشيخ عبدالعزيز الثعالبي والحركة الوطنية”، ونشر كتباً ودراسات في الثقافة والتاريخ التونسي المعاصر، مما يعكس طابعه كمثقف موسوعي يرى في المسرح مدخلاً لفهم المجتمع لا مجرد مجال فني مستقل. وقد أسهم الراحل بأكثر من 40 بحثاً علمياً تناولت قضايا التراث والسياسة والموسيقى والغناء، في امتداد طبيعي لاهتمامه بتقاطعات الثقافة، إذ ظل يشتغل على فكرة مركزية مفادها أن الظاهرة الفنية لا تفهم خارج سياقها الاجتماعي والرمزي. بهذا المسار، لم يكن محمد مسعود إدريس مجرد ناقد مسرحي، بل أحد الذين أسهموا في بناء معرفة نقدية وتاريخية حول المسرح التونسي، جامعاً بين البحث الأكاديمي والعمل الثقافي، ومؤسساً لوعي يعتبر أن المسرح ذاكرة قبل أن يكون عرضاً. حماية الذاكرة الثقافية لم يكن محمد مسعود إدريس من أولئك النقاد الذين يكتفون بمتابعة العروض المسرحية وتدوين انطباعاتها في سياقها الظرفي، بل انشغل، على امتداد مسيرته، بسؤال أكثر عمقاً واتساعاً: كيف تبنى الذاكرة الثقافية للمسرح، وكيف يمكن حمايتها من التآكل والنسيان في زمن سريع الإيقاع؟ من هذا السؤال تبلور مشروعه النقدي بوصفه محاولة واعية لكتابة ذاكرة مسرحية مهددة بالتشظي، في سياق ثقافي تتسارع فيه التحولات من دون أن تواكبها دائماً آليات التوثيق والتحليل. اقرأ المزيد رحيل الفاضل الجزيري أحد رواد المسرح التونسي الحديث فنانون يناقشون أزمات المسرح التونسي مع انطلاق أيام قرطاج في كتابه المرجعي “بيبلوغرافيا المسرح التونسي”، لا يقدم إدريس مجرد فهرسة للأعمال أو توثيقاً تقنياً للعروض والنصوص، بل يقترح، ضمنياً، قراءة تاريخية للظاهرة المسرحية من خلال آثارها المكتوبة ومساراتها غير المرئية، فكل عنوان داخل هذا المشروع هو علامة على زمن ثقافي، وكل نص هو أثر لتجربة فنية واجتماعية، مما يجعل الكتاب أقرب إلى خريطة ذاكرة ممتدة، لا إلى أرشيف جامد. ويتعزز هذا التوجه في دراساته حول تاريخ المسرح التونسي، بخاصة في الفترة الممتدة من أواخر القرن الـ19 إلى منتصف القرن الـ20، حيث اشتغل على تفكيك تشكل الممارسة المسرحية في علاقتها بالسياق الاستعماري وبالتحولات الاجتماعية والسياسية. لم يكن يكتب التاريخ من موقع الحنين، بل من موقع الفهم النقدي: كيف ولد المسرح؟ وكيف تشكلت لغته؟ وكيف تفاوض مع السلطة والمجتمع والهوية؟ وتجمع الكتابات التي تناولت تجربته على أنه كان يرى المسرح جزءاً من الحياة العامة، لا نشاطاً فنياً منفصلاً عن سياقه، بل فضاءً تتقاطع فيه السياسة والثقافة والهوية، لذلك جاء نقده مشبعاً بهذا الوعي المركب، حيث تتجاور المقاربة الجمالية مع التحليل السوسيو-ثقافي، في محاولة لفهم العرض المسرحي باعتباره ظاهرة إنسانية كاملة لا تختزل في لحظة الفرجة. ولعل ما يميز تجربته أيضاً هو ابتعاده عن النقد الانطباعي السريع، وانحيازه إلى العمل البطيء والصبور: جمع الوثائق، والتوثيق، والمقارنة، وإعادة بناء السياقات، وهو ما جعله أقرب إلى مؤرخ للمسرح منه إلى ناقد ظرفي، يكتب للذاكرة أكثر مما يكتب للحظة. بهذا المعنى، يتجاوز مشروع محمد مسعود إدريس حدود النقد المسرحي التقليدي ليصبح مشروعاً ثقافياً لحماية الذاكرة من النسيان، وامتداداً لعلاقة عميقة بين المسرح والأجيال التي تعاقبت على قراءته وإعادة تأويله، فقد راهن على فكرة بسيطة وعميقة في آن: أن المسرح لا يعيش فقط في لحظة عرضه، بل في القدرة على تذكره وإعادة قراءته وصونه داخل الذاكرة الجماعية. وبرحيله اليوم، تودع تونس حارساً من حراس ذاكرتها المسرحية، وأحد الأصوات التي ربطت بين النقد والذاكرة والأجيال المسرحية. المزيد عن: المسرح التونسي النقد الذاكرة البعد الأكاديمي مشروع ثقافي الإلتزام 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post وكيل ذكاء اصطناعي جديد لأداء المهمات اليومية بالنيابة next post مقتل قائد قوة الرضوان بـ”حزب الله” في غارة إسرائيلية You may also like دينامية التقارب واللاعنف في مواجهة الطائفية في لبنان 7 مايو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: عُمّال في لوحة من... 6 مايو، 2026 شوقي بزيع يكتب عن: أرز لبنان الذي تغنى... 6 مايو، 2026 النزعة الانسانية لدى 3 نهضويين أوروبين: مونتاني يكتشف... 6 مايو، 2026 هل تستطيع الفلسفة أن تعالج اضطراباتنا العصرية؟ 6 مايو، 2026 النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: مور يخترع... 6 مايو، 2026 قصائد الذكاء الاصطناعي أزهار بلاستيكية بلا لون 6 مايو، 2026 كيف أنتجت السينما مدن الواقع وخالفتها؟ 6 مايو، 2026 الشاعر صادق الصائغ يمضي مرهقا بأحلام المستحيل 6 مايو، 2026 النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: إيراسموس يمدح... 4 مايو، 2026