القافر لا يعيش صراعاً مع الجفاف بقدر ما يعيش صراعاً مع المعنى (مواقع التواصل) ثقافة و فنون دراما “القافر”… إنسانية الفقد والهوية في قرية عمانية by admin 11 مارس، 2026 written by admin 11 مارس، 2026 35 العمل اتكأ على الأدب وقدم شخصية عريقة تجمع بين المعرفة الشعبية والحدس الغامض واستخدم الماء رمزاً فلسفياً اندبندنت عربية / نجلاء أبو النجا صحافية @nojaaaaa حازت رواية “تغريبة القافر” للكاتب العماني زهران القاسمي، منذ صدورها، اهتماماً واسعاً لما تحمله من لغة شاعرية، ورؤية سردية تستكشف العلاقة العميقة بين الإنسان والماء والأرض، محققة فوزاً مستحقاً بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2023. وفي الوقت الذي تتصارع فيه الأعمال الرمضانية على جذب المشاهد عبر الحكايات الشعبية والدرامية والكوميدية، انفرد المسلسل العماني “القافر” بمكانة مختلفة وتجربة حققت معادلة فريدة تتكئ على الأدب أولاً قبل قواعد الدراما التلفزيونية التقليدية، وعرض العمل على شاشة تلفزيون سلطنة عمان منذ بداية الماراثون الرمضاني، وحقق نجاحاً مؤثراً وجدلاً كبيراً. ويدور المسلسل حول شخصية ثرية وعريقة في الثقافة العمانية القديمة، فالقافر هو الرجل الذي يمتلك قدرة خاصة على اقتفاء أثر الماء في باطن الأرض، وهو دور يجمع بين المعرفة الشعبية والحدس الغامض، بل ويكاد يقترب من الأسطورة في نظر أهل القرى. يستثمر المسلسل هذه الفكرة ليصوغ شخصية سالم القافر، بوصفه يحمل موهبة استثنائية تضعه في مواجهة مستمرة مع شكوك المجتمع من حوله، إذ يسمع سالم ما لا يسمعه الآخرون، ويرى في الأرض إشارات لا يلاحظها أحد، وبين الإيمان بهذه الموهبة والشك فيها، تنشأ الدراما الأساسية للشخصية. ومنذ اللحظة الأولى التي تبدأ فيها أحداث المسلسل يكتشف المشاهد أن الماء هو المحور الذي تدور حوله حياة القرية بأكملها وليس مجرد عنصر في القصة، وتشكل علاقة سالم بالماء علاقة قدرية وليست مهنية فقط فالبطل يولد في لحظة مأسوية، إذ تموت أمه غرقاً في بئر القرية، وهي حامل به، بينما يلقى والده لاحقاً مصيراً مأسوياً آخر، وبهذا المعنى يصبح الماء بالنسبة إلى سالم رمزاً مزدوجاً فهو مصدر الحياة والفقد في الوقت ذاته. القرية عالم الحكايات ارتكز المسلسل على عناصر قوة عدة أضفت روحاً خاصة ودفئاً فريداً، كان أبرزها التركيز على عالم القرية العمانية القديمة، إذ لا تظهر القرية مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى شخصية قائمة بذاتها. وشكلت الحقول، والبيوت الطينية، والمجالس الشعبية، وحتى الصمت الذي يخيم على الحياة اليومية نسيجاً بصرياً يعكس حياة مجتمع كامل. ومع توالي الأحداث تكشف الحكاية عن تفاصيل دقيقة لعلاقة الناس بالماء وكيف يتقاسمونه، ويخشون جفافه، ولماذا يمكن أن يتحول إلى مصدر صراع بين العائلات والسلطات الاجتماعية. ونجح هذا البعد في منح العمل عمقاً تجاوز حدود الدراما الفردية، وأبرز المسلسل وكأنه لوحة اجتماعية توثق جانباً من تاريخ الحياة الريفية في عمان. المسلسل من إخراج المخرج السوري تامر مروان إسحاق، ويساعده في الإخراج مخلص الصالح، وحسين البرم وأسامة مرعي، أما المخرجون المنفذون فهم نهلة دروبي وعلي عبدو. وشرح مخرج العمل تامر مروان إسحاق رؤيته لتحويل الرواية إلى عمل تلفزيوني، وقال “جرى الوصول مع الكاتب إلى اتفاق بأن تضاف بعض الخطوط على العمل الدرامي، وبعض الشخصيات والأفكار، كي نصل إلى 30 حلقة”. تأتي الماء محوراً تدور حوله حياة القرية بأكملها وليس مجرد عنصر هامشي (مواقع التواصل) وأضاف “سعينا أن تكون هذه الإضافات معززة لحقيقة الرواية بحيث لا تفقدها جوهرها، ولا ننسى فكرتها المغايرة وحضورها الأدبي محلياً وعربياً، وما وصلت إليه من تحقيق لمكانة أدبية متفردة”. وكشف إسحاق عن