العقل والنفس بريشة أندريه دو كرو (صفحة الرسام - فيسبوك) ثقافة و فنون هل تستطيع الفلسفة أن تعالج اضطراباتنا العصرية؟ by admin 6 مايو، 2026 written by admin 6 مايو، 2026 63 حين يتعلم العقل أن يسأل: نمط وجود أو نحت للذات اندبندنت عربية / جمال نعيم أكاديمي لبناني لعل السؤال الأساس هذا لا يستقيم فهمه ما لم نحدد أولاً ما الذي يجعل الإنسان محتاجاً أصلاً إلى هذا النمط من “التداوي”. هنا لا يبرز القلق حالة طارئة، بل بنية تأسيسية أصيلة في الكيان الإنساني. ليس كل قلق واحداً، ثمة قلق ظرفي، عارض، ينشأ عن أحداث محددة: حرب، وتهديد، وأزمة اقتصادية، وخطر مباشر. هذا القلق، على شدته، يظل قابلاً الفهم في أفق نفسي أو اجتماعي، ويمكن، من حيث المبدأ، احتواؤه أو التخفيف منه بزوال سببه، إنه قلق يطرأ على الإنسان من الخارج. لكن، إلى جانب هذا القلق، ثمة قلق من نوع آخر لا ينتمي إلى الحوادث، ولا يفسر بها: قلق وجوداني ملازم الإنسان لمجرد كونه إنساناً. هذا القلق لا يتعلق بشيء محدد، ولا يتوجه إلى موضوع بعينه، فهو انكشاف على اللا – يقين، على الإمكان، على الفناء. هنا تحديداً يمكن استحضار تحليل القلق (Angst) في نصوص هايدغر، بحيث لا يكون القلق خوفاً من شيء ما، بل انكشاف الكائن الإنساني (الدازاين) على عدم استقراره الجذري، وعلى كونه ملقى في العالم من دون سند نهائي. قلق الإنسان (صفحة بسيكولوجيا – فيسبوك) في هذا الأفق، لا يعود القلق حالة نفسية، بل بنية أونطولوجية: طريقة في الكينونة يكون فيها الإنسان مكشوفاً على سؤال المعنى، وغير قادر على الاحتماء بأي يقين نهائي. إنه القلق الذي لا يمكن التخلص منه، لأنه ليس عرضاً، بل شرط. من هنا، لا يكون السؤال: كيف نتخلص من القلق؟ بل كيف نتعامل معه؟ القلق بما هو إمكان: من الانكشاف إلى التفلسف إذا كان القلق الوجوداني انكشافاً على اللا – يقين، فإنه، في الوقت نفسه، إمكان. إنه ما يفتح الإنسان على السؤال، ويمنعه من الاكتفاء بما هو معطى. غير أن هذا الإمكان ذا حدين: فإما أن يتحول إلى طاقة تفكير، وإما أن ينقلب إلى عبء ينبغي التخلص منه بأي ثمن. هنا تظهر الفلسفة بوصفها أحد السبل القليلة التي لا تسعى إلى إلغاء القلق، بل إلى التفكير فيه. فالفلسفة لا تعد بالخلاص، بل تبقي الإنسان في علاقة مفتوحة بالسؤال. لكن هذا لا يعني أن الفلسفة تغرق الإنسان في القلق، بل على العكس: إنها تمنحه أدوات التعامل معه، عبر تحويله من حالة مبهمة إلى موضوع للتفكير. على هذا المستوى، يمكن فهم ما سميناه “الإرشاد الفلسفي”. فالمشكلة لا تكمن دائماً في غياب الأجوبة، بل في سوء طرح الأسئلة. السؤال الملتبس، أو المشحون بافتراضات غير مفحوصة، لا ينتج المعرفة، بل يضاعف القلق. هذا ما أدركه سقراط حين جعل الحوار أداة لتفكيك المعتقدات، وكشف التناقضات، وإعادة بناء السؤال. لم يكن هدفه تقديم أجوبة جاهزة، بل تحرير الفكر من أوهامه. بحسب هذا المعنى، يصبح التفكير الفلسفي تمريناً: تحليل الأفهوم، كشف الافتراضات الضمنية قبل الأفهومية، إعادة صوغ المسائل. والعقل الذي يتدرب على ذلك لا يتخلص من القلق، لكنه يصبح أقدر على التعامل معه وتحمله، لأنه يفهمه. غير أن الفلسفة لا تقف عند حدود التفكير، بل تمتد إلى أسلوب العيش ونمط الحياة وفن الوجود. هنا يلتقي هذا التصور ما ذهب إليه بعض الفلاسفة المعاصرين، حين رأوا أن الفلسفة القديمة كانت تمارين روحية، لا مجرد نظريات. كما نجد صدى ذلك عند فوكو في حديثه عن “تقنيات الذات” في كتبه وكتاباته الأخيرة، أي الممارسات التي يصوغ بها الإنسان نفسه بنفسه. في هذا الأفق، لا تعود الفلسفة بحثاً عن الحقيقة فحسب، بل تصبح تدريباً على الحرية، ومقاومة للأنماط المفروضة، وسعياً إلى ابتكار أشكال جديدة من الحياة، وقدرة أكبر على التعامل مع الموت. هنا تحديداً يظهر بعدها “العلاجي”: لا بوصفه تسكيناً للألم، بل إعادة صياغة للعلاقة به. من التفلسف إلى التخدير لكن القلق، بما هو طاقة، يمكن أن يساء توجيهه. فحين تغيب الفلسفة، لا يختفي القلق الوجوداني، بل يختطف. ينزع من أفق التفكير، ويعاد تقديمه في هيئة أجوبة جاهزة. هنا تظهر ما يمكن تسميته “المخدرات الفكرية”. هذه المخدرات ليست جهلاً بسيطاً، بل شكل من اليقين المغلق. إنها أفكار تمنح راحة فورية، لكنها تعطل القدرة على التفكير النقدي. أخطرها ما يمكن تسميته “الهيرويين الفكري”: ذلك الذي يجعل الإنسان يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، فيفقد الحاجة إلى السؤال ويغرق في الإيديولوجيا المغلقة. في هذه الحالة، لا يلغى القلق، بل يغطى. غير أن ما يغطى يعود في أشكال أخرى: تعصب، وعنف رمزي، وانغلاق. اقرأ المزيد هل ما زالت الفلسفة ضرورية في زمن الاضطراب الراهن؟ على حافة الفوضى: لبنان يفتش عن المعنى بالفلسفة حين تنتشر هذه المخدرات، يتحول الأمر إلى ظاهرة جماعية. يصاب الفضاء العام بالتصلب، كما تستبدل بالنقاشات الشعارات، ويستعاض عن التفكير بالتكرار والامتثال. عندها لا يعود الاختلاف ممكناً، إذ إن كل يقين مغلق يرى في الآخر تهديداً. وهكذا، يتحول القلق غير المفكر فيه إلى عنف. مع ذلك، لا بد من التمييز. فالفلسفة لا تعالج الاضطرابات النفسية، ولا تحل محل العلاج النفسي. لكنها تشتغل على مستوى آخر: مستوى البنية التي تنتج القلق. فلا تعالج الأعراض، بل تعود للجذور. وفاقاً لهذا المعنى، ليست بديلاً عن العلاجات النفسية، بل مكملة. في محاولة لإعادة الفلسفة إلى الفضاء العام، يمكن التفكير في ما يمكن تسميته “الدردشة الفلسفية”، غير أن هذا النمط يظل مشروطاً بالمنهج، فليس كل حوار تفلسفاً. ما يميز الحوار الفلسفي هو صرامته، وقدرته على دفع التفكير نحو الوضوح. من دون ذلك، تتحول الدردشة إلى شكل آخر من التخدير. الفلسفة ضرورة أونطولوجية في النهاية، لا يكون السؤال: هل نحتاج إلى الفلسفة؟ بل: كيف نواجه القلق الذي يكوننا؟ إما أن نفكره، فنحوله إلى طاقة وحرية، وإما أن نخدره، فنحوله إلى يقين مغلق. استناداً إلى هذا المعنى، يمكن القول إن الفلسفة ليست ترفاً، بل ضرورة أونطولوجية. إنها لا تنهي القلق، بل تبقيه حياً بوصفه سؤالاً. إنها لا تداوي كما تداوي الطبابة، بل تداوي على نحو آخر: تداوي العقل من اضطراباته الأفهومية، وتعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا، وتفتح إمكان العيش بوعي وحرية. الفلسفة لا تنقذنا من القلق، بل تعلمنا كيف نحيا فيه من دون أن نخدر، ومن دون أن نستسلم. المزيد عن: الفلسفة أمراض العصر علم النفس الإضطراب نمط وجود الذات العقل السؤال الفكر 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: مور يخترع “اللامكان” (2) next post حيرة “إخوان” الأردن: تغيير الاسم أم إعادة التموضوع؟ You may also like التين والزيتون في رؤية توماس مان 10 يونيو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: جدارية الأرض المثمرة… أموية... 10 يونيو، 2026 حين كان ديكارت على حافة الجنون 10 يونيو، 2026 أفلام مدوية… أو العنصر الغامض في وليمة الشهرة 10 يونيو، 2026 الدين والفن… صدام متجدد على حدود المقدس 10 يونيو، 2026 رواية ستيفن كينغ “بؤس” تصعد المسرح في هيوستن 10 يونيو، 2026 كاثرين ألمانية حكمت روسيا وفرضت حضورها في الأدب 10 يونيو، 2026 أوراق وردية مسروقة… السر الصغير وراء قصائد سيلفيا... 5 يونيو، 2026 مارلين كنعان تكتب عن: الفلسفة تبدد الالتباس الذي... 5 يونيو، 2026 سر الواقعية السحرية عند ماركيز كما كشفه جيرالد... 5 يونيو، 2026