أنه كان منبهراً بالرواية ويراها عملاً فنياً يستحق التحول للدراما التلفزيونية، بخاصة أنها تحمل كثيراً من السمات والتفاصيل التي تخص القرية العمانية، وما تضمه من تقاطعات بصرية غنية بالتفاصيل، ولكل الأسباب السابقة حاول التوفيق بين العمل الدرامي والحكاية والشخصيات والأجواء العامة، واكتشفت أن حياة القرية العمانية مرتبطة بوقائع وأحداث وثيقة تمتد لسنوات طويلة وترتبط بالتاريخ. وعن حماسته لعمل يتحدث عن القرية العمانية قال إسحاق “الأعمال التراثية ملهمة، وتقودني إلى اكتشاف كثير مما قدمه الإنسان في الماضي ليكون أكثر توافقاً مع أرضه، وهذا ما وجدته في (القافر) عبر تسلسل أحداث العمل، والرواية نفسها كانت مصدر إلهام بصري قوي، إذ تكشف عن عالم غني بالتفاصيل الإنسانية والبيئية”، مؤكداً أن الأعمال التراثية تمنح المخرج فرصة لاكتشاف علاقة الإنسان بأرضه. شخصيات وصراعات لعب دور الشخصيات الأساسية بمسلسل “القافر” نخبة من الممثلين، منهم سميرة الوهيبي، ومحمد بن خميس المعمري في دور والد القافر، وجسد دور القافر في مرحلة الطفولة الطفل فراس الرواحي، وفي مرحلة الشباب الممثل محمد بن صالح السيابي، كما شارك بالعمل عبدالسلام التميمي وزكريا الزجالي وخالد المعني. أما نورة الفارسي فلعبت شخصية والدة القافر التي فارقت الحياة غريقة في بئر القرية، وهي حبلى به، وجسدت مريم المعمري دور آسيا، وهي السيدة التي تتولى تربية القافر بعد وفاة والدته مباشرة. اعتمدت حبكة دراما مسلسل “القافر” على سلسلة من العلاقات الإنسانية المتشابكة، فشخصية الشيخ حامد تمثل السلطة الاجتماعية التقليدية داخل القرية، فهو الرجل الذي يملك النفوذ والهيبة، لكنه في الوقت نفسه جزء من نسيج المجتمع الذي يحاول الحفاظ على تماسكه، وفي المقابل، يظهر زهير بوصفه الشخصية الأكثر ميلاً إلى الشر في القصة، إذ تتقاطع طموحاته مع مصالح الآخرين، مما يخلق سلسلة من الصراعات التي تدفع الأحداث إلى أماكن غير متوقعة. أما الشخصيات النسائية في العمل فتلعب دوراً مؤثراً في تشكيل مصير البطل، وتبدأ الحكاية مع شخصية مريم، والدة القافر، التي تموت في الحلقة الأولى غرقاً في بئر القرية، لكن حضورها الرمزي يظل قائماً طوال الأحداث، وتمنح هذه البداية التراجيدية القصة بعداً عاطفياً عميقاً فالبطل يعيش حياته وهو يحمل ذاكرة أم لم يعرفها. وتظهر شخصية كاذية عمة القافر التي تصبح بمثابة الأم البديلة، وتؤدي هذا الدور الفنانة سميرة الوهيبي التي تعود للشاشة بعد غياب طويل دام نحو 18 عاماً، وتشير الوهيبي إلى أن أكثر ما جذبها إلى الدور هو طبيعته الإنسانية، إذ تمثل كاذية نموذج المرأة التي تعيش بين الناس وتكرس حياتها لرعاية طفل يتيم. جاءت القرية في المسلسل شخصية قائمة بذاتها لا خلفية للأحداث (مواقع التواصل) وأضافت الوهيبي أن قوة العمل كمنت في أن النص يعكس العلاقات المتشابكة داخل المجتمع القروي، إذ قد تتصادم الشخصيات في لحظة، ثم تتآلف في لحظة أخرى حول مائدة الطعام أو في مواجهة مشكلة مشتركة. من الشخصيات المحورية أيضاً شخصية عبدالله، والد القافر، التي يقدمها الفنان محمد بن خميس المعمري، وتمثل هذه الشخصية صورة الأب الصامد، الذي يعيش من أجل ابنه على رغم ما يعانيه من فقد وخوف. ويصف المعمري الشخصية بأنها ليست مجرد أب، بل ذاكرة تمشي على قدمين، فعبدالله يفقد زوجته غرقاً، ويواجه ظلماً اجتماعياً يجبره على العمل تحت سلطة الآخرين، لكنه يخفي كثيراً من الحقائق عن ابنه في محاولة لحمايته من قسوة العالم. وتحمل الشخصية في داخلها تاريخ عائلة كاملة، وصراعاً مستمراً مع مجتمع تحكمه العادات والسلطة الاجتماعية. أما الشخصية الأساسية، وهي سالم القافر، التي يؤديها الفنان محمد بن صالح السيابي في مرحلة الشباب، فتدور في إطار أقرب إلى البعد الفلسفي من الدراما التقليدية. وهذا المنعطف منح الشخصية طابعاً مختلفاً يعتمد على الصمت والسكون أكثر مما يعتمد على الانفعال، فكثير من صراعات القافر تحدث داخل روحه، وليس في المواجهات الخارجية. والقافر كما يراه السيابي، لا يعيش صراعاً مع الجفاف بقدر ما يعيش صراعاً مع المعنى، لأن الماء في القصة ليس مجرد مورد طبيعي، بل رمز للهوية واليقين. ويرى السيابي أن سالم ليس رجلاً يبحث عن الماء فقط، بل إنسان يحاول أن يثبت لنفسه أن حدسه ليس وهماً. من الأدب إلى الشاشة تحويل رواية “تغريبة القافر” إلى مسلسل تلفزيوني يعكس توجهاً متزايداً في الدراما العربية نحو الاستفادة من الأدب، فالروايات توفر مادة سردية عميقة وشخصيات مركبة، وهي عناصر تمنح الدراما فرصة للخروج من النمطية. وأكد محمد بن عبدالله العجمي، رئيس الجمعية العمانية للسينما، أن المشهد الثقافي العماني نادراً ما ينظر إلى التحولات الثقافية كصدمات حادة، بل كمسارات بطيئة تتشكل عبر الذاكرة والحكايات والأدب، ومن هنا تكتسب رواية “تغريبة القافر” أهميتها، فهي عمل أدبي رفيع استطاع أن يلتقط هذه التحولات غير المرئية، ويحولها إلى سرد إنساني عميق يتجاوز الحكاية إلى التأمل في علاقة الإنسان بالمكان والزمن والذاكرة الجمعية. وكشف العجمي عن أن الرواية نجحت في أن تجعل من التفاصيل المحلية جسراً نحو أسئلة إنسانية كبرى تتجاوز حدود المكان فجاءت الحقول والقرى والصمت اليومي عناصر سردية نابضة بالحياة، لا مجرد خلفيات جامدة، كما نجح المسلسل في تحويل المكان العماني إلى بطل بصري مستقل، بعيداً من الصورة السياحية أو الفولكلورية السطحية، مقدماً القرية العمانية فضاء درامياً غنياً يتضمن قصصاً إنسانية عميقة وتحولات داخلية صامتة بالغة التأثير. كمنت قوة العمل في أن النص يعكس العلاقات المتشابكة داخل المجتمع القروي واختتم أن هذا العمل أدبياً ودرامياً لا يمثل مجرد تجربة فنية ناجحة، بل يؤسس لخطاب بصري عماني ناضج يقوم على التأمل والصدق، ويؤكد أن الدراما يمكن أن تكون امتداداً للأدب لا بديلاً عنه. ويرى عدد آخر من الكتاب العمانيين أن هذه التجربة يمكن أن تفتح الباب أمام تحويل مزيد من الروايات المحلية إلى أعمال درامية، فالأدب العماني على رغم غناه لم يحظ بعد بحضور واسع على الشاشة مقارنة بآداب عربية أخرى. جذب مسلسل “القافر” الجمهور، لأنه لم يقدم البطل رجلاً يبحث فقط عن الماء في باطن الأرض، لكنه تحدث بعمق عن علاقة الإنسان بأرضه، وعن صراعه لإثبات نفسه، وهكذا تحول القافر من مجرد مهنة قديمة إلى رمز إنساني عميق، ولخص رحلة بحث لا تنتهي عن المعنى والحياة التي تختبئ أحياناً في أعماق الأرض. المزيد عن: القافر عمان زهران القاسمي تغريبة القافر دراما رمضان 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إيران تهدد بمصادرة ممتلكات المعارضين في الخارج next post جنون العنف في رواية بارغيس “البرتقال الآلي” وفيلم كوبريك You may also like أميركي يكتب التاريخ “الحقيقي” للاشتراكية: الأبطال بشر أيضا! 11 مارس، 2026 عبده وازن يكتب عن: عندما يمثل العربي “الآخر”... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الكاتبة الطليعية في السرد والنقد والترجمة 11 مارس، 2026 جنون العنف في رواية بارغيس “البرتقال الآلي” وفيلم... 11 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: ذبح الطرائد في لوحتين... 11 مارس، 2026 شوقي بزيع يكتب عن: أي دور للكتّاب والمبدعين... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف 11 مارس، 2026 المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح... 11 مارس، 2026 سلمى مرشاق رحلت بعد 5 سنوات من نكبة... 11 مارس، 2026 السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة 10 مارس، 2026